الشعور بالذنب وعلاجه - ٥٨
+ الشعور بالذنب من الخبرات الإنسانية التي تؤثر على حياتنا روحياً ونفسياً واجتماعياً، فالإنسان بصفته كائن أخلاقي وروحي، يحمل ضمير حي يوجّهه نحو الخير ويحذّره من الشر. غير أن الضمير قد يتحول أحياناً إلى سيف جارح إذا استُغل بصورة خاطئة، بالانغلاق على الذات أو الاستسلام لليأس. ومن هنا تأتي أهمية دراسة الشعور بالذنب في ضوء الفكر المسيحي الآبائي والكتاب المقدس، مع الاستفادة من إسهامات علم النفس الحديث، للوصول إلى علاج متكامل يحرر الإنسان من الشعور المَرَضي بالذنب ويقوده إلى التوبة والحرية في المسيح.
اولاً: مفهموم الشعور بالذنب
+ يظهر الشعور بالذنب في الكتاب المقدس منذ سقوط آدم وحواء: { فعرفت أعينهما أنهما عريانان، فاختبآ من وجه الرب الإله} (تك 3: 7-8). فالذنب هنا مرتبط بالخطيئة وبالانفصال عن الله. وقايين عندما قام علي اخيه وقتله وواجهه الله فقال: { ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ. إِنَّكَ قَدْ طَرَدْتَنِي الْيَوْمَ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي وَأَكُونُ تَائِهًا وَهَارِبًا فِي الأَرْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي. }(تك ٤: ١٣، ١٤). ونحن نصلى ونطلب في الصلاة التي علمنا الرب يسوع المسيح ونقول: { وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. }(مت ٦: ١٢). لنقدم المغفرة لمن يذنب الينا ونتقبل الغفران لذنوبنا من الله. ويعطة الله الغفران للتائبين بل ويدعونا: { هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ الرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَالدُّودِيِّ تَصِيرُ كَالصُّوفِ.} (إش ١: ١٨). ونصلي مع داود المرنم ونقول : { قللباً نقياً اخلق فيَّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدّد في داخلي. }(مز 51: 10). ويعلمنا آباء الكنيسة أن المسيح يحررنا من ثقل الشعور بالذنب فيقول القديس أثناسيوس الرسولي أن المسيح بتجسده وفدائه حرّر الإنسان من ثقل الذنب وأعاد إليه صورة البنوة. أما القديس يوحنا الذهبي الفم يشدد أن الخطر ليس في الخطيئة بل في اليأس: { الخطيئة جرح، أما اليأس فهو الموت.}
+ المفهوم النفسي للشعور بالذنب
يقول سيجموند فرويد أن الشعور الذنب ينتج عن الصراع بين الرغبات واللذة وبين "الأنا" التي تتعامل مع الواقع وتحاول التكيف معه حسب البيئة والظروف ومع "الأنا الأعلى" المتمثلة في المثل العليا والأخلاق هذا الصراع غالباً ما يكون مكبوت ويأتي التوبيخ المرضى للنفس عن تجاوزاتها والخجل بالشعور بالذنب ويؤدي إلى العصاب والمرض بدلا من السعى للتغير واصلاح الذات. أما يونغ فيقول أن الشعور بالذنب مرتبط بالانفصال عن الذات الحقيقية وعن البُعد ما هو روحي. ويميز علم النفس المعاصر بين الشعور بالذنب البنّاء الذي يحفز على التغيير والشعور بالذنب المرضي الذي يولّد القلق والاكتئاب.
ثانياً: خطورة الشعور بالذنب
+ على المستوى الروحي فان الشعور بالذنب المَرَضي يعيق التوبة ويجعل الإنسان يائساً من الغفران (رؤ 12: 10). فيطفئ فرحه الخلاص والتوبة والقبول من الله كآب صالح والله رحيم ويغلق القلب أمام عمل الروح القدس (مز 51: 12). ويحوّل التركيز من محبة الله إلى الحزن علي الذات الجريحة مما يجلب القلق واليأس
+ اما على المستوى النفسي فالشعور بالذنب يؤدي إلى اضطرابات القلق والاكتئاب (Beck, 1976). ويخلق شعوراً بعدم الاستحقاق وجلد الذات. ويعيق العلاقات الاجتماعية السليمة ويولّد عزلة أو عدوانية. ويقود إلى سلوكيات مدمّرة كالإدمان، والانسحاب من الحياة، والتدمير الذاتي للنفس.
