القلق وعلاجه - ٥٧
القلق من أبرز التحديات النفسية في العصر الحديث، حتى لُقِّب بـ"مرض العصر" نظرًا لشيوعه وتأثيره الواسع على الإنسان جسديًا ونفسيًا وروحيًا. والقلق لا يقتصر على مشاعر عابرة من الخوف، بل قد يتحول أحيانًا إلى اضطراب مرضي يعيق الإنسان عن ممارسة حياته الطبيعية. ومن هنا تأتي أهمية المعرفة الشاملة للقلق بين الرؤية الكتابية والآبائية والنفسية، والعلاج الطبي الحديث، خاصة في ضوء فكر الأباء المختبرين وعلماء النفس والأطباء الذين سعوا إلى الربط بين الإيمان والعلم.
أولًا: مفهوم القلق
+ القلق حالة انفعالية تتميز بالشعور بالخوف من خطر غير محدد، ويصاحبه عادة أعراض جسدية مثل سرعة ضربات القلب، التعرق، واضطراب النوم. ويُميز علم النفس بين القلق الطبيعي كاستجابة فطرية تحفّز الإنسان على الحذر. والقلق المرضي كاضطراب يسيطر على التفكير والسلوك ويعطل الأداء.
+ الكتاب المقدس يحذر من القلق المفرط ويقول : { لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون… أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس؟} (مت 6: 25). ويوصينا أن لا نقلق ونضطرب علي الغد { فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ.} (مت ٦: ٣٤). والقديس بولس الرسول يوصينا ان لا نقلق بل نصلي ونشكر ليشملنا سلام الله { لا تهتموا بشيء، بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر لتُعلَم طلباتكم لدى الله، وسلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع} (في 4: 6-7). وكلمنا تقوي إيماننا في محبة الله تضاءل قلقنا وزال الخوف وحصلنا علي السلام. كما يعلمنا أباء الكنيسة أن نثق في الله كعلاج للقلق والحصول علي السلام فيقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "من يثق بالمسيح لا يخاف من اضطرابات هذا العالم، لأن سلام الله يحرس قلبه".. أما القديس الأنبا أنطونيوس الكبير فيقول: "لا تحمل همّ الغد، فإن الله الذي أعانك اليوم سيعولك أيضًا غدًا".
ثانيًا: أسباب القلق
للقلق أسباب عده منها الأسباب النفسية كالتفكير السلبي والكوارثي. او ضغوط العمل والأسرة والمجتمع. أو الصدمات التي تعرض لها الإنسان في الماضي أو فقدان الأمان الشخصى او المجتمعي. كما أن للقلق أسبابه الطبية والبيولوجية كاضطراب الناقلات العصبية (السيروتونين، الدوبامين). والعوامل الوراثية والاستعداد البيولوجي. والأمراض الجسدية المزمنة. وللقلق أسباب روحية منها ضعف الإيمان والاتكال على الذات بدلًا من الله. أو الانشغال الزائد بالمال أو المستقبل. أو الابتعاد عن حياة الصلاة والأسرار الكنسية او التعرض لضغوطات الحياة والتغيرات المتلاحقة في الحياة.
ثالثًا: علاج القلق
+ العلاج الروحي
الصلاة والتسليم: كما أوصى الكتاب{ لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. }(في ٤: ٦، ٧). كما أن صلاة المزامير دواء للنفس يقول القديس أثناسيوس: "المزمور دواء للنفس، يطرد الحزن ويعطي رجاءً.". والاعتراف والأرشاد الروحي والتناول يمنحان غفرانًا وسلامًا. كما أن التأمل في محبة الله يبدد منا الخوف من المستقبل.
+ العلاج النفسي
العلاج المعرفي السلوكي: يساعد المريض على تغيير الأفكار المشوهة (Beck, 2011). وهناك تقنيات الاسترخاء: مثل التنفس العميق وتمارين الوعي (Mindfulness). والعلاج بالمعنى: فيؤكد الدكتور فيكتور فرانكل، أن الإنسان يتغلب على القلق حين يكتشف معنى لحياته (Frankl, Man’s Search for Meaning, 1946). كما أن الدعم الجماعي ومشاركة المخاوف مع مرشد روحي أو معالج نفسي يشفي من القلق. يجب أن نتعلم ان نثق في الله وفي أنفسنا وقدرتنا علي تجاوز المخاوف التي تؤرقنا فمعظمها أوهام ولن تحدث لكى نحيا في سلام.
+ العلاج الطبي
العلاج بالأدوية: مضادات القلق والاكتئاب، تحت إشراف الطبيب والعناية الجسدية مثل الرياضة، النوم المنتظم، التغذية السليمة. والتكامل بين الروح والجسد: يقول القديس باسيليوس الكبير: "الله وهب الطب كعطية، ليعين الجسد على احتمال الضعف، فيستطيع العقل أن يخدم الله.".
+ إن الإنسان وحدة متكاملة من روح ونفس وجسد. وعلاج القلق يتطلب كل هذه الأبعاد كالبعد الروحي بالإيمان والسلام الداخلي. والبعد النفسي بتعديل الفكر والسلوك وتجديد الذهن والبعد الطبي بالدعم الدوائي عند الحاجة. هذا النهج المتكامل يتوافق مع رؤية الكنيسة القبطية التي ترى الإنسان خليقة واحدة غير منقسمة.
+ إن القلق ظاهرة إنسانية قديمة، لكنه اتخذ أبعادًا أوسع نتيجة للضغوط المتزايدة. والإيمان المسيحي يمنحنا الأساس الحقيقي للسلام: { سلامي أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا} (يو 14: 27). ومن خلال الدمج بين التسليم الروحي، والعلاج النفسي، والرعاية الطبية، والدعم الاسرى يستطيع الإنسان أن يحيا في طمأنينة وسلام أبناء الله، ويتحرر من قلق العصر ليعيش الرجاء المسيحي الحي { وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.} (في ٤: ٧)، أمين.
القمص أفرايم الأنبا بيشوى
%20copy.png)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق