نص متحرك

♥†♥انا هو الراعي الصالح و الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف يو 10 : 11 ♥†♥ فيقيم الخراف عن يمينه و الجداء عن اليسار مت32:25 ♥†♥ فلما خرج يسوع راى جمعا كثيرا فتحنن عليهم اذ كانوا كخراف لا راعي لها فابتدا يعلمهم كثيرا مر 34:6 ♥†♥ و اما الذي يدخل من الباب فهو راعي الخراف يو 2:10 ♥†♥

الثلاثاء، 17 مارس 2026

أتركها هذه السنة

 أتركها هذه السنة

فحص الذات والثمر الروحي  ...   


 

+ لكل منا رسالة في الحياة فقد خلقنا الله لأعمال صالحة سبق الله فاعدها لنسلك فيها، ومهما كانت وظيفتنا أو وضعنا فى المجتمع الذى نحيا فيه فعلينا أن نفحص ذواتنا بامانة ونعرف ما يجب أن نقوم به ونثمر فيه. وكما أن أعضاء الجسد الإنساني تتكامل معا فى أداء وظائفها ليقوم الإنسان بدوره فعلينا أن نكون إيجابيين وأمناء فى أداء دورنا باخلاص ونثمر ويدوم ثمرنا. إن الطبيعة وما فيها من كائنات تعطينا درس في النمو لأداء دورنا في الأسرة والمجتمع ولهذا راينا الرب يسوع المسيح يعطينا مثل عن أهمية الثمر الروحي { وَقَالَ هَذَا الْمَثَلَ: « كَانَتْ لِوَاحِدٍ شَجَرَةُ تِينٍ مَغْرُوسَةٌ فِي كَرْمِهِ فَأَتَى يَطْلُبُ فِيهَا ثَمَراً وَلَمْ يَجِدْ. فَقَالَ لِلْكَرَّامِ: هُوَذَا ثَلاَثُ سِنِينَ آتِي أَطْلُبُ ثَمَراً فِي هَذِهِ التِّينَةِ وَلَمْ أَجِدْ. اِقْطَعْهَا. لِمَاذَا تُبَطِّلُ الأَرْضَ أَيْضاً؟. فَأَجَابَ: يَا سَيِّدُ اتْرُكْهَا هَذِهِ السَّنَةَ أَيْضاً حَتَّى أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلاً. فَإِنْ صَنَعَتْ ثَمَراً وَإِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا».} (لو ٦:١٣-٩).

+ تجرى بنا الأيام والسنين ويمضى يوم ثم أسبوع  ثم شهر ويمضى العام من عمرنا ويجي عام جديد  وتمر بنا من أحداث كثيرة نتأثر بها بلا شك لكن علي المؤمن أن يثق فى الله الذى يقود سفينة حياته ويجعل كل الاشياء تعمل للخير { ونحن نعلم ان كل الاشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده} (رو  8 :  28). علينا أن نبني بيتنا على صخرة الإيمان المستقيم الواثق والذى لا يتزعزع حتى مع شدة العواصف وصعوبة الظروف التي نمر بها أو العثرات التي تقابلنا {فكل من يسمع اقوالي هذه ويعمل بها اشبهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر. فنزل المطر وجاءت الانهار وهبت الرياح ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط لانه كان مؤسسا على الصخر} (مت ٢٤:٧-٢٥). وكما ان كل مؤسسة ناجحة تعمل حساب ختامى لنهاية العام تبين فيها مدى ربحها أو خسارتها وما هى مواضع القوة والضعف فيها، هكذا نحن أيضا نحتاج لوقفة صادقة مع النفس لنعالج عوامل الضعف ونتقوى ونستثمر مواطن القوة فى شخصيتنا ووزناتنا ونستخدمها لخدمة الله والمجتمع الذى نحيا فيه.

+ الصدق مع النفس ... 

لنفحص ذواتنا بروح الصلاة والتواضع ونتجنب الكبرياء والأنانية، نحاسب انفسنا بدون محاباة وبصدق وحق. نتأمل حياتنا فى ضوء كلمة الله وعمل الروح القدس وفى ضوء مراحم الرب الذى صبر علينا هذا العام والأعوام التي مضت من عمرنا ووهبنا نعمة البقاء والحياة  لنأتى بثمر ويدوم ثمرنا. نجلس مع ذواتنا ونحاسبها أو نعاتبها او حتى نعاقبها ونعرف ما فيها من اخطاء وماذا عملنا فى علاقتنا بانفسنا وبالله وبالاخرين من حولنا ونصلى ونعمل مع الله طالبين عمل نعمته معنا فى كل أيام غربتنا على الارض لننجح فى طرقنا ونعمل لخلاصنا ومن معنا فلا أحد معصوم من الأخطاء أو منزه عن العيوب ولكى نتقدم الى الامام يجب ان نتصالح مع انفسنا ونقبلها كما هى بما فيها من سمات لا نستطيع تغييرها. وفى مجال السلوك فانه فى مقدورنا ان نعترف بالخطاء لمن أخطانا اليه ثم نصنع خيرا مع من حولنا. لا يجب ان نكتفى بان لا نؤذى انفسنا أو غيرنا بل يجب ان نعمل الخير ونحب الناس ونحسن اليهم ونتفانى فى مساعدتهم قدر طاقتنا كقول الكتاب { لا تمنع الخير عن اهله حين يكون في طاقة يدك ان تفعله } (ام  3 :  27). علينا أن نقبل الاخرين بضعفاتهم وبالمحبة والصبر يأتى التغيير الذى فى استطاعتهم { لذلك اقبلوا بعضكم بعضا كما ان المسيح ايضا قبلنا لمجد الله }(رو  15 :  7).

أعداد النفس للأثمار ...

+  في مثل شجرة التين طلب صاحب الحقل من الكرام ان يقطع الشجرة غير المثمرة  من الارض لانها لم تصنع ثمراً  على مدى عدة سنوات فطلب  الكرام ان يصبر عليها سنة أخرى لتثمر ثمراً جيداً وفى سبيل ذلك فان الكرام سيقوم بكل ما هو ضرورى لكى تثمر بان ينقب حولها وينظف الارض وينزع من حولها الحشائش الضارة ويسمد الارض ويتعهدها بالرى والرعاية. نحن نشكر الله على محبته وصبره وطول اناته علينا وفى ذات الوقت يجب ان ننقب ونفحص ذواتنا ونتوب ونعترف بخطايانا ونطلب المغفرة من الله ونقوم من الكسل الروحى ونهتم بخلاص أنفسنا { لانه ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه او ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه} (مت  16 :  26).  يجب ان نبتعد عن كل ما هو ضار بالروح والنفس والجسد ونتخلص من العادات الضارة وننتصر على الشهوات والخطايا ولا ندع شئ أو أحد يفصلنا عن محبة الله.

+ نبني حياتنا الروحية والعملية ... 

حتى ما تثمر شجرة حياتنا يجب ان نتعهدها بالرعاية اللازمة ونحميها من الثعالب الصغيرة المفسدة للكروم التى هى الخطايا الصغيرة لكى لا تتأصل فى النفس، ونرويها بمياة نقيه محبة الله والخير والغير ونغذيها باسمدة الخلاص والتقوى ووسائط النعمة. علينا ان لا ننام وقت الزرع والرعايته حتى ما نجنى الثمار فى أوان الحصاد وعندما يحين الميعاد نسمع من رب العباد { نعما ايها العبد الصالح والامين كنت امينا في القليل فاقيمك على الكثير ادخل الى فرح سيدك} (مت  25 :  21).

+ أستثمار الوقت وتنظيمه مهم فى حياة كل انسان. فلا يجب ان نهدر أوقاتنا فيما لا يفيد فان الوقت من ذهب ان لم تستثمره ذهب. وما لا ينبغى ان نعمله فلا نفكر فيه ولا نتذكره ونعاتب أنفسنا على أخطائها خير لنا من عتاب غيرنا ونبتعد عن نظر وسماع ما لا يفيد لكى نتخلص من فعل ما هو ضار لهذا يوصينا الإنجيل ان نسلك بحكمة وأفراز  { لذلك يقول استيقظ ايها النائم وقم من الاموات فيضيء لك المسيح. فانظروا كيف تسلكون بالتدقيق لا كجهلاء بل كحكماء. مفتدين الوقت لان الايام شريرة. من اجل ذلك لا تكونوا اغبياء بل فاهمين ما هي مشيئة الرب} (أف ١٤:٥-١٧). نستيقظ من الغفله وننسئ ما هو وراء ونمتد الى ماهو قدام .

+ علاقتنا بالله ..  يجب ان ننمو فى محبة الله ونعطيه قلوبنا بكل ثقة ورجاء { ماذا يطلب منك الرب الهك الا ان تتقي الرب الهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك} (تث  10 :  12) .نخصص الوقت المناسب للصلاة لتكون حياتنا كلها عشرة محبة وصداقة فيها نسير مع الله ونصلى اليه بالروح والحق ليقوى ايماننا به ويذيد محبتنا ورجائنا فيه ونطيعه طالبين خلاص انفسنا واهلنا وكنيستنا وبلادنا. ونخصص وقتا للقراءة فى الإنجيل والكتب الروحية لننمو فى المعرفة والمحبة والعشرة بالله فالقراءة الجيدة ينبوع للصلاة النقية وتنقى الفكر وتبعد عنه العثرات. ونلتصق بالكنيسة ونشارك فى صلواتها واجتماعاتها وتكون امنا روحية لنا. ويكون لنا صداقة روحية بالملائكة والقديسين ورجال الله الاتقياء واصدقاء روحيين لننمو ومن معنا فى روح التلمذة للكتاب المقدس والله والكنيسة .

+ علاقتنا بالأخرين .. كلما كنا ناجحين فى علاقتنا بالله طائعين لوصاياه فان ذلك يدفعنا الى محبته وخدمة الناس على كل المستويات. الوصية تعلمنا ان المحبة لا تتجزء بل تتكامل ومحبة الله تكتمل بمحبة القريب. علينا ان ننمى علاقتنا ونبادر الى صنع الخير مع اهل بيتنا ومن حولنا فى حتى نصل بمحبتنا للاعداء والبعيدين. إن لعازر البلايا يحتاج منا الى البسمة والكلمة الطيبة ومد يد العون بمجتمع يعج  بالفقراء والمحزونين والمساكين والمحرومين وهذا هو مقياس الدخول للسماء.

+ ان مقياس كمال المحبة  هو محبة الاعداء كما قال لنا السيد المسيح (مت ٤٣:٥-٤٥). أما صفات هذه المحبة كثمرة رئيسية فى حياة المؤمنين فقد ذكرها لنا القديس بولس الرسول في ( 1كو ٤:١٣-٨). فدعونا نعمل بقلوب صادقة لكي نطفئ الكراهية بالمحبة والصلاة وصنع الخير ، وبدلا من ان نلعن الظلام، نضئ شموع المحبة الصادقة والتعاون مع الكل ونقدم المحبة للجميع  لاسيما للذين أظلمت حياتهم واختفت منها المحبة { ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه }(1يو  4 :١٦). نحن مدعوين للعمل الروحى كسفراء للسماء ونورا فى العالم وملحاُ يعطى مذاقة روحية فى مجتمعه . فهل نلبى النداء الالهى ونثمر ونقوم برسالتنا فحياتنا ستنتهى ولكن ليتها تنتهى من أجل عمل صالح.

+ المحبة الصادقة للنفس... يجب ان نحب ذواتنا محبة روحية تخلصها وتنميها وتربطها بفاديها. نهتم باجسادنا كوزنة من الله فلا نهملها او ندمر الجسد فى عيش مسرف. الانسان القوى هو الذى ينتصر على عاداته الخاطئة ويقوى ارادته وعزيمته بلا تردد او خضوع للضعف او الخوف. فلنعمل لضبط  فكرنا والسنتنا. ونغذى فكرنا بما هو مفيد وقلبنا بمحبة الله محبة والغير. وننمى ارواحنا ونقويها بوسائط الخلاص ونطلب من روح الله ان يقودنا ويهدينا وعندما نعمل على ان نأتى بثمر فان الله ينقينا لنأتى بثمر أكثر { كل غصن في لا ياتي بثمر ينزعه وكل ما ياتي بثمر ينقيه لياتي بثمر اكثر }(يو  15 :  2). نصلى ونعمل ليدوم ثمرنا ويبارك الله حياتنا وأهلنا وبيوتنا وكنيستنا وشعبها وبلادنا ومنطقتنا ويرحم العالم كله، أمين.

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

الحكمة وحياتنا العملية

 الحكمة وحياتنا العملية


 اولاً : الحكمة في الكتاب المقدس وفكر الأباء 

 + الحكمة ليست مجرد ذكاء أو معرفة عقلية، بل هي حياة نعيشها في مخافة الله وهي اتحاد مستمر بالله { رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ} ( أم ٩:١٠). الحكمة هي أن يرى الإنسان الأمور بعين الله، ويختار ما يرضيه، ويسلك بتعقّل روحي وسط عالم مضطرب. والإنجيل لا يكتفي بالدعوة للحكمة، بل يدعونا إلى محبة الحكمة وطلبها وأقتنائها كما نطلب كنز ثمين { إِنْ طَلَبْتَهَا كَالْفِضَّةِ، وَبَحَثْتَ عَنْهَا كَالْكُنُوزِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُ مَخَافَةَ الرَّبِّ}( أم ٤:٢-٥). والحكمة عطية إلهية ننالها بالصلاة والجهاد الروحي { وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ} ( يع ١:٥). فالحكمة تقودنا إلى الحياة الأبدية كالعذارى الحكيمات { لأَنَّ الَّذِي يَجِدُنِي يَجِدُ الْحَيَاةَ} ( أم ٣٥:٨). وكلمنا ثبتنا في المسيح وثبت كلامه فينا نقتني الحكمة منه فهو أقنوم الحكمة { الْمَسِيحُ قُوَّةُ اللهِ وَحِكْمَةُ اللهِ} ( ١ كو ٢٤:١). واقتناء الحكمة في جوهره هو أقتناء المسيح.

+ الحكمة في فكر آباء الكنيسة 

يقول القديس الأنبا أنطونيوس الكبير «ليس الحكيم من يعرف كثيرًا، بل من يعرف كيف يرضي الله في كل حين.» ويرى أن الحكمة تبدأ من معرفة الإنسان لضعفه واتكاله الكامل على الله. ويرى القديس أغسطينوس أن الحكمة هي أن تحب الله، وكل معرفة لا تقود إلى المحبة هي جهل. ويري القديس مار إسحق السرياني أن الحكمة الحقيقية هي أن يعرف الإنسان طريقه إلى التوبة والصمت والصلاة.»

ثانياً :  الحكمة في الحياة العملية

الحكمة ليست بعيدة عن واقعنا اليومي، بل يجب أن تظهر في تفاصيل الحياة في الكلام والصمت والتفكير وفي اتخاذ أي قرار، فلا نتسرع بل نصلي ونستشير ونفحص الأمر على ضوء وصايا الله. والحكمة في العلاقات تظهر في المحبة بلا سذاجة والغفران بلا ضعف والصراحة بلا قسوة. والتمييز والأفراز في ما نقرأه ونكتبه ونعمله والحكمة تظهر حتى في الضيقات والألم والمرض فالحكيم لا يسأل: لماذا يا رب؟ بل يقول ماذا تريد أن تعلّمني؟.

ثالثاً: كيف نقتني الحكمة؟

١- مخافة الله .. 

من يعيش في مخافة الله ويحرص علي أرضائه يقتنى الحكمة { وَقَالَ لِلإِنْسَانِ: هُوَذَا مَخَافَةُ الرَّبِّ هِيَ الْحِكْمَةُ، وَالْحَيَدَانُ عَنِ الشَّرِّ هُوَ الْفَهْمُ».} (أي ٢٨: ٢٨). وكلما كان المؤمن مسكن لروح الله القدوس، روح الحكمة والفهم وأطاع وأنقاد للروح القدس يقتني الحكمة كما جاء في النبي عن السيد المسيح في تجسده { وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ. وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ، بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، وَيَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ. وَيَكُونُ الْبِرُّ مِنْطَقَةَ مَتْنَيْهِ، وَالأَمَانَةُ مِنْطَقَةَ حَقْوَيْهِ. }(إش ١١: ٢-٥)

ونحن كابناء لله يجب أن نقتدى بمسيحنا القدوس ونسير علي أثر خطواته.

٢- قراءة الكتاب المقدس بتواضع قلب..

الكتاب المقدس كتبه أناس الله القديسين مسوقين بالروح القدس، وكلمت تأملنا في كلام الله وحولنا لسلوك وحياة نقتني ونسلك بحكمة، هكذا كانت وصية الله ليشوع أبن نون { لاَ يَبْرَحْ سِفْرُ هذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فَمِكَ، بَلْ تَلْهَجُ فِيهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، لِكَيْ تَتَحَفَّظَ لِلْعَمَلِ حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ. لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تُصْلِحُ طَرِيقَكَ وَحِينَئِذٍ تُفْلِحُ.} (يش ١: ٨).

فالذي يريد الحكمة يلهج في كلام الله { فَمُ الصِّدِّيقِ يَلْهَجُ بِالْحِكْمَةِ، وَلِسَانُهُ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ.  شَرِيعَةُ إِلهِهِ فِي قَلْبِهِ. لاَ تَتَقَلْقَلُ خَطَوَاتُهُ.}(مز ٣٧: ٣٠، ٣١). ولهذا يدعونا الكتاب للسلوك بحكمة{  فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ، مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لاَ تَكُونُوا أَغْبِيَاءَ بَلْ فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الرَّبِّ.}(أف ٥: ١٥-١٧)

٣-  الصلاة الدائمة..

 الصلاة تجعلنا علي أتصال دائم بمصدر الحكمة ومنه ننال الحكمة والمشورة والفهم. هكذا طلب سليمان في صلاة الي الرب الحكمة من الله واعطاها له { فَأَعْطِ عَبْدَكَ قَلْبًا فَهِيمًا لأَحْكُمَ عَلَى شَعْبِكَ وَأُمَيِّزَ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، لأَنَّهُ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى شَعْبِكَ الْعَظِيمِ هذَا؟» فَحَسُنَ الْكَلاَمُ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، لأَنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ هذَا الأَمْرَ.} ( ١مل ٣: ٩، ١٠)

٤- الجلوس مع الحكماء والاصغاء لكلامهم بفهم والطاعة لإرشادهم الروحي والتوبة عن الخطايا والأخطاء ينمى المؤمنين روحياً هكذا كانت التلمذه علي القديسين والحكماء تصير الجهال حكماء في كل جيل.

+ صلاة من أجل اقتناء الحكمة

يا ربنا وإلهنا ومخلصنا الصالح، المذخر لنا فيه كل كنوز الحكمة والعلم، أنت ينبوع الحكمة والفهم، أنر عيون قلوبنا وامنحنا قلبًا حكيمًا يفهم مشيئتك.

علّمنا أن نختار ما يرضيك، وأن نميز بين صوتك وأصوات العالم، وأن نسلك لا حسب أهوائنا بل حسب روحك القدوس. أمنحنا حكمة في الكلام والصمت وتعقّل في القرارات، ومخافة ومحبة ممزوجة بالفهم.

لا تسمح يا رب أن نطلب معرفة بلا حياة، ولا علم بلا اتضاع، أعطنا حكمة تقودنا إلى القداسة والخلاص. لأنك أنت الحكمة الحقيقية، لك المجد مع أبيك الصالح والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين. 

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

٤- أمثال الرب عن الايمان والحياة مع الله

 ٤- أمثال الرب عن الايمان والحياة مع الله

+ أعطى لنا السيد المسيح عدة أمثال عن حياة الإيمان والحياة مع الله والتوبة والعلاقة بالله ومن هذه الأمثال:


 (٢١) مثل الروح النجس

 يوضح فيه أهمية الإيمان بالله والتوبة والثبات في المسيح لكي نخلص وننتصر ولا يتسلط علينا إبليس ويوضح الرب أن رفض الإيمان والسير في طريق الشر يجعل إبليس يقوى علينا. فيتسلط روح الشر علي البعيدين عن الله ( مت ٤٣:١٢-٤٥) في هذا المثل يترك الروح الشرير الإنسان بالمعمودية والتوبة ثم بعد فترة أذ عاد اليه فوجده غير محصن بالنعمة والصلاة والصوم والحياة مع الله يدخل اليه ومعه سبعة أرواح اخرى تجعل حياة أشر. أننا بدون بر المسيح وقوة صليبه والصلاة وكلمة الله والإيمان العامل بالمحبة لن نستطيع أن ننتصر علي إبليس.

(٢٢) مثل شجرة التين غير المثمرة ..

عن أهمية التوبة والثمر ذكر الرب مثل شجرة التين غير المثمرة { كَانَتْ لِوَاحِدٍ شَجَرَةُ تِينٍ مَغْرُوسَةٌ فِي كَرْمِهِ، فَأَتَى يَطْلُبُ فِيهَا ثَمَرًا وَلَمْ يَجِدْ. فَقَالَ لِلْكَرَّامِ: هُوَذَا ثَلاَثُ سِنِينَ آتِي أَطْلُبُ ثَمَرًا فِي هذِهِ التِّينَةِ وَلَمْ أَجِدْ. اِقْطَعْهَا! لِمَاذَا تُبَطِّلُ الأَرْضَ أَيْضًا؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدُ، اتْرُكْهَا هذِهِ السَّنَةَ أَيْضًا، حَتَّى أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلاً. فَإِنْ صَنَعَتْ ثَمَرًا، وَإِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا}(لو ١٣: ٦-٩). الله هو صاحب الكرم، وشجرة التين تمثل حياتنا علي الأرض والثمر هو الإيمان العامل بالمحبة والتوبة المثمرة باعمال الخير. نحن مخلوقين لأعمال صالحة والله يصبر علينا لنأتي بثمر صالح والسنين هى مراحل عمر الإنسان فلا نستهين بطول أناة الله بل علينا أن نتوب ونصنع ثمر لئلا نهلك.

(٢٣) مثل الطريق والباب الضيق والواسع { مت ١٣:٧،١٤} يصور الرب الحياة الروحية المستقيمة بالطريق والباب الضيق لقبول الآلام وحمل الصليب وأنكار الذات والعمل الروحي اما الباب والطريق الواسع الذي يسير فيه الكثيرين فهو طريق عدم الإيمان والسير وراء الشهوات والخطايا المهلكة للنفس.

(٢٤) مثل البنائين..

 ذكر الرب نوعين من البنائين الحكماء والجهال { مت ٢٤:٧-٢٧+ لو ٤٦:٦-٤٩}. فالعقلاء يبنوا حياتهم علي صخرة الإيمان المستقيم في المسيح يسوع اما الجهال فيبنوا علي الرمل بدون اساس متين او صالح بدون حكمة فينهار البناء وتهلك النفس أمام تجارب وضيقات واغراءات الحياة.

٣- أمثال عن العلاقة مع المسيح...

(٢٥) مثل الكرامين { مت ٣٣:٢١-٤١+ مر ١:١٢-٩+ لو ٩: ٢٠-١٦} هنا يشبه السيد المسيح اعداءه بكرامين رفضوا القيام بمسئوليتهم في حفظ الكرم لصاحبه وهو يمثل الله وأساءوا معاملة عبيده الأنبياء الذين ارسلهم واخيرا ارسل لهم ابنه الوحيد ربنا يسوع المسيح فقتلوه حسدا ولذلك فانه يهلكهم ويعطي الكرم لاخرين يعطون ثماره في حينه فعلينا ان نكون كرامين صالحيين في كرم الرب، نعمل بحكمة ونشاط لنأتي بثمر صالح يفرح الله وقديسيه وننال المكافأت والفرح من الله.

(٢٦) مثل الحجر المرفوض..

اشار الرب في هذا المثل الي رافضوا الإيمان به 

{ مت ٤٢:٢١-٤٦+ مر١٠:١٢-١١+ لو ١٧:٢٠-١٩}. فيه يشير الي الكتبة والفريسيين كبنائين رفضوا الإيمان بالرب يسوع كحجر الأساس الذي نبني عليه وأبتعدوا عنه بعيداً بكونه لا يصلح للبناء الذي يقيمونه كبيت لله ولكن هذا الحجر صار راس الزاوية والأساس لبيت الله. نحن مبنيين علي أساس إيماننا المستقيم بالله الآب وخلاص المسيح علي الصليب وعمل روحه فينا كحجر الأساس الذي نبني عليه حياتنا الروحية.

(٢٨،٢٧) مثل الصديق اللحوح وقاضي الظلم 

ذكر الرب هذين  المثلين ليوضح أهمية الصلاة والشركة مع الله. ويعلمنا الصلاة بلجاجة لله الذي يستمع لشعبه الصارخين اليه في صبر ومثابرة فالصلاه واجبه علينا كصلة بالله في كل وقت وهي تأتي الينا بالبركة والنصرة والأستجابة.

(٢٩) مثل المديونين..

في هذا المثل يوضح الرب اهمية المسامحة والغفران { لو ٤١:٧٤٣} ويبين ضرورة الشكر والعرفان بالجميل لله ومسامحة المخطيئن الينا لننال المغفرة من الله فعلي قدر  محبتنا لله ومسامحتنا ومغفرتنا  لأخوتنا يغفر لنا الله خطايانا .

(٣٠) مثل العريس والعروس { مر ١٩:٢-٢٠+ لو ٣٤:٥-٣٥} يصف المثل العلاقة المفرحة التي بين المسيح والنفس المؤمنه به كاتحاد روحي وشركة حب بالله، فلقد اشترانا المسيح بدمه وعلينا ان نخلص في محبته كعريس لنفوسنا ويملك علي قلوبنا ويكون هو سلامنا وفرحنا الدائم.

(٣١) مثل الكرمة والأغصان { يو ١:١٥-١١} يبين فيه السيد المسيح العلاقة الروحية بينه وبين النفس المؤمنة كعلاقة الغصن بالكرمة فمن خلال الأتحاد بالمسيح والتغذية بكلامه وأسراره نأتي بالثمر ويدوم ثمرنا والغصن الذي لا يثبت في المسيح يقطع ولا يثمر ويلقي في النار.

(٣٢) مثل الغني الغبي { لو ١٦:١٢-٢١} يبين السيد المسيح أهمية طلب الملكوت اولاً والغني الروحى بالله وعمل الرحمة مع الغير فالأنانية والطمع ومحبة المال تهلك صاحبها. إن حياتنا كبخار ماء يظهر قليلاً ثم يضمحل هكذا علينا ان نكنز في السماء ولا نتكل علي عدم يقينية الغني بل نتكل علي الله ونثق في محبته ويكون المال والمقتنيات في خدمتنا وخدمة أخوتنا وعمل الخير لمجد الله.

+ اليك يا الهنا الصالح نرفع الصلاة ونسال ونطلب من صلاحك يا محب البشر الصالح ان تنقي قلوبنا وتحل بالإيمان فيها، هبنا بصيرة روحية لبني حياتنا علي صخرة الإيمان المستقيم ونحبك من كل القلب والفكر والنفس ونرسخ في الرجاء الصالح ونثبت ونتحد بك كما الأغصان في الكرمة، ونأتي بثمر صالح يفرح قلبك والناس وكفرح العريس بالعروس تفرح بنا ونحيا معك ونجد نصيباً وميراثاً مع جميع قديسيك، أمين.

القمص افرايم الانبا بيشوى

حكم من الحياة -2

 حكم من الحياة -2



+ لا أحد يستطيع تغيير ماضيه، ولكن كلنا نستطيع صنع مستقبلنا.

+ لا تحكم على الناس بمناظرهم بل أحكم عليهم باقوالهم وسلوكهم.

+ كن ذو قلب وفكر وروح جميل، لترى الجمال من حولك.

+ أعط مَن تحب جناحين ليطير حُر متى أحب وجذوراً لكى يبقى، وهبه أسباب لكى يعود.

+ الظنون السيئة مرض يقتل كل شيئ جميل.

+ الذين لا يقرأون كتاب ليسوا أفضل حال من الذين لا يعرفون القراءة.

+ الكلام كالدواء قليله نافع وكثيره قاتل.

+ القلوب الجميلة قد تتألم و تُصاب بالجروح لكن لا   تكره أبداً.

+ في التجربة والعتمة، ستدرك مَن هم النجوم في حياتك.

+ تعلم أن تضع نفسك في المكان الذي يليق بك.

أعداد القمص أفرايم الأنبا بيشوى

هدية مولود المذود

 هدية مولود المذود

+ القديس جيروم من القديسين المشهورين في الكنيسة ويُعرف بترجمته للكتاب المقدس إلى اللغة اللاتينية " الفولجاتا" عاش في دير بجوار مغارة المهد وتنيح هناك في ٤٢٠م. وترسم أيقونته وأمامه  أسد رابض لانه كان قد شفي أسد وصار يلازمه في ديره وربما لانه كان كأسد في مقاومة الهرطقات وقد كتب الكثير من الكتب وكان رجلًا ذو تأملات روحية عميقة، وقصة اليوم تُعد على الأرجح قصة رمزية أو تقليدية أدبية تهدف إلى إبراز معاني التوبة، والغفران، وقبول نعمة المسيح في ميلاده العجيب.

+ في إحدى ليالي أعياد الميلاد دخل القديس چيروم إلى كنيسة بيت لحم ووقف عند موضع المزود وشرع يتأمل في التجسد الإلهي؛ وفي سر ولادة مخلص العالم. فظهر له بغتة الرب يسوع المسيح محفوفًا بأنوار بهية ونظر إليه نظرته الإلهية الحانية التي تشف عن رحمة ونعمة عجيبة لا يقدر أي لسان بشري أن يصف سموها وحنوها، ثم جرت بينهما هذه المخاطبة المؤثرة:


قال له يسوع : يا چيروم، ماذا تعطيني في ميلادي وأنت واقف أمامي عند المزود؟ 

فقال چيروم: أيها الرب إلهي ها أنذا أعطيك قلبي ياسيدي! 

قال له يسوع: حسنًا چيروم، لكن هب لي شيئًا آخر.

قال چيروم: أقدم إليك جميع صلواتي وسجودي وتوبتي وعواطف قلبي ومشورات حريتي.

قال له يسوع: حسنًا .. حسنًا

قال چيروم: يارب كُلِّي لكَ بجُملتي لأنك تجسدت وصنعت التدبير  لتخلصني. 

أعطيك كل مالي وكل ما أنا عليه؛ أهبك نفسي كلها ياسيد يا حبيب نفسي. 

قال له يسوع:  لكنني أطلب منك شيئًا آخر!

قال چيروم: لم يبق لي شيء ياسيدي وملكي، أتوسل أن تقول لي أي شيء تريد أن أقدم اليك؟

قال له يسوع: يا چيروم أعطني خطاياك وضعفاتك! أعطني عثراتك وزلاتك وسقطاتك. 

قال چيروم: كيف اعطيك هذه النفايات؟! ماذا ستفعل بها؟!

قال  له الرب يسوع: أعطني خطاياك كي اغفرها لك بكليتها. وضعفاتك لأسترها؛ وسقطاتك لأقيمك وأحييك فلا تسود الخطية عليك، ولا تمكث بعد في جحيمك؛ بل تحيا في نعمة الخلاص الذي من أجله أنا ولدتُ في المذود.

قال چيروم: آه ما ألطفك وأجملك يا يسوع الملك المحبوب، فإسمح لي أن أسكب عند  قدميك عبرات دموع التوبة المصحوبة بالحب والرجاء، سأطرح نفسي كلها عند مغارة مذودك، فتعال لتولد في كياني؛ لقد ولدت من أجلي وصار بك لنا الفرح يامخلصنا ومحيي نفوسنا.

فاشتعلت حينذاك عواطف الحب في قلب القديس چيروم بحرارة لا توصف ولم يتمالك أن أفاض الدموع الغزيرة ممجدًا الرب المعبود. المسيح ولد لأجلنا لنؤمن به ونقبله ونفرح بخلاصه لنا ، لقد أتى إلينا لنأتي اليه ونعترف له خطايانا ليغفرها وضعفاتنا ليسترها وسقطاتنا ليقيمنا منها ويريحنا من متاعبنا ويفرح قلوبنا، ونصلي ونسعى نحن لتوبة وخلاص وإيمان الاخرين، أمين.

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

قلوبنا وملكوت الله

 قلوبنا وملكوت الله 

+ قلبنا وإنساننا الداخلي هو العرش المفضل لله الذي يشتهى الله ان يحل فيه { يا ابني اعطنى قلبك ولتلاحظ عيناك طرقي}(ام ٢٣: ٢٦). ولهذا يوصينا الكتاب ان نلاحظ ونحفظ قلوبنا { فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ.} (ام ٤: ٢٣). فإن كان الشر ينبع من داخل الإنسان فكل صلاح وخير ومحبه تنبع من قلبه { اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ. فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ} (لو ٦: ٤٥). ما نغذى به حواسنا وعواطفنا وارواحنا هو الذي نفكر فيه ونعمله. لهذا جاء المسيح لينير خفايا الظلام ويطهر قلوبنا ويقدس الإنسان بتجسده ويجعل قلبنا هيكلاً للروح القدس{ أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟} (١ كو ٣: ١٦). فلندخل الي مخدع قلوبنا ونتكلم مع الله الساكن فينا ونملكه علي قلوبنا وحواسنا وأفكارنا. ونتوب عن الضعفات والخطايا ونقدم له قلبنا كمذبح مكرس للصلاة والشكر والتسبيح ومن محبة الله الساكن في القلب نخرج الصالحات.


+ لنجلس مع إنفسنا ونكشف لله عما بداخلنا ونعترف بضعفنا وخطايانا ان كان بالفعل أو القول أو الفكر ونتوب ونعترف بها ونقلع عنها ونصلح أحوالنا ونصطلح من الغير ونصنع خير ونصلي ليسكن الله في قلوبنا ويطهرها ونتغير بتجديد وتنقية أذهاننا وقلوبنا ليكون لنا فكر المسيح ونكرس قلوبنا وحياتنا لله. ونعمل بكل قلوبنا علي صنع ارادة الله لتفوح منا رائحة المسيح الذكية { شُكْرًا ِللهِ الَّذِي يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِي الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، وَيُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةِ ِللهِ، فِي الَّذِينَ يَخْلُصُونَ وَفِي الَّذِينَ يَهْلِكُونَ. لِهؤُلاَءِ رَائِحَةُ مَوْتٍ لِمَوْتٍ، وَلأُولئِكَ رَائِحَةُ حَيَاةٍ لِحَيَاةٍ.} (٢ كو ٢: ١٤-١٦). نعمل الخير ونحب الله والغير، وحتى عندما تضغطنا الحياة والظروف يظهر ما بداخلنا من خير وصلاح ومحبة. فعندما نعصر الزيتون نستخرج منه الزيت وعندما يعصر الورد يخرج لنا عطر ذو رائحة طيبة. المسيح الهنا الصالح علي الصليب وقت الشدة فاحت محبته لصالبيه وقال يا ابتاه اغفر لهم لانهم لا يعلمون ماذا يفعلون، فان كان المسيح فيك ففي الشدة يجب ان تظهر ثمار الروح منك، وتظهر محبتك وسلامك وصبرك فيكون ملكوت الله داخلك ويري الناس اعمالك الصالحة ويمجدوا الله.

+ تعال أيها الرب الإله واملأ كياني بحضورك البهي فيتبدد الظلام وتهرب كل أفكار الشر، ويحل سلامك داخلي. ليكن قلبي مسكنا لك ترتفع منه الصلوات النقية والأفكار النورانية ويحل ملكوتك داخلي ليتبارك اسمك القدوس ويتمجد كل حين، أمين.

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

أمثال السيد المسيح وأهدافها

 أمثال السيد المسيح وأهدافها

+ تُصنف أمثال السيد المسيح حسب اهدافها الي عدة اقسام ونعرض لها بايجاز ثم نتناول أهم الأمثال ونفسرها كل علي حده لدراستها والتأمل في معانيها


١- أمثال عن رسالته وانتشار البشارة بالملكوت كما في 

(١) مثل الزارع والبذار التي تشير الي كلمة الله التي يختلف تأثيرها علي القلوب والناس كما تقع البذور علي انواع من التربة ( مت ٣:١٣-٩، مر١:٤-٩، لو ٤:٨-١٥) قد تأتي البذار علي الطريق او علي تربة حجرية وأخرى بها اشواك وهناك بذار تلقي علي تربة جيدة ويتولاها الزارع بالاهتمام فتاتي بثمر حسب نوع التربة. هكذا كلمة الله قد تقع علي قلوب متكبرة أو تداس من الناس، أو قلوب قاسية، وهناك من تخنق هموم وغني العالم كلمة الله في قلوبهم وأخرون يهتموا بكلمة الله وتأتي علي قلب صالح وبالصبر يثمرون

(٣،٢) عن طبيعة رسالته الخلاصية ضرب مثل الثوب والزقاق العتيق ( مت ١٦،١٧:٩+ مر٢١،٢٢:٢+ لو ٣٦:٥-٣٨). فقد جاء المسيح برسالة جديدة تستلزم مفهوماً جديداً وقلباً وروحاً جديدا وليس الي ترقيع وهذا ما نحتاجه في حياتنا بالتوبة والإيمان لنصير خليقة جديدة في المسيح يسوع. 

(٤) عن نمو البشارة بالملكوت ضرب مثل البذار التي تنمو بشكل تدريجي في العالم( مر ٢٦:٤-٢٩). 

(٥) ومثل حبة الخردل ( مت ٣١:١٣-٣٢+ مر ٣٠:٤-٣٢+ لو ١٨:١٣-١٩). وهو يمثل الأنتشار السريع للملكوت.   

 (٦) وعن ما يمكن ان تفعله رسالته فينا أعطى الرب مثل الخميرة التي تشير الي ان كلام الله ونموه سرا كما يشير الخمير ايضا الي التعاليم الخاطئة والشر وأنتشار وتأثيره السريع( مت ٣٣:١٣+ لو ٢٠:١٣-٢١). 

(٧) في مثل الزرع الجيد والزوان يشير الي عمل الله وانتشار دعوته ومحاولة إبليس أن يزيف كلام البشارة بالباطل وكيف نجد أن الخير والشر ينموان معاً كما يوجد الصالحين والاشرار إلي ان تفصل الدينونة بينهما.

٢- امثال السيد المسيح عن التوبة والخلاص.

اعطي السيد المسيح ثلاثة أمثال عن الخروف الضال والدرهم المفقود والأبن الضال ( لو ١٥) ليبين سعي الله الي خلاص النفوس ورد الضالين، واوضح انه جاء ليطلب ويخلص من قد هلك وان الله يهتم بكل نفس وانه يفرح برجوع الخطاة وخلاصهم. 

(١١) مثل الفريسي والعشار وفيه وبخ السيد الرب الفريسيين المتكلين علي برهم الذاتي وبين كيف ان تواضع العشار جعله يرجع الي بيته مبرراً .

(١٢) في مثل الأبنين اللذين طلب منهم ابوهم ان يذهبا للعمل في حقله، الابن الاول يمثل الخطاة الذين لم يتجاوبوا مع دعوة الله ولكنهم تابوا وآمنوا وعملوا ارادة الله والثاني يمثل رؤساء الكهنة والشيوخ او من يسمع دعوة الله ولا يؤمن او يعمل بها أو يطيعها ومن ثم يهلكوا.

(١٤،١٣) في مثل الكنز المخفي واللؤلؤة كثيرة الثمن يمثل قيمه الملكوت وقيمه المؤمنين الذين أشتراهم المسيح بدمه. فالانسان الذي باع كل ما له ليشترى الحقل بالكنز الموجود فيه والتاجر الذي اشترى اللؤلؤة كثيرة الثمن يمثل الرب يسوع الذي بذل ذاته ليخلصنا. كما يمثل قيمة المسيح والملكوت للنفس المؤمنة بالمسيح. 

(١٥) مثل عُرس ابن الملك ( مت ١:٢٢-١٤) يتحدث عن الرافضين دعوة الملك وخلاصه مما ادى الي تحوله الي الأمم الداخلين الي العرس.

 (١٦) مثل العشاء العظيم يشير الي من وصلتهم الدعوة ورفضوها من كتبه وفريسيين وقادة دينيين أما الجدع والعرج والعمى والذين في الشوارع يمثلوا الخطاة والعشاريين والأمم الذين يلبوا الدعوة الإلهية ويتوبوا ويؤمنوا.

(١٨،١٧) مثل الباب الضيق والتينة العقيمة يشيران الي خلاص الله لمن يحمل الصليب والدينونة لمن لا يقبلوا نعمته وخلاصه ويثمروا.

(٢٠،١٩) مثل باب الخراف والراعي الصالح  { يو ١:١٠- ٣٠} يشيران الي ان الرب يسوع المسيح هو الطريق المودى للسماء والدخول للكنيسة والملكوت والمسيح هو الراعي الصالح الذي بذل ذاته عن خرافه وهو الذي يجمعنا لنكون رعية واحدة لراعي واحد.

+ نشكرك يا الله صانع الخيرات الرحوم، لانك تسعي الي خلاصنا وتعلن لنا محبتك ورحمتك وأحساناتك المتجددة كل صباح، نصلي لتغرس فينا كلمتك الإلهية في قلب صالح يثمر بالصبر ويستجيب لدعوتك ويعمل في كرمك ونثمر وتقودنا برعايتك الأمينة وروحك القدوس لنكون رعية واحدة لراع واحد، أمين.

القمص أفرايم الانبا بيشوى

حكم من الحياة

 حكم من الحياة 


+ مَن يريد العسل عليه أن يتحمل لسعات النحل.

+ العشره لدى الأصيل عهد غير مكتوب، إن إختلف لا يجرح وان أبتعد لا يفضح.

+ الرجل الذي يريد المرأة ملاك عليه أن يكون لها جنة.

+ إياك ان تمدح الوجوه قبل ان تعاشر القلوب لأن  الغلاف الخارجى لا يشبه المضمون.

+ الذين وُلِدوا في العواصف لا يخافوا من هبوب الرياح.

+ إن لم تستطع النطق بما هو جميل فصمتك أجمل.

+ الحياة رحلة جميلة، ينبغي ألا نهدرها في الحقد والخلافات.

+ لا تناقش متعصب ولا عاشق فالأول يحمل عقل مغلق والثاني يحمل قلب أعمي.

+ اقترب من البسطاء لأنهم يشعرونك بمعنى السعادة.

+ الناس نوعان، نوع يراك طيب فيحبك، ونوع يراك طيب فيأكلك.

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

النفس البشرية والعلاقات - ٦٢

النفس البشرية والعلاقات - ٦٢
 النفس البشرية، جوهر الإنسان الداخلي، وموضع الفكر والعاطفة والإرادة. والإنسان مدعو للدخول في علاقة وشركة حب مع الله ومع الآخرين فلقد خُلق الله الإنسان على صورته ومثاله ليكون في محبة مع الله ومع غيره. ويتعاون مع غيره من أجل بناء مجتمع سليم يقوم كل مواطن فيه بدوره. علينا أن نعرف النفس وميولها ودوافعها واهدافنا لكي ننمو وننجح . 
اولاً: النفس البشرية في الكتاب وفكر الآباء

 + النفس والعلاقات.. 
الإنسان كائن اجتماعي بطبعه يميل لاقامة علاقات مع الله والغير ليحيا إنسانيته ويكون له رسالة تتكامل مع الأخرين ويكون محباً ومحبوباً فاننا مدعوين لحياة الشركة: { وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ».} (تك ٢: ١٨). فالعلاقة مع الغير تسند وتقوى وتعين { اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ، لأَنَّ لَهُمَا أُجْرَةً لِتَعَبِهِمَا صَالِحَةً. لأَنَّهُ إِنْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا يُقِيمُهُ رَفِيقُهُ. وَوَيْلٌ لِمَنْ هُوَ وَحْدَهُ إِنْ وَقَعَ، إِذْ لَيْسَ ثَانٍ لِيُقِيمَهُ.} (جا ٤: ٩، ١٠). 
المحبة تعطى قيمة للحياة وهي غاية الناموس والوصايا: { تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ… وَتُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (مت 22: 37–39). وان كان السقوط قد ادخل الإنسان في الصراع مع نفسه والغير فان العلاقات الإنسانية تحتاج للشفاء بالنعمة والمحبة.
 ولقد اوصانا السيد المسيح بالمحبة { وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ». }(يو ١٣: ٣٤، ٣٥). ووضع لنا السيد المسيح مقياس عميق للمحبة { لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ. أَنْتُمْ أَحِبَّائِي إِنْ فَعَلْتُمْ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ. }(يو ١٥: ١٣، ١٤) 
+ النفس والعلاقات في فكر الآباء 
• القديس أغسطينوس: "خلقتنا لك يا رب، وقلوبنا لن تجد راحتها إلا فيك". إن اتحاد النفس بالله هو الأساس لسلامها ونمو ونجاح علاقاتها.
 • القديس باسيليوس الكبير: اعتبر أن الصداقة الروحية عطية إلهية تنمّي النفس وتثبّت المؤمن في المحبة (رسالة عن الصداقة). 
• القديس يوحنا الذهبي الفم: يرى أن الشركة الإفخارستية يجب أن تمتد إلى شركة المحبة بين المؤمنين، وإلا تصير العبادة ناقصة (العظة على متى 50:3).
 • القديس أنطونيوس الكبير: شدد على أن معرفة النفس شرط لمعرفة الله والآخرين ويقول "من يعرف ذاته يعرف الله". ثانياً: منظور علم النفس المسيحي 
• يرى فيكتور فرانكل وهو من رواد العلاج بالمعنى أن الإنسان لا يشفى إلا حين يجد معنىً لحياته، والمعنى الأعمق يتجلى في الانفتاح على الله والآخرين. 
• اما بول فيتس يؤكد أن علم النفس الإنساني لا يكتمل إلا إذا تأسس على البعد الروحي المسيحي الذي يحرر الإنسان من المركزية الذاتية. 
• ويشير علم النفس الإيجابي المسيحي إلى أن الغفران، والمحبة غير المشروطة، والعطاء، هي ممارسات روحية ونفسية تشفي العلاقات وتبني الصحة النفسية. 
ثالثاً: كيف ننمّي النفس والعلاقات الإنسانية؟ 
1. على المستوى الروحي 
• المواظبة على الصلاة والكتاب المقدس (مز 119: 105). 
• ممارسة الأسرار، خاصة التوبة والإفخارستيا، لتقديس العلاقات. 
• نعيش علي مستوى الوصية لاسيما التسامح والغفران: "اغْفِرُوا يَغْفِرْ لَكُمْ" (لو 6: 37). 
2. على المستوى النفسي 
• تنمية الوعي بالذات (self-awareness) وفق منظور آبائي: "افحص نفسك كل يوم" (القديس يوحنا كاسيان، المؤسسات).
• تدريب النفس على الإصغاء والحوار البنّاء. 
• ضبط الانفعالات بروح الوداعة (غلا 5: 23). 
3. على المستوى الاجتماعي 
• تكوين صداقات روحية قائمة على الإيمان والمحبة. 
• خدمة الآخرين كطريق للنضوج النفسي والروحي 
• تعزيز ثقافة الحوار وقبول الأخر والتعاون بدل الانقسام والخصام. 
 + النفس البشرية بطبيعتها اجتماعية، والإنسان مخلوق للمحبة والشركة. 
وفي الكتاب المقدس نجد أساس هذا البعد، وفي فكر الآباء نلمس دعوة مستمرة إلى تنقية النفس من الأنانية لبناء علاقات محبة. أما علم النفس المسيحي فيوضح أن الصحة النفسية لا تنفصل عن الصحة الروحية وعلينا ان نسعى لعلاقة روحية قوية وسليمة مع الله تنمي النفس وتثبتها في المسيح لتنمو وتثمر. الله محبة، ومنه وبالثقة والأتكال عليه نستمد القدرة على عيش علاقات سليمة ونامية مع الجميع. 
+ أننا نصلي ليعطينا الله حكمة ونعمة لنحيا في توبة دائمة ومثمرة تنقي وتنمي علاقتنا به فنعرفه ونثبت فيه ونحبه من كل القلب ومن محبته نقدر من حولنا ونتعاون معهم من أجل الخير والسلام ولخلاص أنفسنا ومن نتعامل معهم، أمين.
 القمص أفرايم الأنبا بيشوى
 المراجع 
• الكتاب المقدس 
• أغسطينوس: الاعترافات. 
• باسيليوس الكبير: رسالة عن الصداقة. 
• يوحنا الذهبي الفم: العظات على إنجيل متى. 
• أنطونيوس الكبير: أقوال آباء البرية. 
• يوحنا كاسيان: المؤسسات. 
• Viktor Frankl, Man’s Search for Meaning. •
 Paul Vitz, Psychology as Religion: The Cult of Self-Worship. •
 Robert Enright, Forgiveness Therapy.