ثالثاً: العلاج الروحي والنفسي للشعور بالذنب
+ التوبة والعودة إلى الله.. إن التوبة ليست حزن عاطفي بل هي تغيير الاتجاه نحو الله. يقول القديس باسيليوس الكبير: "التوبة هي الانسحاب من الشر والسلوك في طريق الفضيلة."
+ الإيمان بغفران الله .. الإيمان بالغفران يحرر الضمير ويهب سلام للنفس ويمتعنا بالبنوة لله ويغيرنا للأفضل { إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا}(1يو 1: 9).
+ سر الاعتراف .. ترى الكنيسة في الاعتراف علاجاً روحياً ونفسياً، إذ يمنح الإنسان راحة الضمير وسلام القلب.
+ الصلاة والمصالحة مع الذات.. الصلاة العميقة والتسليم لله يقودان إلى شفاء داخلي. والقديس مقاريوس الكبير يؤكد أن الصلاة الحقيقية هي لقاء القلب مع الله، حيث يسكب الروح القدس سلاماً يرفع ثقل الذنب.
العلاج النفسي للشعور بالذنب
+ علينا أن نميز بين الذنب الحقيقي والمتخيل
كثيرون يشعرون بالذنب لأمور لم يرتكبوها فعلاً كمثل ضحايا الاعتداء أو أبناء العائلات المفككة والمعالج النفسي يساعد في كشف هذه الأوهام.
+ كما أن العلاج المعرفي السلوكي يصحح الأفكار السلبية مثل: "أنا لا أستحق الغفران"، ويستبدلها بفكر واقعي إيجابي باستحقاقنا للغفران كابناء لله ويعلن لنا أننا يمكن ان نعيش الحياة الأفضل.
+ التسامح مع الذات..
الاعتراف بمحدودية الإنسان وقبوله ككائن يتعلم من أخطائه لا كفاشل مدان فالحكيم يتعلم من أخطائه ويرجع عنها ولا يعود اليها وينمو في حياته وعلاقاته.
+ إعادة بناء العلاقات.. هى عمليه إصلاح لما أفسده الخطأ، وطلب الغفران من الآخرين، فيحرران الإنسان من ثقل الذنب.
رابعا: التكامل بين الروحي والنفسي
العلاج الروحي والنفسي لا يتناقضان، بل يتكاملان فالعلاج الروحي يمنح الغفران والسلام والرجاء. والعلاج النفسي يساعد في فهم الذات وتحريرها من مشاعر الذنب غير المبررة. هذا التكامل يحقق شفاءً شاملاً للإنسان، فيحيا حرية مجد ابناء الله (رو 8: 21).
+ إن الشعور بالذنب خبرة إنسانية عميقة، يمكن أن تكون قوة دافعة نحو التوبة والتغيير، أو فخاً مدمراً يقود إلى اليأس والاكتئاب. الحل يكمن في توازن العلاج الروحي والنفسي: التوبة وسر الاعتراف من جانب، والعلاج النفسي والتسامح مع الذات من جانب آخر. حينها يعيش الإنسان سلام الغفران وفرح الحرية في المسيح يسوع ربنا.
القمص أفرايم الأنبا بيشوى
...
المراجع
* الكتاب المقدس بعهديه
* أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة.
* يوحنا الذهبي الفم، عظات عن التوبة.
* باسيليوس الكبير، رسائل عن الحياة المسيحية.
* مقاريوس الكبير، العظات الروحية.
مراجع نفسية
* Jung, C. G. (1958). Psychology and Religion.
* Beck, A. T. (1976). Cognitive Therapy and the Emotional Disorders.
* Lewis, C. S. (1940). The Problem Pain.
.png)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق