نص متحرك

♥†♥انا هو الراعي الصالح و الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف يو 10 : 11 ♥†♥ فيقيم الخراف عن يمينه و الجداء عن اليسار مت32:25 ♥†♥ فلما خرج يسوع راى جمعا كثيرا فتحنن عليهم اذ كانوا كخراف لا راعي لها فابتدا يعلمهم كثيرا مر 34:6 ♥†♥ و اما الذي يدخل من الباب فهو راعي الخراف يو 2:10 ♥†♥

الثلاثاء، 13 يناير 2026

الإدانة وخطورتها الروحية - ٦٠

 الإدانة وخطورتها الروحية - ٦٠


تُعدّ الإدانة من الممارسات الخطرة التي يقع فيها الإنسان ضد أخيه، إذ تتناقض مع روح المحبة والرحمة التي يدعو إليها الإنجيل، وتعيق النمو الروحي والشركة مع الله. فالإدانة ليست مجرد نقد سطحي أو تقييم للأفعال، بل هي موقف داخلي متكبّر يضع الإنسان في موضع القاضي للآخرين. لذلك أهتم الكتاب المقدس وآباء الكنيسة وعلماء النفس بمعالجة هذه الظاهرة لما لها من آثار مدمّرة على الفرد والمجتمع.

أولاً: الإدانة في الكتاب المقدس

+ علمنا السيد المسيح ان لا ندين وقال { لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم}(مت 7: 1-2). بهذا يضع المسيح الإدانة في موضع الخطيئة التي ترتدّ على صاحبها، مؤكداً أن الحكم على الآخرين هو اختصاص الله وحده، ولهذا قال الكتاب { لاَ يَزْدَرِ مَنْ يَأْكُلُ بِمَنْ لاَ يَأْكُلُ، وَلاَ يَدِنْ مَنْ لاَ يَأْكُلُ مَنْ يَأْكُلُ، لأَنَّ اللهَ قَبِلَهُ. مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟ هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ. وَلكِنَّهُ سَيُثَبَّتُ، لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُثَبِّتَهُ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَلِمَاذَا تَدِينُ أَخَاكَ؟ أَوْ أَنْتَ أَيْضًا، لِمَاذَا تَزْدَرِي بِأَخِيكَ؟ لأَنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ،  فَإِذًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُعْطِي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا ِللهِ. }(رو ١٤: ٣، ٤، ١٠، ١٢).

فبالادانة ينصب الأنسان نفسه قاضيا ودياناً علي الغير عوضاً عن الله الحاكم العادل ويغتصب الحكم من الله لهذا يقول الكتاب {لِذلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ، كُلُّ مَنْ يَدِينُ. لأَنَّكَ فِي مَا تَدِينُ غَيْرَكَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ. لأَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ تَفْعَلُ تِلْكَ الأُمُورَ بِعَيْنِهَا!  وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ دَيْنُونَةَ اللهِ هِيَ حَسَبُ الْحَقِّ عَلَى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ.  أَفَتَظُنُّ هذَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تَدِينُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ، وَأَنْتَ تَفْعَلُهَا، أَنَّكَ تَنْجُو مِنْ دَيْنُونَةِ اللهِ؟  أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟  وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ. }(رو ٢: ١-٦). إن الإدانة تُضعف المحبة وتزرع الانقسام داخل الجماعة. 

ثانياً: الادانة في فكر وحياة القديسين

* يحذر القديس الأنبا أنطونيوس من الأدانه ويقول " من يراقب خطايا الآخرين ولا ينتبه إلي ضعفه، يشبه من يترك جثة ميت في بيته ويذهب ليبكى ميت غيره".

* ويروى عن القديس مقاريوس الكبير انه عندما كان يقال له عن خطايا الإخوة فكان يردّ" أنا نفسي أخطئ كل يوم فكيف ادين غيرى؟"

* القديس يوحنا ذهبي الفم يقول: "الإدانة هي خطية مزدوجة، لأنك تضع نفسك موضع الله، وتجرح أخاك بكلامك."

* اقيم مجمع للحكم علي أحد الأخوة في زمن القوى الأنبا موسى وارسلوا في طلبه للحضور ولما علم بالموضوع حمل كيس من الخيش مملؤ بالرمل ومثقوب من أسفله وعندما أتي إلي المجمع وسألوه لماذا فعل هكذا قال لهم هذه خطاياي تنسكب من خلفي وها أنا احضر لأدين أخي، فسامحوا الأخ المذنب فتاب عن خطيته.

* في بستان الرهبان، قيل عن أحد الآباء أنه رأى أخًا يسقط في خطية، فبكى وقال: "اليوم سقط هو، وغداً أسقط أنا." هذه الخبرات تكشف أن القداسة لا تُبنى على مراقبة عثرات الآخرين بل على التواضع والرحمة.

ثالثاً: الإدانة في علم النفس

* يربط علماء النفس بين الإدانة والشعور بالنقص؛ فالذي يدين غيره غالبًا ما يُسقط ضعفاته على الآخرين .

* الإدانة المستمرة تؤدي إلى القلق، العصابية، واضطراب العلاقات الاجتماعية، لأنها تنشئ بيئة نقدية سلبية تقلل من الثقة بالنفس والآخرين.

* يشير "كارل يونغ" إلى أن ما ندينه في الآخرين غالبًا ما يعكس ما نخاف مواجهته في ذواتنا.

رابعاً: الإدانة في المجتمع

* الإدانة تولّد التمييز والظلم الاجتماعي، لأنها تزرع الانقسام بين الناس.

* المجتمعات التي يسود فيها النقد الجارح تفقد روح التعاون والتسامح، ويشيع فيها الإقصاء والتعصّب.

* بينما المجتمعات التي تتبنى مبدأ قبول الآخر تنمو في الاستقرار والإبداع.

خامساً: علاج الإدانة والتخلّص منها

+ التوبة اليومية وفحص الذات أمام الله والأعتراف بضعفنا امام الله والتماس الأعذار للأخرين{ فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ.} (أع ٣: ١٩)

+ الصلاة من أجل الآخرين بدلاً من إدانتهم { لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ. وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ هكَذَا.} (لو ٦: ٢٧، ٢٨، ٣١)

 + ممارسة المحبة العملية التي تستر الخطايا وتشجع صغار النفوس { وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا. (١ بط ٤: ٨).

+ تدريب عملي أوصى به القديس باسيليوس: "اصمت عن خطايا الآخرين، تكلم عن فضائلهم، وانشغل بخطاياك."

+ التواضع كسلاح مضاد للإدانة، لأن من يعرف ضعفه لا يجرؤ أن يدين الآخرين.

+ اما نفسياً واجتماعياً علينا أن ندرك أن الإدانة تسقط من داخلنا ما نخشى مواجهته.

+ طور في نفسك مهارات التفكير الإيجابي وقبول الاختلافات.

 + تربية الضمير الجمعي على ثقافة الاحترام والتقدير بدل النقد المستمر.

إن الإدانة هي خطية مدمّرة تحطم النفس والعلاقات، وتعيق الشركة مع الله. لهذا دعانا السيد المسيح إلى المحبة بدلاً من الإدانة، وسار الآباء القديسون على نفس النهج بالتواضع والرحمة. كما يكشف علم النفس والاجتماع عن أضرار الأدانة النفسية والاجتماعية البالغة. والعلاج يكمن في التوبة، التواضع، محبة الآخرين، واستبدال لغة النقد بلغة المحبة والبنيان والتشجيع.

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

المراجع 

* الكتاب المقدس 

* القديس يوحنا ذهبي الفم، العظات على إنجيل متى.

* بستان الرهبان، أقوال وسير الآباء.

* القديس أنطونيوس الكبير، رسائل روحية.

* Thomas Merton, No Man is an Island, Harcourt, 1955

* Rollo May, Love and Will, 1969.

* د. ماهر صموئيل، الإدمان والنفس البشرية.

* يوسف حبيب، القديس مقاريوس الكبير وسير الرهبان الأوائل.

الاثنين، 12 يناير 2026

الإلحاد وموجهته - ٥٩

 الإلحاد وموجهته - ٥٩

يشهد العالم المعاصر تيارات الإلحاد واللادينية، خاصة في أوساط الشباب المتأثر بالفكر العلمي والمادي والنزعات الفردية الحديثة. ولم يعد الإلحاد مجرد إنكار لوجود الله، بل أصبح منهج فكري يسعى إلى تفسير الوجود دون حاجة إلى الإيمان، متكئًا على العلم التجريبي والنسبية الأخلاقية. والمسيحية منذ نشأتها لم تهرب من مواجهة الشك، بل قدمت ردودًا عقلية وروحية عميقة تؤكد أن الإيمان لا يناقض العقل، بل يسمو به إلى الحقيقة الكاملة في الله.

أولًا: جذور الإلحاد المعاصر

الإلحاد الحديث ليس وليد اليوم، بل هو ثمرة لتطور فلسفي طويل بدأ مع عصر التنوير في اوربا، حيث نادى الفلاسفة بالعقل كمصدر وحيد للمعرفة، واستبعاد الله من دائرة الفكر العلمي. ثم اذداد في القرن التاسع عشر مع لودفيغ فويرباخ الذي اعتبر الله إسقاطًا لرغبات الإنسان وكارل ماركس الذي رأى أن الدين “أفيون الشعوب”. ثم فريدريك نيتشه الذي أعلن “موت الإله”. وسيغموند فرويد الذي فسّر الإيمان بأنه إسقاط نفسي لحاجة الإنسان إلى الأب. أما اليوم، فالإلحاد يرتدي ثوب “العلم” و”الحرية الشخصية” و”حقوق الإنسان”، لكنه غالبًا ما يُقصي البعد الروحي ويختزل الإنسان في بعده المادي فقط.

ثانيًا: الكتاب المقدس والآباء ومواجهة الإلحاد

+ الكتاب المقدس لا يناقش وجود الله كموضوع جدلي، بل يعلنه كحقيقة أزلية لكن الجاهل يقول { قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: لَيْسَ إِلَهٌ} (مز١:١٤). وفي العهد الجديد، يعلن القديس بولس أن الخلق يشهد لوجود الله: { لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرَى مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ} (رو 1: 20). والكتاب المقدس لا يدعونا إلى إيمان أعمى، بل إلى إيمان عقلي مستنير بالوحي، حيث يعمل العقل والإيمان معًا لا ضد بعضهما.

+ الآباء القديسون أكدوا دومًا أن العقل عطية إلهية تُستخدم لفهم الإيمان. فيقول القديس أثناسيوس الرسولي في كتابه تجسد الكلمة: "الله لم يترك نفسه بلا شاهد، بل أودع في الإنسان عقلًا ليميز به وجود الخالق في الخليقة.". وأما القديس أوغسطينوس فيقول: "آمن لكي تفهم، وافهم لكي تؤمن أكثر."  ويقول القديس غريغوريوس النزينزي: "العقل هو النور الذي يقودنا إلى معرفة الله، ولكن الإيمان هو الذي يجعلنا نحيا فيه." من هنا، فالإيمان المسيحي ليس انفعالًا عاطفيًا، بل هو التقاء بين نور العقل ونور النعمة.

ثالثا: البعد النفسي للإلحاد في علم النفس..

علم النفس المسيحي يرى أن كثيرًا من صور الإلحاد تنبع من جراح نفسية أكثر منها مناقشات عقلية وحتى الإحباطات الروحية من صورة قاسية أو خاطئة عن الله.

والتجارب المؤلمة تجعل البعض يرفض وجود إله يسمح بالألم. والبعض تحت سيطرة نزعة استقلالية يرفض السلطة والقيود الأخلاقية. ويرى فيكتور فرانكل مؤسس العلاج بالمعنى أن فقدان الإيمان يؤدي إلى “الفراغ الوجودي” الذي يولد القلق والاكتئاب. فالإيمان بالله لا يملأ الفراغ الفكري فقط، بل يشفي جراح النفس بإعطائها معنى للألم والوجود.

رابعاً: الرد الفلسفي والعقلي على الإلحاد

الفلسفة المسيحية تقدم حججًا عقلية قوية ضد الإلحاد، منها:

* البرهان الكوني: كل موجود له علة، والعلة الأولى هي الله.

* البرهان الغائي: النظام الدقيق في الكون يدل على وجود عقل عظيم منظم وراءه.

* البرهان الأخلاقي: وجود ضمير أخلاقي كوني يشير إلى مصدر مطلق للخير.

* البرهان الوجودي: توق الإنسان إلى الكمال والخلود يدل على أن هناك من يغرس فيه هذا الشوق الإلهي.

كما قال سي. إس. لويس: "لو لم يكن في الكون إله، لما وُجد فيّ هذا العطش إلى ما لا يُشبع في العالم."

خامساً: مواجهة الإلحاد في عالم اليوم

1. بالإيمان الحي

الإيمان ليس مجرد أفكار، بل علاقة شخصية مع الله في المسيح يسوع ربنا الذي قال: {طوبى للذين آمنوا ولم يروا} (يو 20: 29). والإيمان الحقيقي يُختبر بالصلاة والمحبة وخدمة الآخرين.

2. بالعقل المستنير

ينبغي للمؤمنين أن يعرفوا كيف يجاوبوا عن سبب الرجاء الذي فيهم { بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ.} (١ بط ٣: ١٥). نحتاج إلى تنمية دراسة اللاهوت الدفاعي في التعليم الكنسي والشبابي وحتى في العظات التى يقدمها الخدام للشعب.

3. بالقدوة والشهادة

القديس يوستينوس الشهيد غيّر ورد كثير من فلاسفة عصره للإيمان المسيحي بشهادة حياته لا بالحجج فقط. اليوم أيضًا، الحياة المسيحية الأصيلة هي أقوى رد على الإلحاد.

+ الإيمان قوة شفاء وعلاج في زمن الشك والفراغ، يقدم الإيمان بالمسيح شفاءً شامل للعقل ويهب المعنى والقيمة والفهم والحكمة للنفس ويحرر من القلق والعبثية ويعطى الأمان والسلام للروح حيث يربط الإنسان بالله مصدر الوجود. الإيمان لا يُلغي السؤال، بل يمنحه اجابات شافية ويهب الحياة سلام وراحه وفرح ابدي.

+ الإلحاد المعاصر هو تحدٍّى وفرصة في آن واحد. إنه يدعونا إلى تجديد شهادتنا عن الإيمان الحي والعقل المتزن، وإلى تقديم المسيحية لا كفكر نظري بل كخبرة حب وحرية ومعنى. الإيمان بالمسيح لا يقف ضد العقل، بل يرفعه ليبلغ الخلاص والسلام والنور الكامل الذي نستمده من الله، أمين.

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

المراجع المقترحة

* الكتاب المقدس 

* القديس أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة.

* القديس أوغسطينوس، الاعترافات ومدينة الله.

* القديس يوستينوس الشهيد، الدفاع الأول عن المسيحية.

* الأنبا اغريغوريوس. اللإهوت الدفاعى في الفكر المسيحي

* سي. إس. لويس، مجرد مسيحية (Mere Christianity).

* فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى.

* توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية (Summa Theologica).

الشعور بالذنب وعلاجه - ٥٨

 الشعور بالذنب وعلاجه - ٥٨

+ الشعور بالذنب من الخبرات الإنسانية التي تؤثر على حياتنا روحياً ونفسياً واجتماعياً، فالإنسان بصفته كائن أخلاقي وروحي، يحمل ضمير حي يوجّهه نحو الخير ويحذّره من الشر. غير أن الضمير قد يتحول أحياناً إلى سيف جارح إذا استُغل بصورة خاطئة، بالانغلاق على الذات أو الاستسلام لليأس. ومن هنا تأتي أهمية دراسة الشعور بالذنب في ضوء الفكر المسيحي الآبائي والكتاب المقدس، مع الاستفادة من إسهامات علم النفس الحديث، للوصول إلى علاج متكامل يحرر الإنسان من الشعور المَرَضي بالذنب ويقوده إلى التوبة والحرية في المسيح.


اولاً: مفهموم الشعور بالذنب 

+ يظهر الشعور بالذنب في الكتاب المقدس منذ سقوط آدم وحواء: { فعرفت أعينهما أنهما عريانان، فاختبآ من وجه الرب الإله} (تك 3: 7-8). فالذنب هنا مرتبط بالخطيئة وبالانفصال عن الله. وقايين عندما قام علي اخيه وقتله وواجهه الله فقال:  { ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ. إِنَّكَ قَدْ طَرَدْتَنِي الْيَوْمَ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي وَأَكُونُ تَائِهًا وَهَارِبًا فِي الأَرْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي. }(تك ٤: ١٣، ١٤). ونحن نصلى ونطلب في الصلاة التي علمنا الرب يسوع المسيح ونقول: { وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. }(مت ٦: ١٢). لنقدم المغفرة لمن يذنب الينا ونتقبل الغفران لذنوبنا من الله. ويعطة الله الغفران للتائبين بل ويدعونا: { هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ الرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَالدُّودِيِّ تَصِيرُ كَالصُّوفِ.} (إش ١: ١٨). ونصلي مع داود المرنم ونقول : { قللباً نقياً اخلق فيَّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدّد في داخلي. }(مز 51: 10). ويعلمنا آباء الكنيسة أن المسيح يحررنا من ثقل الشعور بالذنب فيقول القديس أثناسيوس الرسولي أن المسيح بتجسده وفدائه حرّر الإنسان من ثقل الذنب وأعاد إليه صورة البنوة. أما القديس يوحنا الذهبي الفم يشدد أن الخطر ليس في الخطيئة بل في اليأس: { الخطيئة جرح، أما اليأس فهو الموت.}

+  المفهوم النفسي للشعور بالذنب 

يقول سيجموند فرويد أن الشعور الذنب ينتج عن الصراع بين الرغبات واللذة وبين "الأنا" التي تتعامل مع الواقع وتحاول التكيف معه حسب البيئة والظروف  ومع "الأنا الأعلى" المتمثلة في المثل العليا والأخلاق هذا الصراع غالباً ما يكون مكبوت ويأتي التوبيخ المرضى للنفس عن تجاوزاتها والخجل بالشعور بالذنب ويؤدي إلى العصاب والمرض بدلا من السعى للتغير واصلاح الذات. أما يونغ فيقول أن الشعور بالذنب مرتبط بالانفصال عن الذات الحقيقية وعن البُعد ما هو روحي. ويميز علم النفس المعاصر  بين الشعور بالذنب البنّاء الذي يحفز على التغيير والشعور بالذنب المرضي الذي يولّد القلق والاكتئاب.

ثانياً: خطورة الشعور بالذنب

+ على المستوى الروحي فان الشعور بالذنب المَرَضي يعيق التوبة ويجعل الإنسان يائساً من الغفران (رؤ 12: 10). فيطفئ فرحه الخلاص والتوبة والقبول من الله كآب صالح والله رحيم ويغلق القلب أمام عمل الروح القدس (مز 51: 12). ويحوّل التركيز من محبة الله إلى الحزن علي الذات الجريحة مما يجلب القلق واليأس 

+ اما على المستوى النفسي فالشعور بالذنب يؤدي إلى اضطرابات القلق والاكتئاب (Beck, 1976). ويخلق شعوراً بعدم الاستحقاق وجلد الذات. ويعيق العلاقات الاجتماعية السليمة ويولّد عزلة أو عدوانية. ويقود إلى سلوكيات مدمّرة كالإدمان، والانسحاب من الحياة، والتدمير الذاتي للنفس.

ثالثاً:  العلاج الروحي والنفسي للشعور بالذنب

+ التوبة والعودة إلى الله.. إن التوبة ليست حزن عاطفي بل هي تغيير الاتجاه نحو الله. يقول القديس باسيليوس الكبير:  "التوبة هي الانسحاب من الشر والسلوك في طريق الفضيلة."

+ الإيمان بغفران الله .. الإيمان بالغفران يحرر الضمير ويهب سلام للنفس ويمتعنا بالبنوة لله ويغيرنا للأفضل { إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا}(1يو 1: 9).

+  سر الاعتراف .. ترى الكنيسة في الاعتراف علاجاً روحياً ونفسياً، إذ يمنح الإنسان راحة الضمير وسلام القلب.

+ الصلاة والمصالحة مع الذات..  الصلاة العميقة والتسليم لله يقودان إلى شفاء داخلي. والقديس مقاريوس الكبير يؤكد أن الصلاة الحقيقية هي لقاء القلب مع الله، حيث يسكب الروح القدس سلاماً يرفع ثقل الذنب.

 العلاج النفسي للشعور بالذنب

 + علينا أن نميز بين الذنب الحقيقي والمتخيل

كثيرون يشعرون بالذنب لأمور لم يرتكبوها فعلاً كمثل ضحايا الاعتداء أو أبناء العائلات المفككة والمعالج النفسي يساعد في كشف هذه الأوهام.

+ كما أن العلاج المعرفي السلوكي يصحح الأفكار السلبية مثل: "أنا لا أستحق الغفران"، ويستبدلها بفكر واقعي إيجابي باستحقاقنا للغفران كابناء لله ويعلن لنا أننا يمكن ان نعيش الحياة الأفضل.

+  التسامح مع الذات..

الاعتراف بمحدودية الإنسان وقبوله ككائن يتعلم من أخطائه لا كفاشل مدان فالحكيم يتعلم من أخطائه ويرجع عنها ولا يعود اليها وينمو في حياته وعلاقاته.

+  إعادة بناء العلاقات..  هى عمليه إصلاح لما أفسده الخطأ، وطلب الغفران من الآخرين، فيحرران الإنسان من ثقل الذنب.

رابعا:  التكامل بين الروحي والنفسي

العلاج الروحي والنفسي لا يتناقضان، بل يتكاملان فالعلاج الروحي يمنح الغفران والسلام والرجاء. والعلاج النفسي يساعد في فهم الذات وتحريرها من مشاعر الذنب غير المبررة. هذا التكامل يحقق شفاءً شاملاً للإنسان، فيحيا حرية مجد ابناء الله (رو 8: 21).

+ إن الشعور بالذنب خبرة إنسانية عميقة، يمكن أن تكون قوة دافعة نحو التوبة والتغيير، أو فخاً مدمراً يقود إلى اليأس والاكتئاب. الحل يكمن في توازن العلاج الروحي والنفسي: التوبة وسر الاعتراف من جانب، والعلاج النفسي والتسامح مع الذات من جانب آخر. حينها يعيش الإنسان سلام الغفران وفرح الحرية في المسيح يسوع ربنا.

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

...

المراجع

* الكتاب المقدس بعهديه

* أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة.

* يوحنا الذهبي الفم، عظات عن التوبة.

* باسيليوس الكبير، رسائل عن الحياة المسيحية.

* مقاريوس الكبير، العظات الروحية.

مراجع نفسية 

*      Jung, C. G. (1958). Psychology and Religion.

*    Beck, A. T. (1976). Cognitive Therapy and the Emotional Disorders.

*  Lewis, C. S. (1940). The Problem  Pain.

القلق وعلاجه - ٥٧

 القلق وعلاجه - ٥٧


القلق من أبرز التحديات النفسية في العصر الحديث، حتى لُقِّب بـ"مرض العصر" نظرًا لشيوعه وتأثيره الواسع على الإنسان جسديًا ونفسيًا وروحيًا. والقلق لا يقتصر على مشاعر عابرة من الخوف، بل قد يتحول أحيانًا إلى اضطراب مرضي يعيق الإنسان عن ممارسة حياته الطبيعية. ومن هنا تأتي أهمية المعرفة الشاملة للقلق بين الرؤية الكتابية والآبائية والنفسية، والعلاج الطبي الحديث، خاصة في ضوء فكر الأباء المختبرين وعلماء النفس والأطباء الذين سعوا إلى الربط بين الإيمان والعلم.

أولًا: مفهوم القلق

+ القلق حالة انفعالية تتميز بالشعور بالخوف من خطر غير محدد، ويصاحبه عادة أعراض جسدية مثل سرعة ضربات القلب، التعرق، واضطراب النوم. ويُميز علم النفس بين القلق الطبيعي كاستجابة فطرية تحفّز الإنسان على الحذر. والقلق المرضي كاضطراب يسيطر على التفكير والسلوك ويعطل الأداء.

+  الكتاب المقدس يحذر من القلق المفرط ويقول : { لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون… أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس؟} (مت 6: 25). ويوصينا أن لا نقلق ونضطرب علي الغد { فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ.} (مت ٦: ٣٤). والقديس بولس الرسول يوصينا ان لا نقلق بل نصلي ونشكر ليشملنا سلام الله  { لا تهتموا بشيء، بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر لتُعلَم طلباتكم لدى الله، وسلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع} (في 4: 6-7). وكلمنا تقوي إيماننا في محبة الله تضاءل قلقنا وزال الخوف وحصلنا علي السلام. كما يعلمنا أباء الكنيسة أن نثق في الله كعلاج للقلق والحصول علي السلام فيقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "من يثق بالمسيح لا يخاف من اضطرابات هذا العالم، لأن سلام الله يحرس قلبه".. أما القديس الأنبا أنطونيوس الكبير فيقول: "لا تحمل همّ الغد، فإن الله الذي أعانك اليوم سيعولك أيضًا غدًا".

ثانيًا: أسباب القلق

للقلق أسباب عده منها الأسباب النفسية كالتفكير السلبي والكوارثي. او ضغوط العمل والأسرة والمجتمع. أو الصدمات التي تعرض لها الإنسان في الماضي أو فقدان الأمان الشخصى او المجتمعي. كما أن للقلق أسبابه الطبية والبيولوجية كاضطراب الناقلات العصبية (السيروتونين، الدوبامين). والعوامل الوراثية والاستعداد البيولوجي. والأمراض الجسدية المزمنة. وللقلق أسباب روحية منها ضعف الإيمان والاتكال على الذات بدلًا من الله. أو الانشغال الزائد بالمال  أو المستقبل. أو الابتعاد عن حياة الصلاة والأسرار الكنسية او التعرض لضغوطات الحياة والتغيرات المتلاحقة في الحياة.

ثالثًا: علاج القلق

+ العلاج الروحي

الصلاة والتسليم: كما أوصى الكتاب{ لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. }(في ٤: ٦، ٧). كما أن صلاة المزامير دواء للنفس يقول القديس أثناسيوس: "المزمور دواء للنفس، يطرد الحزن ويعطي رجاءً.". والاعتراف والأرشاد الروحي والتناول يمنحان غفرانًا وسلامًا. كما أن التأمل في محبة الله يبدد منا الخوف من المستقبل.