الأنانية وخطورتها وعلاجها -٦١

 الأنانية وخطورتها وعلاجها -٦١

أولاً: تعريف الأنانية

الأنانية هي نزعة داخلية تجعل الإنسان يركز على ذاته ومصالحه الخاصة دون اعتبار لمصلحة الآخرين أو مصلحة الجماعة. وهي انحراف بمحبة الذات (2 تي 3: 2) وذكرها الرسول بولس ضمن علامات الأزمنة الأخيرة.

ثانياً: الأنانية في الكتاب المقدس

الكتاب المقدس يحذّر بوضوح من الأنانية:


* يقول الرسول بولس: «لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه، بل كل واحد إلى ما هو لآخرين أيضًا» (في 2: 4).

* مثال واضح للأنانية هو الغني الغبي الذي قال: «أهدم مخازني وأبني أعظم وأجمع هناك جميع غلاتي وخيراتي» (لو 12: 18)، فهلك لأنه عاش لنفسه فقط.

* على النقيض، المسيح نفسه قدّم أروع مثال في بذل الذات: «لأن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين» (مر 10: 45).

ثالثاً: أقوال الآباء عن الأنانية

* القديس يوحنا ذهبي الفم: «لا يوجد شيء يدمّر المحبة بقدر الأنانية، فهي أصل كل نزاع وانقسام».

* القديس أغسطينوس يوضح أن الخطية في جوهرها هي محبة الإنسان لنفسه إلى أهانة وتحدى الله.

* القديس باسيليوس الكبير: «كما أن العضو الذي ينفصل عن الجسد يهلك، هكذا الإنسان الأناني الذي يعزل نفسه عن الآخرين يفقد الحياة الحقيقية».

رابعاً: خطورة الأنانية في ضوء علم النفس

* يربط علم النفس الأنانية باضطرابات الشخصية النرجسية، حيث يفتقد الشخص القدرة على التعاطف، مما يسبب عزلة وعلاقات هشة.

* الدراسات النفسية تبيّن أن الأناني أكثر عرضة للاكتئاب والقلق نتيجة انغلاقه على ذاته وعدم تمتعه بدعم اجتماعي حقيقي (Kernberg, 1975).

* كارل يونغ يرى أن الأنانية المفرطة تمنع النمو النفسي والروحي، لأنها تعيق الانفتاح على "الآخر" وتكبل الفرد في دائرة الأنا.

خامساً: الأنانية من منظور علم الاجتماع

* الأنانية تهدّد تماسك المجتمع لأنها تضعف التضامن الاجتماعي (دوركهايم).

* المجتمعات التي يغلب فيها الطابع الفردي والأناني تزداد فيها معدلات الجريمة والتفكك الأسري.

* علماء الاجتماع يشددون على أن الإيثار (altruism) هو أساس بقاء الجماعات واستمرار الحضارات.

سادساً: العلاج المسيحي للأنانية – بذل الذات

* الاتحاد بالمسيح المصلوب: فالسيد المسيح قدّم نفسه بلا مقابل، وبذل ذاته حتى الموت. هذا هو المثال الأعلى.

* محبة الآخرين عملياً: بالصلاة من أجلهم، ومشاركتهم في احتياجاتهم (أع 20: 35: {مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ}(اع ٣٥:٢٠)

* التدريب الروحي: 

* ممارسة الصوم الذي يكسر إرادة الذات.

* العطاء والصدقة كدواء عملي ضد الأنانية.

* الخدمة في الكنيسة والمجتمع كتعبير عن بذل الذات.

* التربية على المشاركة في الأسرة منذ الطفولة، لتنشئة أجيال بعيدة عن الفردية.

+ الأنانية ليست مجرد ضعف إنساني، بل مرض روحي ونفسي واجتماعي يدمّر الفرد والجماعة. لكن المسيحية تقدّم العلاج عبر بذل الذات على مثال المسيح، لتتحول الحياة من دائرة الأنا الضيقة إلى دائرة المحبة الأوسع، حيث يجد الإنسان فرحه الحقيقي في العطاء لا في الأخذ.

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

مراجع 

* الكتاب المقدس 

* أغسطينوس، مدينة الله.

* يوحنا ذهبي الفم، العظة على فيلبي.

* باسيليوس الكبير، عن المحبة والإحسان.

* Kernberg, O. (1975). Borderline Conditions and Pathological Narcissism.

* Durkheim, E. (1897). Suicide: A Study in Sociology.

* Fromm, E. (1956). The Art of Loving.

الثلاثاء، 13 يناير 2026

الإدانة وخطورتها الروحية - ٦٠

 الإدانة وخطورتها الروحية - ٦٠


تُعدّ الإدانة من الممارسات الخطرة التي يقع فيها الإنسان ضد أخيه، إذ تتناقض مع روح المحبة والرحمة التي يدعو إليها الإنجيل، وتعيق النمو الروحي والشركة مع الله. فالإدانة ليست مجرد نقد سطحي أو تقييم للأفعال، بل هي موقف داخلي متكبّر يضع الإنسان في موضع القاضي للآخرين. لذلك أهتم الكتاب المقدس وآباء الكنيسة وعلماء النفس بمعالجة هذه الظاهرة لما لها من آثار مدمّرة على الفرد والمجتمع.

أولاً: الإدانة في الكتاب المقدس

+ علمنا السيد المسيح ان لا ندين وقال { لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم}(مت 7: 1-2). بهذا يضع المسيح الإدانة في موضع الخطيئة التي ترتدّ على صاحبها، مؤكداً أن الحكم على الآخرين هو اختصاص الله وحده، ولهذا قال الكتاب { لاَ يَزْدَرِ مَنْ يَأْكُلُ بِمَنْ لاَ يَأْكُلُ، وَلاَ يَدِنْ مَنْ لاَ يَأْكُلُ مَنْ يَأْكُلُ، لأَنَّ اللهَ قَبِلَهُ. مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟ هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ. وَلكِنَّهُ سَيُثَبَّتُ، لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُثَبِّتَهُ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَلِمَاذَا تَدِينُ أَخَاكَ؟ أَوْ أَنْتَ أَيْضًا، لِمَاذَا تَزْدَرِي بِأَخِيكَ؟ لأَنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ،  فَإِذًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُعْطِي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا ِللهِ. }(رو ١٤: ٣، ٤، ١٠، ١٢).

فبالادانة ينصب الأنسان نفسه قاضيا ودياناً علي الغير عوضاً عن الله الحاكم العادل ويغتصب الحكم من الله لهذا يقول الكتاب {لِذلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ، كُلُّ مَنْ يَدِينُ. لأَنَّكَ فِي مَا تَدِينُ غَيْرَكَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ. لأَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ تَفْعَلُ تِلْكَ الأُمُورَ بِعَيْنِهَا!  وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ دَيْنُونَةَ اللهِ هِيَ حَسَبُ الْحَقِّ عَلَى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ.  أَفَتَظُنُّ هذَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تَدِينُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ، وَأَنْتَ تَفْعَلُهَا، أَنَّكَ تَنْجُو مِنْ دَيْنُونَةِ اللهِ؟  أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟  وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ. }(رو ٢: ١-٦). إن الإدانة تُضعف المحبة وتزرع الانقسام داخل الجماعة. 

ثانياً: الادانة في فكر وحياة القديسين

* يحذر القديس الأنبا أنطونيوس من الأدانه ويقول " من يراقب خطايا الآخرين ولا ينتبه إلي ضعفه، يشبه من يترك جثة ميت في بيته ويذهب ليبكى ميت غيره".

* ويروى عن القديس مقاريوس الكبير انه عندما كان يقال له عن خطايا الإخوة فكان يردّ" أنا نفسي أخطئ كل يوم فكيف ادين غيرى؟"

* القديس يوحنا ذهبي الفم يقول: "الإدانة هي خطية مزدوجة، لأنك تضع نفسك موضع الله، وتجرح أخاك بكلامك."

* اقيم مجمع للحكم علي أحد الأخوة في زمن القوى الأنبا موسى وارسلوا في طلبه للحضور ولما علم بالموضوع حمل كيس من الخيش مملؤ بالرمل ومثقوب من أسفله وعندما أتي إلي المجمع وسألوه لماذا فعل هكذا قال لهم هذه خطاياي تنسكب من خلفي وها أنا احضر لأدين أخي، فسامحوا الأخ المذنب فتاب عن خطيته.

* في بستان الرهبان، قيل عن أحد الآباء أنه رأى أخًا يسقط في خطية، فبكى وقال: "اليوم سقط هو، وغداً أسقط أنا." هذه الخبرات تكشف أن القداسة لا تُبنى على مراقبة عثرات الآخرين بل على التواضع والرحمة.

ثالثاً: الإدانة في علم النفس

* يربط علماء النفس بين الإدانة والشعور بالنقص؛ فالذي يدين غيره غالبًا ما يُسقط ضعفاته على الآخرين .

* الإدانة المستمرة تؤدي إلى القلق، العصابية، واضطراب العلاقات الاجتماعية، لأنها تنشئ بيئة نقدية سلبية تقلل من الثقة بالنفس والآخرين.

* يشير "كارل يونغ" إلى أن ما ندينه في الآخرين غالبًا ما يعكس ما نخاف مواجهته في ذواتنا.

رابعاً: الإدانة في المجتمع

* الإدانة تولّد التمييز والظلم الاجتماعي، لأنها تزرع الانقسام بين الناس.

* المجتمعات التي يسود فيها النقد الجارح تفقد روح التعاون والتسامح، ويشيع فيها الإقصاء والتعصّب.

* بينما المجتمعات التي تتبنى مبدأ قبول الآخر تنمو في الاستقرار والإبداع.

خامساً: علاج الإدانة والتخلّص منها

+ التوبة اليومية وفحص الذات أمام الله والأعتراف بضعفنا امام الله والتماس الأعذار للأخرين{ فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ.} (أع ٣: ١٩)

+ الصلاة من أجل الآخرين بدلاً من إدانتهم { لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ. وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ هكَذَا.} (لو ٦: ٢٧، ٢٨، ٣١)

 + ممارسة المحبة العملية التي تستر الخطايا وتشجع صغار النفوس { وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا. (١ بط ٤: ٨).

