نص متحرك

♥†♥انا هو الراعي الصالح و الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف يو 10 : 11 ♥†♥ فيقيم الخراف عن يمينه و الجداء عن اليسار مت32:25 ♥†♥ فلما خرج يسوع راى جمعا كثيرا فتحنن عليهم اذ كانوا كخراف لا راعي لها فابتدا يعلمهم كثيرا مر 34:6 ♥†♥ و اما الذي يدخل من الباب فهو راعي الخراف يو 2:10 ♥†♥

الاثنين، 30 نوفمبر 2020

62- القديس بولس الرسول والرحلة التبشيرية الثانية-2

 

للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

1- الكرازة في أمفيبوليس وأبو لونية ... انطلق القديس بولس وسيلا من فيلبي الي أمفيبوليس عاصمة الإقليم الشرقي لمكدونية؛ وكانت مدينة كولونيا للأثيينين، ومن أهم المواقع في اليونان، وتقع في طريق تؤدي إلى الجبال المحيطة بخليج ستريمون Strymonic Gulf ، فهي ليست بعيدة عن فم نهر ستيمون  Stymon الذي كان يفيض حول المدينة وتبعد عن فيلبي 33 ميلاً، وعن أبولونيا 30 ميلاً، وكل مسافة بين مدينة وأخرى يمكن اجتيازها في يومٍ واحدٍ، ولم يذكر أن الرسل قد تأخرا فيها، فغالبًا ما اجتازا فى المدينة وقضيا وقت قليل بها ثم توجها الي أبولونية التي تقع بين أمفيبوليس وتسالونيكي وقد اشتهرت بتجارتها. لقد ألقى بذار الإيمان فيها وأعد لخدام آخرين أرسلهم للكرازة والخدمة في هذه المدن. وتمت فيهما لقاءات سريعة مع بعض التلاميذ، وربما كانوا يجتذبون معهم أصدقائهم وأحبائهم ليسمعوا للرسول حتى وصلا الي تسالونيكي.

2- الكرازة  في تسالونيكي

+ انطلق القديس بولس الرسول ومعه سيلا متجهين إلي تسالونيكي، يبشروا بمحبة الله المعلنة في أبنه يسوع المسيح بعدما تركا فيلبى وكما كتب في رسالته إلي أهل تسالونيكي: { بل بعدما تألمنا قبلًا وبغي علينا كما تعلمون في فيلبي جاهرنا في إلهنا أن نكلمكم بإنجيل الله في جهاد كثير} (1 تس2: 2). فما عاناه الرسولان في فيلبي دفعهما بالأكثر إلى جهاد أعظم في خدمتهما في تسالونيكي. مدينة تسالونيكي هي ميناء بحري للقسم الثاني من مكدونية. وتقع على رأس خليج ثيرماكوس وجعلها أميليوس بولس Aemilius Paulus عاصمة القسم الثاني من مكدونية، عندما قسم البلد إلى أربعة أحياء. ودعيت بعد ذلك تسالونيكي بواسطة كاسندر  Cassander تكريمًا لزوجته تسالونيكا ابنة فيليب وأخت إسكندر الأكبر، سكنها اليونان والرومان واليهود تدعى الآن سالونيكيSaloniki . وكانت تسالونيكي تحكم نفسها بنفسها ولم يوجد فيها ولاة من خارجها يحكمونها.   

+ نشأت بتسالونيكي كنيسة كان لها دورها الكرازي في عصر الرسول بولس كما يقول { حتى صرتم قدوة لجميع الذين يؤمنون في مكدونية وفي أخائية. لأنه من قبلكم قد أذيعت كلمة الرب، ليس في مكدونية وأخائية فقط، بل وفي كل مكان أيضًا قد ذاع إيمانكم بالله، حتى ليس لنا حاجة أن نتكلم شيئًا} (1 تس 1: 7-8). أرسل لها فيما بعد الرسول بولس رسالتين. ومن المعروف أن تسالونيكي هي التي أدخلت المسيحية إلى السلاف وإلى البلغار، ودُعيت في العصور الوسطى "المدينة الأرثوذكسية". هنا يتحول لوقا الإنجيلي من صيغة الجمع الحاضر" نحن" إلى ضمير الغائب "اجتازا"، مما يدل على أن لوقا البشير ومعه تيموثاوس قد تخلفا في فيلبي للاهتمام بالكنيسة في بدء انطلاقها حيث آمنت ليديه وعائلتها والسجان وعائلته. لكننا نسمع عن التحاق تيموثاوس بهما في بيرية (17: 13، 14). ولم نعد نسمع عن مرافقة لوقا لبولس حتى نهاية السفر في روما حيث التقى به مجددا كما كتب الرسول في رسالته الوداعية لتلميذه: { لوقا وحده معي} (2 تي 3: 11).

+ في مجمع لليهود بتسالونيكي كان بولس يحاور اليهود والدخلاء لمدة ثلاثة سبوت متوالية وكان يحاورهم مؤكدًا من الأنبياء أن يسوع هو المسيا إذ كان له حنو شديد نحو بني جنسه لخلاصهم. نسمعوه يقول: {أيها الإخوة إن مسرة قلبي وطلبتي إلى الله لأجل إسرائيل هي للخلاص} (رو 10: 1) وكان موضوع كرازته هو أن يسوع الذي ظهر هو بالحقيقة المسيا، وكان ينبغي أن يتألم ويموت ويقوم من الأموات {موضحًا ومبينًا أنه كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات، وأن هذا هو المسيح يسوع، الذي أنا أنادي لكم به}(اع 3:17). كان الصليب بالنسبة لليهود عثرة ولليونانيين جهالة، فأوضح الرسول أن الصليب هو علامة صدق شخصية السيد المسيح، وحبه للعالم كله، بكونه قوة الله للخلاص. هذا ما سبق أن أكده يسوع المسيح نفسه (لو 24: 26). فالموضوع الرئيسي في كرازة بولس هو إعلان الحب الإلهي المُسجل بالدم الثمين على الصليب { فاقتنع قوم منهم وانحازوا إلى بولس وسيلا، ومن اليونانيين المتعبدين جمهور كثير، ومن النساء المتقدمات عدد ليس بقليل} (اع 4:17) وأثمرت خدمة الأسابيع الثلاثة في تسالونيكي وكان الحصاد كثيرًا أذ اقتنع قوم من اليهود بما قاله الرسول بولس، وانضموا إلى الإيمان وسلموا حياتهم لله تحت قيادتهما الروحية، في شركة روحية صادقة. كما آمن كثيرين  من فئة الأمم  وانضم إليهما عدد ليس بقليلٍ من النساء المتقدمات المتعبدات لله.

+ كان نجاح خدمة القديسين بولس وسيلا فى تسالونيكي سبباً لهياج الشيطان عليهما فإن عدو الخير لا يقف مكتوف الأيدي أمام انتشار ملكوت الله. كان اليهود يقاومون الكلمة و يضطهدون الكارزين ومن يقبلوا كرازتهم، استأجر اليهود أناسًا أشرارًا من السوق لإثارة الجماهير والاعتداء على المؤمنين. هكذا أخذوا موقف العداء من يسوع المسيح مخلص العالم، وصاروا أداة طيعة في يد عدو الخير فهجموا على بيت ياسون حيث كان يقيم فيه الرسولان، وأرادوا ان يحضروهما أمام الجماهير الثائرة لكي يمزقوهما. { فغار اليهود غير المؤمنين، واتخذوا رجالاً أشرارًا من أهل السوق، وتجمّعوا وسجّسوا المدينة، وقاموا على بيت ياسون، طالبين أن يحضروهما إلى الشعب}( أع 5:17). وياسون رجل يهودي آمن بالرب يسوع وفتح بيته لإقامة الرسولين (رو 16: 21). وإذ لم يجدوا الرسولين في بيت ياسون جروا ياسون وبعض الإخوة إلى حكام المدينة، بكونهم أشخاصًا خطيرين لا يجوز التهاون معهم حسب ادعائهم بأنهم يأووا أناسًا خطرين على الأمن العام، ويسببون شغبًا أينما ذهبوا، ويفسدون المجتمع. والعجيب ان هذه الاتهامات كثيرًا ما تُنسب للمؤمنين حتى يومنا هذا، بالرغم مما يتسم به المؤمنين من لطفٍ وحبٍ وهدوءٍ وبث روح السلام والحياة المقدسة. لكن العالم وهو يرى نفسه في خزي وعار إذ يترك المؤمنون عبوديتهم له، اتهموهم بتعدي قوانين الدولة، ولهم ملك آخر يدعى يسوع عوض قيصر. هذا هو روح الافتراء الذي يعمل في أبناء إبليس حتى اليوم، فيثيروا الحكام على المؤمنين بذات الاتهامات وهي كسر قانون الدولة، والرغبة في اغتصاب الحكم. فانزعج حكام المدينة لئلا يحدث شغب لا يُعرف عقباه، فيكونوا مسئولين أمام قيصر، وانزعج الشعب لئلا يأخذ الحكام موقفًا متشددًا من هذه الجمهرة، إذ عقوبة الجمهرة في القانون الروماني هي الإعدام، فيضيع بعض البسطاء بسبب ما يفعله اليهود. وقد أدرك الرسول بولس أن ما حدث كان من عمل عدو الخير لكي يعوقه عن زيارة الكنيسة في تسالونيكي مرة أخرى. كتب إليهم: {لذلك أردنا أن نأتي إليكم أنا بولس مرة ومرتين وإنما عاقنا الشيطان} (1 تس 2: 18). فأخذوا كفالة من ياسون ومن الباقين ثم أطلقوهم أما بولس وسيلا فانطلقا الي بيريه ليلاً.

3- الكرازة  في بيرية...

+ أنطلق الرسولين بولس وسيلا الي بيريه على المنحدر الشرقي من الجبال الأولمبية وهي تطل على منظر متسع لسهل يرويه نهرا هالياكمون  HaliacmonواكسوسAxius . لها مميزات طبيعية كثيرة وتعتبر من أفضل المدن في روميليRumili . وحدائقها غنية بالأشجار. وقد أظهر الإخوة محبتهم الشديدة للرسولين واهتمامهم بسلامتهما، وفي نفس الوقت تمم الرسولان وصية السيد المسيح أنه إن طردوهم من مدينة فليذهبوا إلى أخرى. وكان اليهود الذين في بيرية أفضل من اليهود الذين كانوا في تسالونيكي. ولهم شوق حقيقي للتعرف على الحق، مع جدية في البحث والدراسة. فكانوا يصغون بكل اهتمام للكلمة، ويتقبلوا الإنجيل بكل تكريم. لم يغلقوا أعينهم عن رؤية النور. كان حوارهم بنَّاء، وليس للدخول في منازعات غير هادفة. واتسموا بعشقهم للكتاب المقدس، فكانوا يقرأون في أسفار العهد القديم كل يومٍ، ويفحصون ما يقوله الرسولان على ضوئه. وإذ كان الرسولان ينطقون بالحق لم يخشوا الدراسة الجادة لليهود في الناموس والأنبياء، بل وجدوا في هذا شهادة للحق. وكما يقول القديس أغسطينوس لولا العهد القديم لما آمنت بالعهد الجديد، فالأخير حقق النبوات والوعود الإلهية التي وردت في العهد القديم. وقد طالبنا السيد المسيح أن نفتش الكتب لنجد فيها حياة (يو 5: 39). وتحقق نجاح عظيم حيث انجذب للحق كثير من اليهود والنساء اليونانيات الشريفات ومن الرجال اليونانيين، فآمن منهم كثيرون وعلة ذلك حبهم لدراسة كلمة الله والمواظبة عليها يوميًا بشوقٍ حقيقيٍ للتعرف على الحق { فلما علم اليهود الذين من تسالونيكي أنه في بيرية أيضًا، نادى بولس بكلمة اللَّه، جاءوا يهيّجون الجموع هناك أيضًا}(13:17).  فلم يهدأ إبليس عن مقاومة مملكة النور بكل وسيلة، إذ لا يحتمل نشر اسم يسوع المسيح ولا يسكت على خلاص البشر وتحررهم من عبوديتهم له. هذه العداوة تبقى قائمة بين نسل الحية ونسل المرأة { فحينئذ أرسل الإخوة بولس للوقت ليذهب كما إلى البحر، وأمّا سيلا وتيموثاوس فبقيا هناك} (أع 14:17). فلما كانت أنظار اليهود المقاومين للكلمة تتركز على الرسول بولس، لذلك طلب الإخوة منه أن ينطلق إلى أثينا بينما بقي سيلا وتيموثاوس إلى حين.

اليك يارب نرفع الصلاة...

+ اليك يا الله خالق الجميع ومدبر الكل ورازقهم، نرفع صلواتنا من أجل خلاص كل نفس، من أجل الخدام و الخدمة فالحصاد كثير والفعلة كثيرين، أرسل يارب فعلة لحصادك وأعط حكمة ونعمة للخدام والكارزين، ولينهزم الشيطان وقواته الشريرة وينقشع ظلام الجهل ويستنير الكثيرين بمعرفتك ويرجعوا من الظلمات الي النور ومعرفتك الحقيقية.

+ يا مسيحنا القدوس يا من بذل ذاته عنا خلاصاً، خلص شعبك وبارك ميراثك و برعايتك الصالحة وعنايتك الساهرة ضمنا اليك لنكون رعية واحدة لراع واحد. واهدنا الى ملكوتك لكي وبهذا يتمجد اسمك القدوس.

+ يا روح القدوس العامل فى الأنبياء والرسل وواهب التوبة والقداسة، أعمل فينا لننمو في الإيمان ونجاهد علي رجاء ونحيا المحبة المقدسة التي هي رباط الكمال. أعمل فينا واهدينا للنقاد بالروح ولا نسلك حسب ميولنا وأهوائنا بل نسلك كما يحق لإنجيل المسيح، أمين.

الجمعة، 27 نوفمبر 2020

61- القديس بولس الرسول والرحلة التبشيرية الثانية-1


للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

أهمية الافتقاد والكرازة و الرحلة التبشيرية الثانية

+ بدأت رحلة بولس التبشيرية الثانية بعد مجمع أورشليم المسكوني في سنة 50 م. وأستمرت حوالي ثلاثة سنوات وذلك لأفتقاد الكنائس وللبشارة برسالة الخلاص كما جاء فى أعمال الرسل {  ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ قَالَ بُولُسُ لِبَرْنَابَا: «لِنَرْجِعْ وَنَفْتَقِدْ إِخْوَتَنَا فِي كُلِّ مَدِينَةٍ نَادَيْنَا فِيهَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ كَيْفَ هُمْ.} (أع 36:15). لقد اهتم القديس بولس بإخوته الذين سبق فكرز لهم مع القديس برنابا، فاشتهى أن يفتقد الأخوة ويقوي إيمانهم، أنه إحساس القديس بولس بمسئوليته نحو الكرازة بين الأمم الذي لم يفارقه حسب دعوة الله له، فأراد أن ينطلق برحلة تبشيرية ثانية، مع إدراكه المتاعب والضيقات التي تحل به أثناء رحلاته. لكن بدافع من قلب الرسول بولس الأبوي ومتابعته للخدمة، فسأل بربانا أن يذهبا معا إلى الكنائس إلى كرزا فيها وأسسها ليفتقدوها { فأشار برنابا أن يأخذا معهما أيضًا يوحنا الذي يدعى مرقس وأمّا بولس فكان يستحسن أن الذي فارقهما من بمفيلية، ولم يذهب معهما للعمل، لا يأخذانه معهما } (أع 37:15-38). فافترقا وبرنابا أخذ مرقس وسافرا الي قبرص وأنطلق القديسان بولس مع سيلا للكرازة فتحول الخلاف لانطلاق الكل لخدمة أكبر، كل فريق إلى مكان ليعمل الكل بروح الحب تحت قيادة الروح القدس، الذي يحول حتى الاختلاف في الرأي إلى نمو الكنيسة وبنيانها مادام الكل يخدم المسيح الواحد، بإيمانٍ واحد، وهذا الخلاف في الرأي لم يدم بل صار القديس مرقس معينًا للقديس بولس في الخدمة كما شهد بذلك في رسالته الوداعية (2 تي 4: 11).

+  اصطحب القديس بولس معه سيلا وقد أنطلقا براً من أنطاكية للأفتقاد والكرازة بين الأمم بالايمان كوعد الرب { أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ. حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. وَقَالَ لَهُمْ: «هَكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهَكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ. وَأَنْتُمْ شُهُودٌ لِذَلِكَ.} ( لو 44:24-48). وتتميا لقول الرب لحنانيا الرسول { فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «اذْهَبْ لأَنَّ هَذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ.}(أع 15:9) لقد أختار القديس بولس سيلا  للسفر معه { فاجتاز في سورية وكيليكية يشدّد الكنائس}(أع 40:15) فاجتازا في سوريا وكيليكية برا يفتقدان الكنائس التي سبق أن قام القديسان بولس وبرنابا بغرسها بروح الله القدوس. وكانا يشددان الكنائس بكلمة الرب التي تشدد الركب المنحنية وتهب قوة الروح.

اختيار تيموثاوس للخدمة ..

وصل الرسولين الي لسترة حيث رُجم القديس بولس أثناء رحلته الأولى حيث التقى بالشاب تيموثاوس، ورأى فيه الرسول إمكانية العمل الروحي القيادي الحي. وهكذا لا ينسى الله تعب المحبة، ففي الموضع الذي عانى فيه الآلام أقتطف ثمرة مفرحة تسر قلب الله، وتكون سبب بركة لكثيرين. إنها نعمة الله الفائقة التي تسمح بالضيق وتعطي التعزيات. هنا نرى القديس بولس يضم  تيموثاوس للخدمة و يهتم بتعليمه وتدريبه، كما فعل مع كثيرين، بكونه قد ولده في المسيح يسوع خلال كرازته. وقد اتسم بولس كأب بالحب والحنو مع الحكمة وكتب القديس بولس لابنه الصريح في الإيمان تيموثاوس رسالتين حملتا اسمه. ويرى البعض أن تيموثاوس كان من بين التلاميذ الذين أحاطوا بولس الرسول بعد رجمه، ونال المعمودية على يديه، كما هو واضح من قوله: { الابن الصريح في الإيمان} (1 تي 1: 2) ويشجعه قائلا له {فتقوَ يا ابني بالنعمة التي في المسيح يسوع} (2 تي 2: 1). وقد رافقه في رحلته الأولى في إنطاكية بيسيدية وأيقونية ولسترة {وأما أنت فقد تبعت تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني وأناتي ومحبتي وصبري واضطهاداتي وآلامي مثل ما أصابني في أنطاكية وايقونية ولسترة أية اضطهادات احتملت، ومن جميعها أنقذني الرب}{ 2تي 3: 10-11} وقد عرف الرسول بولس تيموثاوس عن قرب وعاش وسط عائلته وتعرف على دقائق حياتهما، إذ يقول: { إذ أتذكر الإيمان العديم الرياء الذي فيك، الذي سكن أولًا في جدتك لوئيس وأمك أفنيكي ولكني موقن أنه فيك أيضًا} (2 تي 1: 5). وقد كانت والدته في الأصل يهودية آمنت بالسيد المسيح، يتحدث القديس عنها وعن والدتها بكل وقارٍ كمؤمنتين التصقت حياتهما بتعاليم السيد المسيح، وتمتعتا بالشركة معه. هنا يليق بنا أن نقف بكل إجلال للأم والجدة، إذ لا نسمع عن وجود مجمع يهودي في لسترة وغالبًا لم توجد رعاية دينية في المجتمع اليهودي هناك، لكن قامت الأم والجدة بدور روحي تقوي في تربيته تيموثاوس الذي رضع منذ صباه من لبن الإيمان. هنا يبرز دور الأسرة الرئيسي في تنشئة الجيل الجديد وعدم الاتكال فقط على رعاية الكنيسة والخدام. وهيأه القديس بولس للعمل الكرازي كتلميذٍ له. فمع صغر سنه شهد له المؤمنون كما شهد له الرسول نفسه  {لا يستهن أحد بحداثتك، بل كن قدوة للمؤمنين فى الكلام، في التصرف، في المحبة، في الروح، في الإيمان، في الطهارة}(1 تي 4: 12). وقد قدَّر بولس مواهب الشاب تيموثاوس وتقواه ومحبته للكتاب المقدس التي تشربها من والدته وجدته، فقبله ليس فقط كتلميذٍ له، بل حسبه شريكًا معه في الخدمة، وعهد إليه برعاية الكنيسة في أفسس.

 قيادة الروح القدس للكنيسة والخدمة في أوروبا...

+ سار القديسين بولس وسيلا في مدن سوريا وكيليكية وسلموا المسيحيين هناك قرارات مجمع أورشليم الملزمة بخصوص قبول الأمم للإيمان (أع 10: 20-29). فقد جاء انعقاد مجمع أورشليم في وقتٍ مناسبٍ فكانت الكنيسة تضم كثيرين كل يوم من الأمم { فكانت الكنائس تتشدّد في الإيمان، وتزداد في العدد كل يوم} (أع 5:16) وبعدما اجتازوا في فريجية وكورة غلاطية منعهم الروح القدس أن يتكلّموا بالكلمة في آسيا. فلما أتوا إلى ميسيا حاولوا أن يذهبوا إلى بيثينية فلم يدعهم الروح} (أع 6:15-7). كان الروح القدس يقود الرسولين فى كرازتهما وكان الله يحركهما لتدخل الكرازة بقوة إلى أوربا، لذلك عندما اجتاز الرسولين بولس وسيلا في هذه الرحلة بعض ولايات آسيا الصغرى التي كان قد غرس الرسول بذار الكلمة فيها، وكان يود أن يسقيها، كان الروح القدس يحثه ليسرع فيخرج منها. ولعله كان في دهشة لعمل الروح الذي كان دومًا يحثه على الخدمة، ولم يكشف له الروح الخطة الإلهية إلا في ترواس حين رأى رجلًا مكدونيًا يدعوه للعبور إلى أوروبا.

+ بدأت رحلة القديس بولس وسيلا الي أوروبا برؤيا لبولس أن يعبر الي مكدونية ويقدم لهم العون والإيمان، مما ألهب قلب الرسول بولس بالحب الأخوي. فإنه يوجد لنا إخوة كثيرون يصرخون طالبين لنجدتنا { وظهرت لبولس رؤيا في الليل، رجل مكدوني قائم يطلب إليه ويقول اعبر إلى مكدونية وأعنّا}(أع 9:16) ومكدونية بلد متسع في اليونان، شمالها تراس Thrace  وجنوبها تسالي Thessalyوغربها أبريس Epris  وشرقها بحر إيجه. أقيمت مملكتها في أيام الإمبراطور فيليب وابنه الاسكندر الأكبر. وهي أول منطقة في أوروبا دخلها الإنجيل. تجاوب الرسولان بطرس وسيلا مع الرؤيا وسلما نفسيهما للعمل الإلهي.هذه الدعوة دائمة تصرخ في آذان الكنيسة من كل جانب لكي تعبر إلى العالم، وتقدم له كلمة الخلاص. لقد أعلن لبولس المكدوني أن يعبر ويعينهم، فلا يكفي الصلاة من أجلهم، بل يلزمه أن يتحرك ويذهب إليهم، فإن الله في محبته نزل إلى البشرية وعاش في وسطها كواحدٍ منهم. هكذا يليق بالكارز أن يعبر إلى النفوس الجريحة ليقدم لها طبيب النفوس { فلما رأى الرؤيا، للوقت طلبنا أن نخرج إلى مكدونية  متحققين أن الرب قد دعانا لنبشرهم}( أع 10:16) هنا يشير القديس لوقا إلى نفسه أنه في صحبة الرسول بولس، وأنه شريك معه كما مع سيلا في الكرازة. فإذا رأى الرسول الرؤيا انطلق الكل ساعين بغير تأخير إلى تحقيق دعوة الله للعمل في مكدونية  لقد أظهر جميعهم استعدادهم الدائم للعمل حسب توجيه الله بكل مسرة، وبغير تردد أو نقاش أو وضع حسابات بشرية للرحلة إلى هناك. إذ تسلم القديس بولس دعوة إلهية للانطلاق إلى مكدونية  لم يتأخر بعد في الكنائس التي في آسيا أو غيرها، بل في طاعة كاملة صار يسعى مع زملائه للتنفيذ السريع.

الخدمة في فيلبي...

+ كانت فيلبي أول مدينة من مقاطعة مكدونية وهي مدينة كولونية، أقام الرسل في هذه المدينة أيّامًا لأنها إذا قبلت الإنجيل يمكن بسهولة انتشاره في مدن مكدونية الأخرى. وقد سميت باسم الإمبراطور فيليب الثاني والد الإسكندر الأكبر الذي جددها سنة 357 ق.م. كانت مدينة حربية أكثر منها تجارية لذلك كان عدد اليهود فيها قليلًا. اشتهرت فيلبي بأنها كانت موقع عدة معارك أثناء الحروب الأهلية للرومان، وفيها تمت المعركة الحاسمة بين بروتس Brutus وأنطوني، حيث قتل بروتس نفسه هناك. وقد كانت تحت الرعاية الرومانية مباشرة وللمواطنين فيها حقوق وامتيازات رومانية، كأن لا يجلدون قط، ولا يُقبض عليهم إلا تحت شروط معينة، ومن حقهم رفع شكواهم من تحت تحقيق الحكام المحليين إلى الإمبراطور نفسه. تمتع سكانها بحقوق سكان روما، ذلك لأن أغسطس قيصر المدعو اوكتافيانوس انتصر فيها بجيوشه على أعدائه سنة 42م، فوهبها هذا الشرف. وكلمة "كولونية" من الجانب السياسي تعني أن القوانين فيها هي طبق الأصل من القوانين التي تسري في روما نفسها، أي أن فيلبي كانت كمدينة مصغرة من روما  وكان يوجد بها مكان للصلاة لليهود خارج المدينة عند شاطئ النهر فذهب الرسل ليكرزوا هناك وكانت أو عظة للقديس بولس في صالة اجتماع فيلبي أول عظة في أوربا؛ وكانت ليدية أول امرأة تستضيف الرسولين في بيتها في تلك المنطقة وكان نهر جاجتياس أول نهر تتقدس مياهه بالمعمودية لها ولأهل بيتها.{ فكانت تسمع امرأة اسمها ليدية بياعة أرجوان من مدينة ثياتيرا، متعبدة للَّه، ففتح الرب قلبها لتصغي إلى ما كان يقوله بولس} (أع 14:16) وكانت ليديا أممية، لها تقديرها بين اليهود، لها أسرتها وخدمها، اقتدى أهل بيتها بها وقبلوا الإيمان واعتمدوا معها وإذ اتسمت بحب الضيافة حثتهم على الإقامة في بيتها بكونها مؤمنة بالرب.

إيمان سجان فى فيلبي وأهل بيته ...

بينما كان الرسل يبشروا فى فيلبي التقت بهم جارية بها شيطان من عبدة ابولو وكانت تدر ربحا لمواليها بعرافتها { وَحَدَثَ بَيْنَمَا كُنَّا ذَاهِبِينَ إِلَى الصَّلاَةِ أَنَّ جَارِيَةً بِهَا رُوحُ عِرَافَةٍ اسْتَقْبَلَتْنَا. وَكَانَتْ تُكْسِبُ مَوَالِيَهَا مَكْسَباًكَثِيراً بِعِرَافَتِهَا.هَذِهِ اتَّبَعَتْ بُولُسَ وَإِيَّانَا وَصَرَخَتْ قَائِلَةً: «هَؤُلاَءِ النَّاسُ هُمْ عَبِيدُ اللهِ الْعَلِيِّ الَّذِينَ يُنَادُونَ لَكُمْ بِطَرِيقِ الْخَلاَصِ». وَكَانَتْ تَفْعَلُ هَذَا أَيَّاماً كَثِيرَةً. فَضَجِرَ بُولُسُ وَالْتَفَتَ إِلَى الرُّوحِ وَقَالَ: «أَنَا آمُرُكَ بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا». فَخَرَجَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ. فَلَمَّا رَأَى مَوَالِيهَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ رَجَاءُ مَكْسَبِهِمْ أَمْسَكُوا بُولُسَ وَسِيلاَ وَجَرُّوهُمَا إِلَى السُّوقِ إِلَى الْحُكَّامِ.وَإِذْ أَتَوْا بِهِمَا إِلَى الْوُلاَةِ قَالُوا: «هَذَانِ الرَّجُلاَنِ يُبَلْبِلاَنِ مَدِينَتَنَا وَهُمَا يَهُودِيَّانِ. وَيُنَادِيَانِ بِعَوَائِدَ لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْبَلَهَا وَلاَ نَعْمَلَ بِهَا إِذْ نَحْنُ رُومَانِيُّونَ». فَقَامَ الْجَمْعُ مَعاً عَلَيْهِمَا وَمَزَّقَ الْوُلاَةُ ثِيَابَهُمَا وَأَمَرُوا أَنْ يُضْرَبَا بِالْعِصِيِّ. فَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا ضَرَبَاتٍ كَثِيرَة وَأَلْقُوهُمَا فِي السِّجْنِ وَأَوْصُوا حَافِظَ السِّجْنِ أَنْ يَحْرُسَهُمَا بِضَبْطٍ.}(أع 16:16-23)  لقد اتبعت القديس بولس ومن معه، ربما لأنها ظنت أنها تتنبأ لهم، فتنال منهم أجرة أو مديحًا علنيًا؛ أو لأنه إذ يسكنها روح شرير خشي الروح أن يطرده من مسكنه. لكن الرأي الأرجح أنها أرادت الشهادة لهم حتى إذ يقبلوا شهادتها علانية تعود فتضل الناس. ولم يكن يشغل مواليها معرفة الحق الإلهي، إنما تشغلهم المكاسب المادية، فإن محبة المال تعمي قلوب البشر عن رؤية الحق وقبوله، بل تحولهم إلى مقاومة الحق، وتملأ قلوبهم كراهية وسخطًا. قدم موالي الجارية اتهامًا ضد الرسولين أنهما مثيرا شغب وضد الشعب، وكأن ما يشغلهم هو سلام المدينة وهدوءها، والغيرة على قوانين الدولة. هذا الاتهام لا يزال يُقدم كل يوم ضد المؤمنين الحقيقيين في بلاد كثيرة. والاتهام الثاني ضد الرسولين أنهما يقدمان عادات دينية جديدة غريبة أي يقدمون دينًا جديدًا لا تعترف به القوانين الرومانية. مع أن كل ما يشغلهم حقيقة هو المكاسب المادية. لقد استطاعوا أن يثيروا جمهورًا كبيرًا وشغبًا ضد الرسولين.

+ وضع بولس وسيلا في السجن وأذ أخذ السجان وصايا مشددة ضدهما {ألقاهما في السجن الداخلي، وضبط أرجلهما في المقطرة} (أع 24:16) كان المجرمين الخطيرين يُلقون في السجن الداخلي لضمان عدم هروبهم. هذا السجن غالبًا ما يكون مملوء بالقاذورات وغير صحي ومظلم. وُضعت أرجلهما في مقطرة، بين قطعتين من الخشب حتى لا يقدرا على المشي، لكن راينا بولس وسيلا يصلّيان، ويسبحان اللَّه، وكان المسجونون يسمعونهم فالمؤمن الحقيقي، شريك ملك الملوك في آلامه وصلبه، يجد سلام وفرح وسط الألم ولم يكن ممكنًا للسجن بظلمته وقذارته وأوحاله، ولا للقيود والمقطرة ولا للجراحات التي ملأت جسمي بولس وسيلا أن تنزع عنهما روح الفرح والتهليل. فتحول السجن إلى أشبه بسماء، والرسولان إلى طغمة ملائكية مسبحة لله { فَحَدَثَ بَغْتَةً زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَتَّى تَزَعْزَعَتْ أَسَاسَاتُ السِّجْنِ فَانْفَتَحَتْ فِي الْحَالِ الأَبْوَابُ كُلُّهَا وَانْفَكَّتْ قُيُودُ الْجَمِيعِ. وَلَمَّا اسْتَيْقَظَ حَافِظُ السِّجْنِ وَرَأَى أَبْوَابَ السِّجْنِ مَفْتُوحَةً اسْتَلَّ سَيْفَهُ وَكَانَ مُزْمِعاًأَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ ظَانّاً أَنَّ الْمَسْجُونِينَ قَدْ هَرَبُوا. فَنَادَى بُولُسُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «لاَ تَفْعَلْ بِنَفْسِكَ شَيْئاًرَدِيّاً لأَنَّ جَمِيعَنَا هَهُنَا». فَطَلَبَ ضَوْءاً وَانْدَفَعَ إِلَى دَاخِلٍ وَخَرَّ لِبُولُسَ وَسِيلاَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ. ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا وَقَالَ: «يَا سَيِّدَيَّ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟». فَقَالاَ: «آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ». وَكَلَّمَاهُ وَجَمِيعَ مَنْ فِي بَيْتِهِ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ.فَأَخَذَهُمَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَغَسَّلَهُمَا مِنَ الْجِرَاحَاتِ وَاعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ. وَلَمَّا أَصْعَدَهُمَا إِلَى بَيْتِهِ قَدَّمَ لَهُمَا مَائِدَةً وَتَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ إِذْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِاللَّهِ.} ( أع 26:16-34) كان حدوث الزلزلة العظيمة إشارة إلى حضرة الله الذي تتزلزل أمامه الجبال، فإن كان الرسولان قد سُجنا في الحبس الداخلي وقيدت أرجلهما، فإن إله السماء والأرض يعلن حضوره ومعيته لهما. ولم يكن ممكنًا للأبواب أن تُغلق أمام العناية الإلهية، ولا للقيود أن تمسك برجال الله الأتقياء. تم هذا كله لكي يُنجح الله طريق الرسولين فيشهدا لله أمام السجان والمساجين. لم يتطلع الرسولان إلى هذا الحدث كأمرٍ إلهيٍ بالهروب من السجن، بل كفرصة رائعة يقدمها الله للعمل الكرازي. لم يكن يتخيل السجان أن سجينًا ما يبقي في زنزانته وقد تزلزلت الأرض وانفتحت كل الأبواب وانفكت قيود الجميع وقد كان من تقليد الشرف الروماني أن السجان الذي يخفق في ضبط سجنه لا ينتظر التحقيق والسقوط تحت العقوبة بل يقضي على نفسه بيده. وحسب القانون الروماني إذا هرب سجين ينفّذ الحكم الصادر ضدّه على الحارس، وإذ ظن الحارس أن بعض المساجين قد هربوا، فهذا معناه أنّه سيقع تحت عذابات كثيرة. فيحسب موته بيديه أفضل من موته مع تعذيبات لكن القديس بولس ناداه قائلاً "لا تفعل بنفسك شيئًا رديًا" فخرّ لبولس وسيلا وهو مرتعد ثم أخرجهما وقال: يا سيدي، ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟ "فقالا الرسولين له : آمن بالرب يسوع المسيح، فتخلص أنت وأهل بيتك. قدما له توجيهًا واضحًا وبسيطًا وفعالًا، وهو الإيمان بربنا يسوع المسيح، كبدء انطلاق وأساس حي لكل عبادة وسلوك. والعجيب أنه يطلب منه أن يؤمن فيخلص هو وأهل بيته، فإنه إذ يقبل الإيمان يكون له أثره على زوجته، ويكون الاثنان مسؤولين على أولادهما، إذ يقدما لهم الإيمان الحي العملي خلال تربيتهما لهم. وكلّماه الرسولين وجميع من في بيته بكلمة الرب فأخذهما في تلك الساعة من الليل،وغسلهما من الجراحات، واعتمد في الحال، هو والذين له أجمعون.

إطلاق الرسولين من السجن ...  

لقد سمع الولاة عن الزلزلة وما تبعها من أحداث، وأثر ذلك على الشعب، فأراد الولاة أن يظهروا اهتمامهم بالشعب أو لعلهم خشوا غضب الآلهة، لأن الرومان كانوا يتطلعون إلى الزلازل كعلامة من علامات غضب الله، فما حدث هو أشبه بإنذار سماوي موجه إليهم. وواضح أن الرسولين بعد أن عمدا حافظ السجن وأهل بيته، أنهما بإرادتهما عادا إلى السجن، ربما لكي لا يُسَبِّبَا متاعب لحافظ السجن، وليعلنا أنهما لا يخشيان السجن. فارسل الولاه للسجن لكي يطلقلا الرسولين بولس وسيلا { وَلَمَّا صَارَ النَّهَارُ أَرْسَلَ الْوُلاَةُ الْجَلاَّدِينَ قَائِلِينَ: «أَطْلِقْ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ». فَأَخْبَرَ حَافِظُ السِّجْنِ بُولُسَ أَنَّ الْوُلاَةَ قَدْ أَرْسَلُوا أَنْ تُطْلَقَا فَاخْرُجَا الآنَ وَاذْهَبَا بِسَلاَمٍ.فَقَالَ لَهُمْ بُولُسُ: «ضَرَبُونَا جَهْراً غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْنَا وَنَحْنُ رَجُلاَنِ رُومَانِيَّانِ وَأَلْقَوْنَا فِي السِّجْنِ أَفَالآنَ يَطْرُدُونَنَا سِرّاً؟ كَلاَّ! بَلْ لِيَأْتُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ وَيُخْرِجُونَا».فَأَخْبَرَ الْجَلاَّدُونَ الْوُلاَةَ بِهَذَا الْكَلاَمِ فَاخْتَشَوْا لَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُمَا رُومَانِيَّانِ.فَجَاءُوا وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِمَا وَأَخْرَجُوهُمَا وَسَأَلُوهُمَا أَنْ يَخْرُجَا مِنَ الْمَدِينَةِ. فَخَرَجَا مِنَ السِّجْنِ وَدَخَلاَ عِنْدَ لِيدِيَّةَ فَأَبْصَرَا الإِخْوَةَ وَعَزَّيَاهُمْ ثُمَّ خَرَجَا} ( أع 35:16-40) أشار الرسول انهم قيدا وجلدا وضربا وسجنا خلافا للقانون الروماني. فمع ما اتسم به الرسول من شوق لمشاركة السيد المسيح آلامه، وفرحه بذلك مع تواضعه ووداعته، لكنه أراد أن يعلن حق المؤمن في المطالبة بحقوقه القانونية دون أن يتسلل على قلبه كراهية أو حب انتقام لظالميه. وأخبر الجلادون الولاة بهذا الكلام، فاختشوا لمّا سمعوا أنهما رومانيان لان عقاب إنسانًا رومانيًا بخلاف قانون الدولة الرومانية، قد تبلغ عقوبته إلى حد الإعدام ومصادرة أمواله. فجاءوا وتضرعوا إليهما وأخرجوهما، وسألوهما أن يخرجا من المدينة فخرج الرسولين من السجن، ودخلا عند ليدية، فأبصرا الإخوة، وعزّياهم ثم خرجا من فيلبي.

اليك نرفع الصلاة

+ اليك نصلي يا الله من أجل الخدمة والخدام، نصلي من أجل الذين لم تصلهم كلمة الخلاص والحياة، ومن أجل من هم في أمس الحاجة للافتقاد والتعزية والقوة. ومن أجل النفوس التي تعاني وتضطهد من أجل الإيمان، من أجل المسجونين ظلماً لتحررهم وترفع عنهم كل ظلم.

+ أيها المسيح الذي يتألم مع المتالمين، ويعاني مع المظلومين، أنت الذي خرج غالباً ولكي يغلب. يا من أعطانا السلطان والغلبة، خلص يارب شعبك وبارك ميراثك وقوي إيمان الرعاة ولم أشتات الرعية وقم يارب وليتبدد جميع أعدائك وليهرب من قدام وجهك كل مبغضي أسمك القدوس.

+ يا روح الله القدوس الذى قاد الكنيسة والرسل وعمل بهم ومعهم، أعمل فى كنيستك وخدامك ووجهنا حيث تريد. هب حكمة ونعمة للخدام والمخدومين لنتقوى في الإيمان ونجاهد علي رجاء وننمو فى المحبة وننقاد بك ومعك في كل عمل صالح، أمين.

الخميس، 26 نوفمبر 2020

شعر قصير (107) " مريح التعابي"

 

للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

(1)

"الله ضابط الكل"

يارب يا ضابط الكل يا خالق الإنسان والبحار والكون

بايدك أنت كل امورنا وأنت تقول لكل شئ كن فيكون

أحفظ بلادنا وشعبنا وكنيستنا، انت علينا يارب حنون

هبنا سلامك الكامل ولشعب مصر بارك وأحفظ وصون

أرفع عنا الوباء والغلاء وأبعد عنا الأشرار واللي يخون

البر يرفع شأن الأمة وعار الشعوب الشر والانتهازيون

هبنا وحدانية القلب التي للمحبة ولقادتنا كن أنت العون

.......

(2)

" اشكر واهب النعم"

اشكر الله واحمده علي ما وهبه لك من صحة وعطايا ونعم

علي الهواء الذي نتنفسه والماء نشربه بدونهم الحياة لا تستقم

نشكره علي عيوننا التي تبصر، وحتي علي خطوات القدم

ان كنت تقرأ الكلمات فاشكره، فغيرك لا يقراء من كتبه قلم

أطلب من الله الستر وراحه البال وان يبعد عنا الشر والنقم

لا تحزن علي ما ليس لك وعدد ما لديك من مواهب وأبتسم

لاموهبة بلا زيادة الإ التي هي بلا شكر  لما أعطى الله وقسم

......

(3)

"مريح التعابي"

لغيرك أنت يارب فى الضيق والأزمات مش ها نروح

ولما ندور علي مين يحفظ السر لك أنت يارب نبوح

معاك نلاقي الضيقات بتمر وعندك حلول تفرح الروح

أنت بس تريح التعبان وأنت اللي بحق تضمد الجروح

الناس تئن متي شكونا وأنت بابك علي  طول مفتوح

بتنادي تعالوا الي يا جميع المتعبين دا أنا قلبي صفوح

أصغي وأريح وأفرح وأرحم دا أنا الهكم طويل الروح

..........

(4)

" هذا هو اليوم الذى صنعه الرب"

هذا هو اليوم الذى صنعه الرب ومن الله لينا بركة وتجديد

وكل حاجة من أيد ربنا تعمل معاً للخير وتدينا سلام فريد

حبه لينا وعشرتنا بيه بتخلي قلوبنا في فرح وكأني في عيد

مراحمك ياربي جديدة كل صباح ومنك وبك ننتظر المزيد

أبوتك وأحساناتك ونعمتك بتخلينا نرنم بالالحان والأناشيد

بترعانا في موكب نصرتك كراعي صالح وتقدم لنا المواعيد

روحك يارب نبع سلامنا وسر فرحنا ومصدر فرحنا الوطيد

.........

(5)

" الحاجة الي وأحد"

أوعي تعمل زى مرثا وتهتم وتضطرب لأجل أمور كتير

وتلوم وتعاتب ربك والناس وتقول دا بخل ولا دا تبذير

وتهتم بامور العالم وملاذه وأنت أبن لالهك الغني القدير

خلينا نتعلم من مريم اللي جلست تتأمل فى حكمة  المنير

نريح أنفسنا ونشبع ونرتوى من مسيحنا وبحكمته نستنير

أنت مخلوق علي صورته وتقتدى بيه وتكون له سفير

الحاجة الي واحد فليكن هو نصيبك الصالح ومعاه سير

الأربعاء، 18 نوفمبر 2020

أواني مقدسة بيد الفخاري الأعظم

  




للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

 

نفسك الكثيرة الثمن لدى الله ..

+ نفوسنا ثمينة لدى الله وهو يريد لنا السعادة في الأرض والسماء .فالعالم المادي بما فيه يمضى ويزول ولكن الإنسان خلق للحياة الأبدية والخلود والسعادة {العالم يمضي وشهوته أما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد }(1يو 2 : 17). انت عزيز لدى الله الذى يريد خلاصك وروحك ونفسك الثمينة لديه وهو يريد لك الحياة الأفضل على الأرض وأن تكون معه فى السماء، وستقوم فى اليوم الأخير بجسد نوراني روحاني ممجد بالإيمان بالله ومحبته { الحق الحق أقول لكم إنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعين يحيون.لا تتعجبوا من هذا فانه تاتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات الى قيامة الحياة والذين عملوا السيات الى قيامة الدينونة}( يو 25:5،28-29). فهل نسعى الى خلاص نفوسنا أم نهمل خلاصنا الثمين ونعرضها للهلاك { الله  يريد ان جميع الناس يخلصون والى معرفة الحق يقبلون} (1تي 2 : 4). ولكن أمر خلاصنا يتعلق بحرية إرادتنا و قبولنا لهذا الخلاص الثمين المقدم لنا بالمسيح يسوع ربنا والتوبة والإيمان والسعى فى الجهاد الروحى منقادين بروحه القدوس. الله في سعيه الى خلاصنا، يدعو  للثقة بمحبته وفدائه ورحمته والى العودة الى أحضانه { لا تخف لاني فديتك دعوتك باسمك انت لي. اذا اجتزت في المياه فأنا معك وفي الأنهار فلا تغمرك إذا مشيت في النار فلا تلذع واللهيب لا يحرقك}(أش 1:43-2).  الله يحبنا ومن اجل هذه المحبة خلقنا ويرعانا ويغفر لنا خطايانا و يريدنا أن نعرفه ونحبه ونسعى الى خلاص انفسنا والنجاة من تيار الآثم الذى فى العالم والفوز بالحياة الأبدية .

 

+ الله بين محبته العظيمة لكل نفس بشرية بطرق كثيرة ويكفي أنه دعانا أبناء له {انظروا اية محبة اعطانا الاب حتى ندعى اولاد الله } (1يو 3 : 1). ولقد عبر عن هذه المحبة الحقيقية للبشر والتي من أجلها تجسد الله الكلمة  { والكلمة صار جسدا وحل بيننا وراينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا} (يو 14:1). ومات المسيح كلمة الله المتجسد من أجل خلاص البشرية ومن أجل خلاص كل إنسان فيها وكأنه موضع محبة الله {لانه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية }(يو 3 : 16). ولقد أكد الإنجيل على هذه المحبة الإلهية للخطاة {ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لاجلنا }(رو  5 :  8).

+ أن نفسك أكرم لدى الله من العالم وأمواله وممتلكاته ولكن البعض ينسى هذا ويسعى نحو إرضاء شهواته وملذاته غير مهتم بالخلاص الثمين الذى يريده الله له ويظن ان حياته في ممتلكاته وإشباع شهواته كالغني الغبي { وقال لهم انظروا وتحفظوا من الطمع فانه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله. وضرب لهم مثلا قائلا انسان غني اخصبت كورته. ففكر في نفسه قائلا ماذا اعمل لان ليس لي موضع أجمع فيه اثماري . وقال أعمل هذا أهدم مخازني وأبني أعظم وأجمع هناك جميع غلاتي وخيراتي. وأقول لنفسي يا نفس لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة استريحي وكلي واشربي وافرحي. فقال له الله يا غبي هذه الليلة تطلب نفسك منك فهذه التي اعددتها لمن تكون}( لو 15:12-20). لقد اتكل هذا الغني على ممتلكاته دون الله وهلك فلا تستطيع كل ثروات العالم أن تخلص روحه فى يوم الدينونة الرهيب . وكيف ننجو نحن أيضا إن أهملنا خلاصاً هذا مقداره ولهذا يوصينا الإنجيل { اوص الاغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا ولا يلقوا رجاءهم على غير يقينية الغنى بل على الله الحي الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتع }(1تي  6 :  17). وكم من أناس اتكلوا على سلطة زمنية خادعة قادتهم إلى الهلاك والإنجيل يحضنا على الاتكال على الرب الذى لا يُخزى منتظريه { اتكل على الرب وافعل الخير اسكن الارض وارع الامانة} (مز  37 :  3). وهناك من عملوا  لإشباع  شهواتهم وقادتهم الى الهلاك. اننا لو ربحنا العالم كله - وهذا من دروب المستحيل - ولكن خسرنا أنفسنا فقد أصبحنا خاسرين السعادة الحقة على الإرض والسعادة الأبدية فى السماء، وقد أكد السيد المسيح على هذه الحقيقة قائلاً {لانه ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه او ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه} (مت  16 :  26). فلنسع اذاً من اجل خلاصنا ونسلك لا كجهلاء بل كحكماء مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة .

+ لنصطلح إذن يا أحبائى مع أنفسنا ونجلس معها نحاسبها ونرجع عن أخطائنا و نتوب عن خطايانا. ونكون صادقين مع ذواتنا ولا ننقاد وراء شهواتنا ورغباتنا الخاطئة  بل فى هدوء نسأل الله وروحه القدوس :  ماذا تريد يارب أن أفعل؟. لنعمل مشيئة الله  فى حياتنا وبهذا نصطلح مع الله الذى يريد خلاصنا ونجاتنا من فخاخ الشيطان و سعادتنا الأبدية . وعندما نصطلح مع أنفسنا ومع الله ينعكس ذلك على علاقاتنا بالأخرين فنحيا فى سلام معهم ونحبهم محبة صادقة روحية ونخدمهم من أجل مجد الله الذي يدعونا ان محبة الناس كما نحب أنفسنا.  حينئذ نحيا ونتمتع بسلام الله الذى يفوق كل عقل والذى يحفظ حياتنا وأرواحنا فى المسيح .

 

الله يقدر أن يغيرك للأفضل ..

+ حتى إن كنا لا نستطيع أن نتغير للأفضل فالله يريد ويقدر أن يغيرنا للأفضل. ويجب أن لا نفقد ثقتنا فى الله ولا فى أنفسنا { غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله }(لو  18 :  27). فكل شيء مستطاع لدى المؤمن . قد تسيطر عليك عادات سيئة وقد تقيدك علاقات خاطئة وتشعر بعدم قدرتك على التخلص منا ولكن علينا أن نجاهد و نغصب أنفسنا للتوبة والرجوع الى الله والبعد عن المعاشرات الرديئة التي تفسد الأخلاق الجيدة. وإذا نصمم على القيام والحياة مع الله يرى الله أمانتنا ويقوي إيماننا ويقودنا بروحه القدوس من مجد الى مجد ، أما الظن بأن وصايا الله تحد من حريتنا فهذا ليس صحيح بل على العكس ان الوصايا تحفظنا فى الطريق وتقودنا لئلا نغرق فى صحراء الحياة بجدوبتها أو طوفان بحر العالم !. وهل عندما نحيا بلا الوصية نكون سعداء فى البعد عن الله أم نتخبط ونعانى القلق وفقدان السلام { لا سلام قال الرب للاشرار} (اش 48 : 22). إن البعد عن الله والخطية تورث المرض والاكتئاب والعار ثم الهلاك الابدى . وعندما نقترب من الله ونرجع اليه نسترد سلامنا الحقيقى ونفرح بالحياة فى رضاه ونسمع صوته الحلو {تعالوا الي يا جميع المتعبين والثقيلي الاحمال وانا اريحكم }(مت  11 :  28). ان توبتنا تفرح الله {اي إنسان منكم له مئة خروف وأضاع واحدا منها ألا يترك التسعة والتسعين في البرية ويذهب لأجل الضال حتى يجده . وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحا. ويأتي إلى بيته ويدعو الأصدقاء والجيران قائلا لهم افرحوا معي لأني وجدت خروفي الضال.اقول لكم انه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارا لا يحتاجون الى توبة}( لو 4:15-7).

 

+  ان الله يستطيع أن يشكلنا من جديد كاوانى للكرامة والمجد إن أطعنا عمل نعمته فينا وهو يقدر أن يغيرنا للأفضل أن أطعناه وعشنا فى رضاه وطرحنا ضعفنا أمامه وطلبنا منه أن يعمل فينا بروحه القدوس وأطعنا عمل نعمته فينا { ليظهر في الدهور الاتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا في المسيح يسوع }(أف  2 :  7). وهذا ما بينه الله لأرميا النبي قديما {الكلام الذي صار الى ارميا من قبل الرب قائلا. قم انزل إلى بيت الفخاري وهناك اسمعك كلامي. فنزلت الى بيت الفخاري و اذا هو يصنع عملا على الدولاب. ففسد الوعاء الذي كان يصنعه من الطين بيد الفخاري فعاد وعمله وعاء آخر كما حسن في عيني الفخاري أن يصنعه. فصار الي كلام الرب قائلا. أما استطيع ان اصنع بكم كهذا الفخاري يا بيت اسرائيل يقول الرب هوذا كالطين بيد الفخاري انتم هكذا بيدي) {ار1:18-6). واضح هنا أن إرميا قد دُعي ليقدم رسالة رجاء للشعب، فيدركوا إمكانياتهم الحقيقية كطين في يد خالقٍ حكيمٍ قدير. يؤكد الله لهم أنه موجود ومحب، قادر أن يشكلها من جديد. رأي إرميا النبي الفخاري بجوار الدولاب، يحرك بقدميه قرصًا حجريًا دائريًا من أسفل، وتتحرك معه عجلة خشبية من أعلى، وقد بدأت أصابعه تلعب في الطين ليُخرج الإناء كما في ذهنه، بالشكل الذي يريده له. {هكذا أيضًا يجلس الفخاري في عمله، ويحرك العجلة بقدميه}(سير 29:38).

+ أن الفخاري لا يلهو أو يلعب بالطين، إنما يعمل في جدية عملاً هادفًا. هكذا حياتنا في يدي الفخاري الأعظم هى موضع اهتمامه، يعمل في جدية خلال الأفراح والضيقات، بالترفق تارة، وبالضغط تارة أخرى، ليقيم منا آنية مقدسة مكرمة. الله هادف في خلقتنا كما في تجديد طبيعتنا، هادف في إقامة ممالك وإزالتها. كل العالم بين يديه، وكل التاريخ في قبضته، ليس من أمرٍ يحدث محض مصادفة. أن الفخاري يعجن الطين  بيده ليخليها من فقاقيع الهواء، ويضعها في الدولاب ليتحرك برجليه ويديه بل وكل فكره، فيحول قطعة الطين التي لا شكل لها إلى إناءٍ جميلٍ، يوسعه الفخاري من هنا، ويضيقه من هناك. ليشكل منه كما يليق به ، اننا أغلى وأثمن لدى الله من هذه الأواني الفخارية بكثير جداً .

+ وعندما يفسد الوعاء سواء عن جهل أو إرادة او رغبة منا وعصيان للفخاري الأعظم فإنه يدعونا للتوبة والرجوع { فارجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة اصلحوا طرقكم واعمالكم} (ار 18 : 11).  لماذا لم يُلقِ النبي اللوم على الفخاري باعتباره هو المسئول عن فساد الوعاء الذي كان بين يديه؟ لأن الأمر يختص بآنية حية تفسد نتيجة خطأها، إذ يقول {ففسد الوعاء الذي كان يصنعه} احذر إذًا لئلا تسقط وتفسد حينما تكون في يدي الفخاري وهو يُشكلك، فيكون فسادك نتيجة خطأ بحريتك. خلق الله الإنسان صالحًا لكنه فسد خلال فساد إرادته ، وصار الأمر يحتاج إلى تدخل الله نفسه القادر وحده على إعادة تشكيل الإناء، إذا تحطم إناء لا يلقيه خارجًا، بل يعود فيعجنه بيديه مرة أخرى، ويجمع الأجزاء المتناثرة منه بكل حرص، ويضغطها معاً ليجعل منها كتلة واحدة يعيد تشكيلها باهتمام شديد. وكأن الله هنا يؤكد لشعبه أنه من حقه أن يضع خطة خاصة بهم لا أن يضع الشعب خطة لله، كقول الرسول بولس: { من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله؟! ألعل الجبلة تقول لجابلها: لماذا صنعتني هكذا؟ أم ليس للخزاف سلطان على الطين يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة وآخر للهوان؟ }(رو 9: 20-21). يليق بنا أن نخضع لله الخزاف السماوي، الذي من أجل تقديسه للحرية الإنسانية يترك للجبلة حق الخيار، وإن كانت لا تقدر أن تشكل بذاتها. إنها في حاجة إلى نعمته المجددة للطبيعة البشرية، أن نعمة الله ورحمته تعملان دومًا لأجل خيرنا، فإذا تركتنا نعمة الله لا تنفع كل الجهود العاملة شيئاً. مهما جاهد الإنسان بكل نشاطٍ لا يقدر أن يصل إلى حالته الأولى بغير معونة الله.

+ حياتنا الزمنية أشبه بقطعة طين تدخل الدولاب الذي يدور في اتجاه واحد، فنظنها وليدة صدفة أو حياة مملة، لكن الفخاري الأعظم لا يتوقف عن العمل لكي يحقق خطته تجاهنا. علينا أن نثبت في الدعوة التي دعينا إليها (1 كو 7: 20). والله الذى عمل فى الرسولين القديسين سمعان بطرس ومع شاول بولس ومع مريم المجدلية والمرأة السامرية ، يستطيع ان مع كل واحد وواحدة منا لنكون أوانى للكرامة والمجد {لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني مع انه يمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد عند استعلان يسوع المسيح }(1بط  1 :  7).

 

عطشت إليك نفسي

+ يا إله المحبة و ضابط الكل الذى يسعى لخلاص جنس البشر،  انت تحبنا وتريد  ان نحيا فى صداقة ومحبة متبادلة معك ، وانت دائما تبادر في السعي لإعلان محبتك الإلهية لنا رغم عدم استحقاقنا لكن لأنك أب صالح. أعيد تشكيل حياتى حسب ما يوافق صلاحك ولا تدعنى أسير وراء أهوائى لئلا أتورط أو أبتعد عنك بل بمشورتك الصالحة اهدينى يا الله.

+ يا الله إلهي إليك أبكر عطشت إليك نفسي يشتاق اليك جسدي في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء، متى أجيء واتراءى قدامك، انت قادر ان تعد كل نفس منا لتكون آنية كرامة ومجد يوم مجيئك الثاني المملوء مجداً لتجازى كل واحداً كنحو أعماله. وانت قادر ان تمحو خطايانا كصالح ومحب البشر وتقودنا فى موكب نصرتك وتهبنا حياة فاضلة تليق بأبناء الله القديسين.

+ اننا نأتى اليك بكل ما فينا من عيوب وضعفات ونسألك أن تشكل فينا كما تحب وكما يليق بأبناء الله القديسين ، بالتجارب نتنقى وتهبنا النصرة. وها نحن بين يديك وانت الرحوم تهبنا الحكمة والنعمة والقوة لمعالجة كل ضعف وكسل أو تقصير لنعود اليك كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا عيب من أجل مجد اسمك القدوس.

الجمعة، 13 نوفمبر 2020

60- القديس بولس الرسول ومجمع أورشليم المسكوني


للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

مجمع أورشليم بشأن قبول الأمم في الإيمان

+ انعقد مجمع أورشليم الرسولي في سنة 50 م.  بسبب مشكلة التهود التي ظهرت في أنطاكية والتي طالب فيها بعض اليهود الذين آمنوا بضرورة التزام الأمم الذين يؤمنوا بالمسيح أن يتهود ويختتنوا ويلتزموا بالطقوس اليهودية وقد شارك فيه القديسين بولس وبرنابا وخاطبوا المجمع بدخول الأمم للإيمان وعمل نعمة الله معهما. وقد تمسك البعض من اليهود المتنصرين بالختان والطقوس الموسوية علي أنها فرائض إلهية وأن السيد المسيح جاء ليكمل الناموس لا لينقضه أما المعتدلون فلا ينكرون ذلك لكنهم يروا أنهما لا يتعارضان مع تحقيق الختان الروحي الذي للحواس، وممارسة الطقوس بفكرٍ روحي لا حرفي قاتل. أن غاية الناموس هو أن يقودنا إلى ربنا يسوع المسيح الذي يبرر المؤمنين به من اليهود والأمم بالإيمان. فالعودة إلى الناموس حرفيًا هو نكوص وانحراف عن غاية الناموس ذاته. وأذ كان هذا الموضوع هام لمستقبل الكنيسة  شعر الرسول بولس أن جهود الكنيسة تضيع في مباحثات ومنازعات عوض الانشغال بالكرازة وسط الأمم. وتزايدت المنازعات وأخذ بعض اليهود موقفًا متشددًا مما سبب عثرة للداخلين حديثًا إلى الإيمان في أنطاكيا والمدن التي يبشر فيها القديس بولس للأمم وأخذ الموضوع اتجاه جماعي لذا صارت الحاجة ملحة إلى قرار مجمعي رسولي في أورشليم كمصدر سلطة كنسية، حيث هناك تحققت أحداث الخلاص، ومنها انطلقت بذار الخدمة والكرازة إلى كل العالم. وهي ضم المجمع أغلب الرسل والمسيحيين أصحاب الخبرة، لذا فأورشليم أفضل موقع لأخذ قرار فيما لم يستقر الأمر فيه بعد، حتى تنتهي كل المنازعات الخاصة بقرار بشأن الأمم وإيمانهم و أُعطيت الفرصة في المجمع للفريقين أن يناقشوا الأمر بكل صراحة وانفتاح، في جوٍ من الحب. ولم تؤخذ القرارات بطريقة تعسفية ولا بتسرعٍ. بل جرت مباحثات ليست بقليلةٍ بين الفريقين، وكان بطرس وبولس وبرنابا يمثلان قيادة الفكر الذي يراه البعض متحررًا، وبعض المؤمنين الذين من مذهب الفريسيين يمثلون الفريق المتعصب.

+ كشف القديس بطرس بكل صراحة أن المسيح جاء ليرفع عنا نير حرفية الناموس غير المحتمل ليهبنا نيره الهين أو الحلو (مت 11: 30). وطالب القديس بطرس أن نترفق بالآخرين ولا نكون كالذين يحزمون أحمالًا ثقيلة عسرة الحمل، ويضعونها على أكتاف الناس، فالمسيح جاء ليحررنا كقول القديس بولس { ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع} (غل 3: 28). وسكت الجمهور كله، وكانوا يسمعون برنابا وبولس يحدّثان بجميع ما صنع اللَّه من الآيات والعجائب في الأمم بواسطتهم. (أع 12:15) وقدم القديس بطرس خدمته في بيت كرنيليوس كمثالٍ حي لعمل الروح القدس الذي لم يطالب بختان الأمم القابلين للإيمان.

+ ومن ثم تكلم يعقوب البار أسقف أورشليم المعروف في الأوساط اليهودية، إذ اتسم بالنسك الشديد والحكمة قبل إيمانه بالسيد المسيح، هذا مع تمسكه الشديد بالناموس والطقوس اليهودية. وكان له تقديره الخاص بعد أن قبول الإيمان بين اليهود المتنصرين المتعصبين لناموس موسى حرفيًا. وقد سمع القديس يعقوب من القديسين برنابا وبولس عن عمل الله بين الأمم. وفي المجمع لم يقاطعهما، بل تركهما يتحدثان بكل ما في قلبيهما حتى صمتا. وتحدث بروح الأخوة ثم قال ما رأى الروح القدس والرسل من قرارات لصالح قبول الأمم فى الإيمان. لم يشير القديس يعقوب إلى الرؤيا التي شاهدها القديس بطرس ولا إلى الآيات والعجائب التي تحدث عنها القديسان برنابا وبولس، لكنه أشار إلى أقوال الأنبياء، فإن هذه هي الشهادة التي لن يقدر اليهودي أن يقاومها. فما حدث في ذلك العصر ليس بجديدٍ عنهم، بل سبق فرآه الأنبياء بروح النبوة. من يقدر أن يقاوم إتمام النبوات؟ لقد تنبأوا عن دعوة الأمم (رو 10: 19)، وقد نادى اليهود الأتقياء بأن المسيا قادم نورًا يشرق على الأمم (لو2: 32). { لكي يطلب الباقون من الناس الرب، وجميع الأمم الذين دُعي اسمي عليهم، يقول الرب الصانع هذا كله} (أع 17:15). يؤكد هذا الوعد الإلهي على لسان النبي دخول الأمم إلى التمتع بميزات أولاد الله. يقصد بالباقين من الناس، أي الذين هم غير يهود، أو الأمم. في الأصل العبري "أدوم"، وهي تشير إلى البشر أو البشرية أو الشعب.

قرار مجمع أورشليم الرسولي ...

لذلك كان قرار المجمع الذى ارسل لكنائس الأمم { حِينَئِذٍ رَأَى الرُّسُلُ وَالْمَشَايِخُ مَعَ كُلِّ الْكَنِيسَةِ أَنْ يَخْتَارُوا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ فَيُرْسِلُوهُمَا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ مَعَ بُولُسَ وَبَرْنَابَا: يَهُوذَا الْمُلَقَّبَ بَرْسَابَا وَسِيلاَ رَجُلَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي الإِخْوَةِ. وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ هَكَذَا: «اَلرُّسُلُ وَالْمَشَايِخُ وَالإِخْوَةُ يُهْدُونَ سَلاَماً إِلَى الإِخْوَةِ الَّذِينَ مِنَ الْأُمَمِ فِي أَنْطَاكِيَةَ وَسُورِيَّةَ وَكِيلِيكِيَّةَ: إِذْ قَدْ سَمِعْنَا أَنَّ أُنَاساً خَارِجِينَ مِنْ عِنْدِنَا أَزْعَجُوكُمْ بِأَقْوَالٍ مُقَلِّبِينَ أَنْفُسَكُمْ وَقَائِلِينَ أَنْ تَخْتَتِنُوا وَتَحْفَظُوا النَّامُوسَ، الَّذِينَ نَحْنُ لَمْ نَأْمُرْهُمْ. رَأَيْنَا وَقَدْ صِرْنَا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ أَنْ نَخْتَارَ رَجُلَيْنِ وَنُرْسِلَهُمَا إِلَيْكُمْ مَعَ حَبِيبَيْنَا بَرْنَابَا وَبُولُسَ رَجُلَيْنِ قَدْ بَذَلاَ نَفْسَيْهِمَا لأَجْلِ اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَقَدْ أَرْسَلْنَا يَهُوذَا وَسِيلاَ وَهُمَا يُخْبِرَانِكُمْ بِنَفْسِ الأُمُورِ شِفَاهاً. لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ أَنْ لاَ نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلاً أَكْثَرَ غَيْرَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ: أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ وَعَنِ الدَّمِ وَالْمَخْنُوقِ وَالزِّنَا الَّتِي إِنْ حَفِظْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنْهَا فَنِعِمَّا تَفْعَلُونَ. كُونُوا مُعَافَيْنَ».} (أع 22:15-29). الإيمان ليس نيرًا ثقيلًا يلتزم به الشخص، لكنه هبة إلهية تعطي النفس راحة وسلامًا داخليًا. قدم القديس يعقوب كرئيس للمجمع القرار الذي به فصل في القضية، فلم يعد بعد هناك مجال للمناقشة والمنازعة، ثم رفعت جلسة المجمع. وقدم المجمع أربع توصيات تمس الحياة السلوكية التي يلتزم بها الأممي الداخل الإيمان.

1-  الامتناع عن نجاسات الأصنام مثل أكل اللحوم وشرب الخمر المقدمة ذبائح للأوثان، فهي نجسة في نظر اليهودي. كان أكل هذه اللحوم يعتبر نوعًا من الشركة في العبادة الوثنية. لهذا كان اليهود يرفضونها تمامًا. هذا لا يعني أن هذه اللحوم في ذاتها نجسة، لكن من أجل نية الوثنيين أنها جزء من العبادة، ويمتنع المؤمن عن أكلها حتى وإن كان ضميره قويًا، متطلعًا إلى أن كل الخليقة طاهرة. فمن أجل محبته لأخيه صاحب الضمير الضعيف يرفض هذه الأطعمة متى علم أنها كانت مُقدمة للأوثان. وقد عالج الرسول هذه النقطة في شيء من التوسع (1 كو 8: 1؛ رو 14).

2. الامتناع عن الزنا، فقد عُرف كثير من الوثنيين بالإباحية الخلقية، وكانت تمارسه بعض النذيرات استرضاء للإله، ولجمع مال لحساب هيكل الوثن. وممارسة الزنا كنوع من العبادة في الأعياد الرسمية للآلهة. كانت هذه الرذيلة شائعة بين الأمم على مستوى العالم، تمارس دون خجل أو حياء، إذ لم يكن يوجد أي قانون بين الوثنيين يمنعها. لذلك كان لا بُد للمسيحية أن تأخذ موقفًا واضحًا وصريحًا لمقاومتها.

3. الامتناع عن أكل المخنوق من الحيوانات والطيور، إذ تحسب كجثة ميتة رميمة نجسة (لا 17: 10؛ تك 9: 4).

4- الامتناع عن شرب الدم، وهي تكملة للوصية السابقة، ذلك لأنه يحسب أن الدم هو الحياة، فيه النفس (لا 17: 11). هذا وكان من عادات بعض الوثنيين حين ينتقمون من شخص يقتلونه ويشربون دمه. وكان شرب الدم شائعًا بين الأمم، يشربونه أثناء تقديم الذبائح وفي إقامة عهود وفي الاحتفالات. ربّما يتساءل البعض لماذا لم يشر المجمع إلى امتناع الأمم عن الخطايا والجرائم مثل السرقة والقتل، مكتفيًا بالإشارة إلى ضرورة امتناعهم عن عبادة الأوثان وأكل المخنوق والدم والزنا. لان المجمع أشار فقط إلى ما كان الأمم يحسبونه مباحًا ولا تعاقب عليه القوانين المدنيّة والجنائيّة للدول. فإن هذه الجرائم كانت واضحة ويعاقب عليها القضاة في العالم أيضا. القديس يعقوب يعلل التوصيات السابقة بأنها لازمة، لأنها تمس حياة اليهودي والأممي الروحية، وتستند على أسفار الناموس المقروءة دومًا في المجامع. لهذا يليق بالأممي أن يحمل هذه السمات ذاتها وهي لا تمس طقسًا تعبديًا بل سلوكًا روحيًا. ورأى المجمع أن يرسل ممثلين عنه للكنيسة في أنطاكيا لابلاغهم قرارات المجمع مع بولس وبرنابا { حينئذ رأى الرسل والمشايخ مع كل الكنيسة،أن يختاروا رجلين منهم فيرسلوهما إلى إنطاكية، مع بولس وبرنابا، يهوذا الملقّب برسابا وسيلا، رجلين متقدّمين في الإخوة} (أع 22:15). بهذا القرار أعطت الكنيسة الفرصة للقديسين بولس وبرنابا للعمل في الكرازة والتبشير بين الأمم بحرية عوض إضاعة الوقت في منازعاتٍ لا تنتهي.

نصلي من أجل وحدانية المحبة والايمان

+ أيها الرب الهنا العامل فى الأنبياء والرسل، مخلص كل أحد الذي قاد الكنيسة عبر تاريخها الطويل أنعم علينا بوحدانية القلب التي للمحبة واهدنا الي وحدانية الإيمان الذي إليه دعينا، وأعطنا أن نسلك كما يحق للدعوة التي دُعينا إليها بكل تواضع القلب، مسرعين الي حفظ وحدانية الروح برباط الصلح الكامل.

+ أنظر يارب الى كنيستك التي اقتنيتها لك بالدم الكريم، وكما طلبت أن نكون واحداً فيك. فاعمل فى الكنيسة وقادتها ورعاتها لكي يكون لنا الإيمان المستقيم و العامل بالمحبة ونسعى معاً بروح البذل والاحترام والتفهم التاريخي لأسباب انقسامنا والرجوع الي الإيمان الأقدس الذى حافظ عليه أبنائنا بدمائهم لمجد اسمك القدوس من أجل خلاص نفوسنا ولكي نثمر ويدوم ثمرنا.

+ ياروح الله العامل في الناموس والآباء والأنبياء والرسل، أعمل فينا وبنا وانهض قلوبنا من التراخي والكسل. أعطنا أن نكون حارين فى الروح، نامين في المحبة والمعرفة، ثابتين في الإيمان المستقيم، لكي يتمجد  اسمك القدوس، امين.