+  العلاج النفسي

العلاج المعرفي السلوكي: يساعد المريض على تغيير الأفكار المشوهة (Beck, 2011). وهناك تقنيات الاسترخاء: مثل التنفس العميق وتمارين الوعي (Mindfulness). والعلاج بالمعنى: فيؤكد الدكتور فيكتور فرانكل، أن الإنسان يتغلب على القلق حين يكتشف معنى لحياته (Frankl, Man’s Search for Meaning, 1946). كما أن الدعم الجماعي ومشاركة المخاوف مع مرشد روحي أو معالج نفسي يشفي من القلق. يجب أن نتعلم ان نثق في الله وفي أنفسنا وقدرتنا علي تجاوز المخاوف التي تؤرقنا فمعظمها أوهام ولن تحدث لكى نحيا في سلام.

+  العلاج الطبي

العلاج بالأدوية: مضادات القلق والاكتئاب، تحت إشراف الطبيب والعناية الجسدية مثل الرياضة، النوم المنتظم، التغذية السليمة. والتكامل بين الروح والجسد:  يقول القديس باسيليوس الكبير: "الله وهب الطب كعطية، ليعين الجسد على احتمال الضعف، فيستطيع العقل أن يخدم الله.".

+ إن الإنسان وحدة متكاملة من روح ونفس وجسد. وعلاج القلق يتطلب كل هذه الأبعاد كالبعد الروحي بالإيمان والسلام الداخلي. والبعد النفسي بتعديل الفكر والسلوك وتجديد الذهن والبعد الطبي بالدعم الدوائي عند الحاجة. هذا النهج المتكامل يتوافق مع رؤية الكنيسة القبطية التي ترى الإنسان خليقة واحدة غير منقسمة.

+  إن القلق ظاهرة إنسانية قديمة، لكنه اتخذ أبعادًا أوسع نتيجة للضغوط المتزايدة. والإيمان المسيحي يمنحنا الأساس الحقيقي للسلام: { سلامي أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا} (يو 14: 27). ومن خلال الدمج بين التسليم الروحي، والعلاج النفسي، والرعاية الطبية، والدعم الاسرى يستطيع الإنسان أن يحيا في طمأنينة وسلام أبناء الله، ويتحرر من قلق العصر ليعيش الرجاء المسيحي الحي { وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.} (في ٤: ٧)، أمين.

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

الكبرياء خطورتها وعلاجها- ٥٦

 الكبرياء خطورتها وعلاجها-  ٥٦

أولاً : مفهوم الكبرياء ..


+ الكبرياء هي تضخيم الإنسان لذاته، واعتقاده أنه مركز الوجود فيستعلي على الله والناس. في اللغة، الكبرياء مأخوذة من "الكِبْر"، أي العظمة والتعالي. وفي الفكر الروحي المسيحي، الكبرياء هي "رفض التواضع وعدم الاتكال على الله، والاعتداد المفرط بالذات". الكبرياء هي أصل السقوط الأول، إذ يقول الكتاب عن سقوط الشيطان {قد ارتفع قلبك فقلت أنا إله} (حز 28: 2). لهذا طرح الله الشيطان وسقط من رتبته الملائكية { قَدِ ارْتَفَعَ قَلْبُكَ لِبَهْجَتِكَ. أَفْسَدْتَ حِكْمَتَكَ لأَجْلِ بَهَائِكَ. سَأَطْرَحُكَ إِلَى الأَرْضِ، وَأَجْعَلُكَ أَمَامَ الْمُلُوكِ لِيَنْظُرُوا إِلَيْكَ. }(حز ٢٨: ١٧) لهذا يحذرنا الكتاب من الكبرياء { قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح}( أم ١٦:١٨). الكبرياء مرتبطة بالخطية، لأنها تضع الإنسان في مركزٍ بديل عن الله، فينغلق عن النعمة.

+ وفي علم الاجتماع الكبرياء تُدرس بوصفها سلوكًا اجتماعيًا يُظهر تعالي الفرد على الآخرين، مما يخرب العلاقات الاجتماعية بسبب شعور الآخرين بالإهانة أو الإقصاء. وتنتج عنها الصراعات إذ يستعمل الأقوياء أو ذوى النفوذ او السلطة أو الأغنياء الكبرياء لإخضاع غيرهم. فتغيب روح التضامن الاجتماعي، وتضعف روح التعاون والمحبة وتاتي العزلة وفقدان الثقة بين الناس.

ثانياً: الكبرياء في الكتاب المقدس

يعرض الكتاب الكبرياء كأصل الشرور وسبب لسقوط الشيطان: { كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح؟ ... وأنت قلت في قلبك: أصعد إلى السماوات... أصير مثل العلي} (إش 14: 12-14). الكبرياء سبب سقوط الإنسان الأول حين أغوت الحية حواء قائلة: { تصيران كالله عارفين الخير والشر} (تك 3: 5). لهذا جاء المسيح متواضع ووديع وبتواضعه هزم كبرياء إبليس وجنوده { الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، آخذاً صورة عبد} (في 2: 6-7).

ثالثاً: خطورة الكبرياء

+ روحياً الكبرياء تعزل النفس عن الله { الله يقاوم المستكبرين وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة} (يع 4: 6). ونفسياً تؤدي إلى العزلة والاضطراب، إذ يعيش الإنسان في صراع داخلي ليبرر ذاته أو يثبت تفوقه. وعلم النفس يشير إلى أن الكبرياء المَرَضية ترتبط غالباً بآليات دفاعية لإخفاء الشعور بالنقص. وأجتماعياً تفكك العلاقات الإنسانية، لأنها ترفض المساواة، وتحتقر الآخر. أما الأخطر فأبدياً، فان الكبرياء تحرم الإنسان من الملكوت، لأنها تجعل قلبه مغلقاً عن نعمة الله.

رابعاً: أقوال الآباء عن الكبرياء وامثلة لهلاك المتكبرين

* يقول القديس الأنبا أنطونيوس "رأيت فخاخ العدو مبسوطة علي الأرض كلها فتنهدت وقلت: من ينجو منها؟ فجاءني صوت: المتواضعون ينجون".

* يرى القديس أغسطينوس أن الكبرياء راس الخطايا «رأس كل خطيئة هو الكبرياء، وبالتواضع فقط نقتني الشفاء» (اعترافات اغسطينوس).

* يرى القديس يوحنا ذهبي الفم أنه «لا شيء يثير غضب الله مثل الكبرياء، ولا شيء يجذب نعمته مثل التواضع».

+ أمثلة كتابية ورجال الله

* فرعون: رفض إطلاق شعب الله وقال: {من هو الرب حتى أسمع لقوله؟} (خر 5: 2) فسقط وهلك بالغرق في البحر.

* ونبوخذنصر: افتخر بمملكته، فضُرب بالجنون حتى اعترف بأن { الذين يسلكون بالكبرياء هو قادر أن يذلهم} (دا 4: 37).

* هيرودس: قبل تسبيح الناس له كإله { فضربه ملاك الرب لأنه لم يعطِ المجد لله} (أع 12: 23).

* في المقابل، موسى كان { حليماً جداً أكثر من جميع الناس} (عد 12: 3)، فرفعه الله.

خامساً:  علاج الكبرياء

1- العلاج الروحي

* التأمل في المسيح المتواضع: { تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب}(مت 11: 29).

* الاعتراف المستمر بالضعف: الصلاة القلبية "ارحمني يا الله أنا الخاطئ" تحرر النفس من خداع الذات.

 * ممارسة سر الاعتراف والتناول: يعيد الإنسان إلى حالة التواضع والشركة مع الله.

 * الطاعة والاتضاع العملي: كما يقول القديس يوحنا كاسيان: «الطاعة هي دواء الكبرياء».

2-  العلاج النفسي والاجتماعي

* الوعي الذاتي وادراك أن الكبرياء تغطية للشعور بعدم الأمان وادارك ان الله لن يسند ويعين المتواضعين.

* العلاقات المتوازنة والانفتاح على الآخر، وقبول النقد، والتعلم من الجميع.

 * خدمة الآخر: المشاركة في أعمال الرحمة تذيب الأنا.

3 - التواضع علاج للكبرياء

* التواضع يمنح سلام داخلي، وحرية من قيود المقارنة والتنافس {مُهْتَمِّينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ اهْتِمَامًا وَاحِدًا، غَيْرَ مُهْتَمِّينَ بِالأُمُورِ الْعَالِيَةِ بَلْ مُنْقَادِينَ إِلَى الْمُتَّضِعِينَ. لاَ تَكُونُوا حُكَمَاءَ عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ}(رو ١٢: ١٦)

* شركة أعمق مع الله الذي يرفع المتواضعين{ وَلكِنَّهُ يُعْطِي نِعْمَةً أَعْظَمَ. لِذلِكَ يَقُولُ: «يُقَاوِمُ اللهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً».} (يع ٤: ٦)

* علاقات اجتماعية بنّاءة مبنية على المحبة والمساواة { فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ.} (أف ٤: ١، ٢)

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

المراجع

* الكتاب المقدس

* القديس يوحنا الدرجي، سلم الفضائل.

* القديس أغسطينوس، الاعترافات.

* يوحنا ذهبي الفم، العظات على إنجيل متى.

* كتاب "بستان الرهبان"، تعاليم الآباء.

* القمص تادرس يعقوب ملطي، تفسير أسفار الكتاب المقدس.

* أنطوني كونيارس، الكبرياء والتواضع.