+ تدريب عملي أوصى به القديس باسيليوس: "اصمت عن خطايا الآخرين، تكلم عن فضائلهم، وانشغل بخطاياك."

+ التواضع كسلاح مضاد للإدانة، لأن من يعرف ضعفه لا يجرؤ أن يدين الآخرين.

+ اما نفسياً واجتماعياً علينا أن ندرك أن الإدانة تسقط من داخلنا ما نخشى مواجهته.

+ طور في نفسك مهارات التفكير الإيجابي وقبول الاختلافات.

 + تربية الضمير الجمعي على ثقافة الاحترام والتقدير بدل النقد المستمر.

إن الإدانة هي خطية مدمّرة تحطم النفس والعلاقات، وتعيق الشركة مع الله. لهذا دعانا السيد المسيح إلى المحبة بدلاً من الإدانة، وسار الآباء القديسون على نفس النهج بالتواضع والرحمة. كما يكشف علم النفس والاجتماع عن أضرار الأدانة النفسية والاجتماعية البالغة. والعلاج يكمن في التوبة، التواضع، محبة الآخرين، واستبدال لغة النقد بلغة المحبة والبنيان والتشجيع.

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

المراجع 

* الكتاب المقدس 

* القديس يوحنا ذهبي الفم، العظات على إنجيل متى.

* بستان الرهبان، أقوال وسير الآباء.

* القديس أنطونيوس الكبير، رسائل روحية.

* Thomas Merton, No Man is an Island, Harcourt, 1955

* Rollo May, Love and Will, 1969.

* د. ماهر صموئيل، الإدمان والنفس البشرية.

* يوسف حبيب، القديس مقاريوس الكبير وسير الرهبان الأوائل.

الاثنين، 12 يناير 2026

الإلحاد وموجهته - ٥٩

 الإلحاد وموجهته - ٥٩

يشهد العالم المعاصر تيارات الإلحاد واللادينية، خاصة في أوساط الشباب المتأثر بالفكر العلمي والمادي والنزعات الفردية الحديثة. ولم يعد الإلحاد مجرد إنكار لوجود الله، بل أصبح منهج فكري يسعى إلى تفسير الوجود دون حاجة إلى الإيمان، متكئًا على العلم التجريبي والنسبية الأخلاقية. والمسيحية منذ نشأتها لم تهرب من مواجهة الشك، بل قدمت ردودًا عقلية وروحية عميقة تؤكد أن الإيمان لا يناقض العقل، بل يسمو به إلى الحقيقة الكاملة في الله.

أولًا: جذور الإلحاد المعاصر

الإلحاد الحديث ليس وليد اليوم، بل هو ثمرة لتطور فلسفي طويل بدأ مع عصر التنوير في اوربا، حيث نادى الفلاسفة بالعقل كمصدر وحيد للمعرفة، واستبعاد الله من دائرة الفكر العلمي. ثم اذداد في القرن التاسع عشر مع لودفيغ فويرباخ الذي اعتبر الله إسقاطًا لرغبات الإنسان وكارل ماركس الذي رأى أن الدين “أفيون الشعوب”. ثم فريدريك نيتشه الذي أعلن “موت الإله”. وسيغموند فرويد الذي فسّر الإيمان بأنه إسقاط نفسي لحاجة الإنسان إلى الأب. أما اليوم، فالإلحاد يرتدي ثوب “العلم” و”الحرية الشخصية” و”حقوق الإنسان”، لكنه غالبًا ما يُقصي البعد الروحي ويختزل الإنسان في بعده المادي فقط.

ثانيًا: الكتاب المقدس والآباء ومواجهة الإلحاد

+ الكتاب المقدس لا يناقش وجود الله كموضوع جدلي، بل يعلنه كحقيقة أزلية لكن الجاهل يقول { قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: لَيْسَ إِلَهٌ} (مز١:١٤). وفي العهد الجديد، يعلن القديس بولس أن الخلق يشهد لوجود الله: { لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرَى مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ} (رو 1: 20). والكتاب المقدس لا يدعونا إلى إيمان أعمى، بل إلى إيمان عقلي مستنير بالوحي، حيث يعمل العقل والإيمان معًا لا ضد بعضهما.

+ الآباء القديسون أكدوا دومًا أن العقل عطية إلهية تُستخدم لفهم الإيمان. فيقول القديس أثناسيوس الرسولي في كتابه تجسد الكلمة: "الله لم يترك نفسه بلا شاهد، بل أودع في الإنسان عقلًا ليميز به وجود الخالق في الخليقة.". وأما القديس أوغسطينوس فيقول: "آمن لكي تفهم، وافهم لكي تؤمن أكثر."  ويقول القديس غريغوريوس النزينزي: "العقل هو النور الذي يقودنا إلى معرفة الله، ولكن الإيمان هو الذي يجعلنا نحيا فيه." من هنا، فالإيمان المسيحي ليس انفعالًا عاطفيًا، بل هو التقاء بين نور العقل ونور النعمة.

ثالثا: البعد النفسي للإلحاد في علم النفس..

علم النفس المسيحي يرى أن كثيرًا من صور الإلحاد تنبع من جراح نفسية أكثر منها مناقشات عقلية وحتى الإحباطات الروحية من صورة قاسية أو خاطئة عن الله.

والتجارب المؤلمة تجعل البعض يرفض وجود إله يسمح بالألم. والبعض تحت سيطرة نزعة استقلالية يرفض السلطة والقيود الأخلاقية. ويرى فيكتور فرانكل مؤسس العلاج بالمعنى أن فقدان الإيمان يؤدي إلى “الفراغ الوجودي” الذي يولد القلق والاكتئاب. فالإيمان بالله لا يملأ الفراغ الفكري فقط، بل يشفي جراح النفس بإعطائها معنى للألم والوجود.

رابعاً: الرد الفلسفي والعقلي على الإلحاد

الفلسفة المسيحية تقدم حججًا عقلية قوية ضد الإلحاد، منها:

* البرهان الكوني: كل موجود له علة، والعلة الأولى هي الله.

* البرهان الغائي: النظام الدقيق في الكون يدل على وجود عقل عظيم منظم وراءه.

* البرهان الأخلاقي: وجود ضمير أخلاقي كوني يشير إلى مصدر مطلق للخير.

* البرهان الوجودي: توق الإنسان إلى الكمال والخلود يدل على أن هناك من يغرس فيه هذا الشوق الإلهي.

كما قال سي. إس. لويس: "لو لم يكن في الكون إله، لما وُجد فيّ هذا العطش إلى ما لا يُشبع في العالم."

خامساً: مواجهة الإلحاد في عالم اليوم

1. بالإيمان الحي

الإيمان ليس مجرد أفكار، بل علاقة شخصية مع الله في المسيح يسوع ربنا الذي قال: {طوبى للذين آمنوا ولم يروا} (يو 20: 29). والإيمان الحقيقي يُختبر بالصلاة والمحبة وخدمة الآخرين.

2. بالعقل المستنير

ينبغي للمؤمنين أن يعرفوا كيف يجاوبوا عن سبب الرجاء الذي فيهم { بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ.} (١ بط ٣: ١٥). نحتاج إلى تنمية دراسة اللاهوت الدفاعي في التعليم الكنسي والشبابي وحتى في العظات التى يقدمها الخدام للشعب.

3. بالقدوة والشهادة

القديس يوستينوس الشهيد غيّر ورد كثير من فلاسفة عصره للإيمان المسيحي بشهادة حياته لا بالحجج فقط. اليوم أيضًا، الحياة المسيحية الأصيلة هي أقوى رد على الإلحاد.

+ الإيمان قوة شفاء وعلاج في زمن الشك والفراغ، يقدم الإيمان بالمسيح شفاءً شامل للعقل ويهب المعنى والقيمة والفهم والحكمة للنفس ويحرر من القلق والعبثية ويعطى الأمان والسلام للروح حيث يربط الإنسان بالله مصدر الوجود. الإيمان لا يُلغي السؤال، بل يمنحه اجابات شافية ويهب الحياة سلام وراحه وفرح ابدي.

+ الإلحاد المعاصر هو تحدٍّى وفرصة في آن واحد. إنه يدعونا إلى تجديد شهادتنا عن الإيمان الحي والعقل المتزن، وإلى تقديم المسيحية لا كفكر نظري بل كخبرة حب وحرية ومعنى. الإيمان بالمسيح لا يقف ضد العقل، بل يرفعه ليبلغ الخلاص والسلام والنور الكامل الذي نستمده من الله، أمين.

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

المراجع المقترحة

* الكتاب المقدس 

* القديس أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة.

* القديس أوغسطينوس، الاعترافات ومدينة الله.

* القديس يوستينوس الشهيد، الدفاع الأول عن المسيحية.

* الأنبا اغريغوريوس. اللإهوت الدفاعى في الفكر المسيحي

* سي. إس. لويس، مجرد مسيحية (Mere Christianity).

* فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى.

* توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية (Summa Theologica).

الشعور بالذنب وعلاجه - ٥٨

 الشعور بالذنب وعلاجه - ٥٨

+ الشعور بالذنب من الخبرات الإنسانية التي تؤثر على حياتنا روحياً ونفسياً واجتماعياً، فالإنسان بصفته كائن أخلاقي وروحي، يحمل ضمير حي يوجّهه نحو الخير ويحذّره من الشر. غير أن الضمير قد يتحول أحياناً إلى سيف جارح إذا استُغل بصورة خاطئة، بالانغلاق على الذات أو الاستسلام لليأس. ومن هنا تأتي أهمية دراسة الشعور بالذنب في ضوء الفكر المسيحي الآبائي والكتاب المقدس، مع الاستفادة من إسهامات علم النفس الحديث، للوصول إلى علاج متكامل يحرر الإنسان من الشعور المَرَضي بالذنب ويقوده إلى التوبة والحرية في المسيح.


اولاً: مفهموم الشعور بالذنب 

+ يظهر الشعور بالذنب في الكتاب المقدس منذ سقوط آدم وحواء: { فعرفت أعينهما أنهما عريانان، فاختبآ من وجه الرب الإله} (تك 3: 7-8). فالذنب هنا مرتبط بالخطيئة وبالانفصال عن الله. وقايين عندما قام علي اخيه وقتله وواجهه الله فقال:  { ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ. إِنَّكَ قَدْ طَرَدْتَنِي الْيَوْمَ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي وَأَكُونُ تَائِهًا وَهَارِبًا فِي الأَرْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي. }(تك ٤: ١٣، ١٤). ونحن نصلى ونطلب في الصلاة التي علمنا الرب يسوع المسيح ونقول: { وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. }(مت ٦: ١٢). لنقدم المغفرة لمن يذنب الينا ونتقبل الغفران لذنوبنا من الله. ويعطة الله الغفران للتائبين بل ويدعونا: { هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ الرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَالدُّودِيِّ تَصِيرُ كَالصُّوفِ.} (إش ١: ١٨). ونصلي مع داود المرنم ونقول : { قللباً نقياً اخلق فيَّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدّد في داخلي. }(مز 51: 10). ويعلمنا آباء الكنيسة أن المسيح يحررنا من ثقل الشعور بالذنب فيقول القديس أثناسيوس الرسولي أن المسيح بتجسده وفدائه حرّر الإنسان من ثقل الذنب وأعاد إليه صورة البنوة. أما القديس يوحنا الذهبي الفم يشدد أن الخطر ليس في الخطيئة بل في اليأس: { الخطيئة جرح، أما اليأس فهو الموت.}

+  المفهوم النفسي للشعور بالذنب 

يقول سيجموند فرويد أن الشعور الذنب ينتج عن الصراع بين الرغبات واللذة وبين "الأنا" التي تتعامل مع الواقع وتحاول التكيف معه حسب البيئة والظروف  ومع "الأنا الأعلى" المتمثلة في المثل العليا والأخلاق هذا الصراع غالباً ما يكون مكبوت ويأتي التوبيخ المرضى للنفس عن تجاوزاتها والخجل بالشعور بالذنب ويؤدي إلى العصاب والمرض بدلا من السعى للتغير واصلاح الذات. أما يونغ فيقول أن الشعور بالذنب مرتبط بالانفصال عن الذات الحقيقية وعن البُعد ما هو روحي. ويميز علم النفس المعاصر  بين الشعور بالذنب البنّاء الذي يحفز على التغيير والشعور بالذنب المرضي الذي يولّد القلق والاكتئاب.

ثانياً: خطورة الشعور بالذنب

+ على المستوى الروحي فان الشعور بالذنب المَرَضي يعيق التوبة ويجعل الإنسان يائساً من الغفران (رؤ 12: 10). فيطفئ فرحه الخلاص والتوبة والقبول من الله كآب صالح والله رحيم ويغلق القلب أمام عمل الروح القدس (مز 51: 12). ويحوّل التركيز من محبة الله إلى الحزن علي الذات الجريحة مما يجلب القلق واليأس 

+ اما على المستوى النفسي فالشعور بالذنب يؤدي إلى اضطرابات القلق والاكتئاب (Beck, 1976). ويخلق شعوراً بعدم الاستحقاق وجلد الذات. ويعيق العلاقات الاجتماعية السليمة ويولّد عزلة أو عدوانية. ويقود إلى سلوكيات مدمّرة كالإدمان، والانسحاب من الحياة، والتدمير الذاتي للنفس.

ثالثاً:  العلاج الروحي والنفسي للشعور بالذنب

+ التوبة والعودة إلى الله.. إن التوبة ليست حزن عاطفي بل هي تغيير الاتجاه نحو الله. يقول القديس باسيليوس الكبير:  "التوبة هي الانسحاب من الشر والسلوك في طريق الفضيلة."

+ الإيمان بغفران الله .. الإيمان بالغفران يحرر الضمير ويهب سلام للنفس ويمتعنا بالبنوة لله ويغيرنا للأفضل { إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا}(1يو 1: 9).

+  سر الاعتراف .. ترى الكنيسة في الاعتراف علاجاً روحياً ونفسياً، إذ يمنح الإنسان راحة الضمير وسلام القلب.

+ الصلاة والمصالحة مع الذات..  الصلاة العميقة والتسليم لله يقودان إلى شفاء داخلي. والقديس مقاريوس الكبير يؤكد أن الصلاة الحقيقية هي لقاء القلب مع الله، حيث يسكب الروح القدس سلاماً يرفع ثقل الذنب.

 العلاج النفسي للشعور بالذنب

 + علينا أن نميز بين الذنب الحقيقي والمتخيل

كثيرون يشعرون بالذنب لأمور لم يرتكبوها فعلاً كمثل ضحايا الاعتداء أو أبناء العائلات المفككة والمعالج النفسي يساعد في كشف هذه الأوهام.

+ كما أن العلاج المعرفي السلوكي يصحح الأفكار السلبية مثل: "أنا لا أستحق الغفران"، ويستبدلها بفكر واقعي إيجابي باستحقاقنا للغفران كابناء لله ويعلن لنا أننا يمكن ان نعيش الحياة الأفضل.

+  التسامح مع الذات..

الاعتراف بمحدودية الإنسان وقبوله ككائن يتعلم من أخطائه لا كفاشل مدان فالحكيم يتعلم من أخطائه ويرجع عنها ولا يعود اليها وينمو في حياته وعلاقاته.

+  إعادة بناء العلاقات..  هى عمليه إصلاح لما أفسده الخطأ، وطلب الغفران من الآخرين، فيحرران الإنسان من ثقل الذنب.

رابعا:  التكامل بين الروحي والنفسي

العلاج الروحي والنفسي لا يتناقضان، بل يتكاملان فالعلاج الروحي يمنح الغفران والسلام والرجاء. والعلاج النفسي يساعد في فهم الذات وتحريرها من مشاعر الذنب غير المبررة. هذا التكامل يحقق شفاءً شاملاً للإنسان، فيحيا حرية مجد ابناء الله (رو 8: 21).

+ إن الشعور بالذنب خبرة إنسانية عميقة، يمكن أن تكون قوة دافعة نحو التوبة والتغيير، أو فخاً مدمراً يقود إلى اليأس والاكتئاب. الحل يكمن في توازن العلاج الروحي والنفسي: التوبة وسر الاعتراف من جانب، والعلاج النفسي والتسامح مع الذات من جانب آخر. حينها يعيش الإنسان سلام الغفران وفرح الحرية في المسيح يسوع ربنا.

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

...

المراجع

* الكتاب المقدس بعهديه

* أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة.

* يوحنا الذهبي الفم، عظات عن التوبة.

* باسيليوس الكبير، رسائل عن الحياة المسيحية.

* مقاريوس الكبير، العظات الروحية.

مراجع نفسية 

*      Jung, C. G. (1958). Psychology and Religion.

*    Beck, A. T. (1976). Cognitive Therapy and the Emotional Disorders.

*  Lewis, C. S. (1940). The Problem  Pain.

القلق وعلاجه - ٥٧

 القلق وعلاجه - ٥٧


القلق من أبرز التحديات النفسية في العصر الحديث، حتى لُقِّب بـ"مرض العصر" نظرًا لشيوعه وتأثيره الواسع على الإنسان جسديًا ونفسيًا وروحيًا. والقلق لا يقتصر على مشاعر عابرة من الخوف، بل قد يتحول أحيانًا إلى اضطراب مرضي يعيق الإنسان عن ممارسة حياته الطبيعية. ومن هنا تأتي أهمية المعرفة الشاملة للقلق بين الرؤية الكتابية والآبائية والنفسية، والعلاج الطبي الحديث، خاصة في ضوء فكر الأباء المختبرين وعلماء النفس والأطباء الذين سعوا إلى الربط بين الإيمان والعلم.

أولًا: مفهوم القلق

+ القلق حالة انفعالية تتميز بالشعور بالخوف من خطر غير محدد، ويصاحبه عادة أعراض جسدية مثل سرعة ضربات القلب، التعرق، واضطراب النوم. ويُميز علم النفس بين القلق الطبيعي كاستجابة فطرية تحفّز الإنسان على الحذر. والقلق المرضي كاضطراب يسيطر على التفكير والسلوك ويعطل الأداء.

+  الكتاب المقدس يحذر من القلق المفرط ويقول : { لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون… أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس؟} (مت 6: 25). ويوصينا أن لا نقلق ونضطرب علي الغد { فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ.} (مت ٦: ٣٤). والقديس بولس الرسول يوصينا ان لا نقلق بل نصلي ونشكر ليشملنا سلام الله  { لا تهتموا بشيء، بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر لتُعلَم طلباتكم لدى الله، وسلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع} (في 4: 6-7). وكلمنا تقوي إيماننا في محبة الله تضاءل قلقنا وزال الخوف وحصلنا علي السلام. كما يعلمنا أباء الكنيسة أن نثق في الله كعلاج للقلق والحصول علي السلام فيقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "من يثق بالمسيح لا يخاف من اضطرابات هذا العالم، لأن سلام الله يحرس قلبه".. أما القديس الأنبا أنطونيوس الكبير فيقول: "لا تحمل همّ الغد، فإن الله الذي أعانك اليوم سيعولك أيضًا غدًا".

ثانيًا: أسباب القلق

للقلق أسباب عده منها الأسباب النفسية كالتفكير السلبي والكوارثي. او ضغوط العمل والأسرة والمجتمع. أو الصدمات التي تعرض لها الإنسان في الماضي أو فقدان الأمان الشخصى او المجتمعي. كما أن للقلق أسبابه الطبية والبيولوجية كاضطراب الناقلات العصبية (السيروتونين، الدوبامين). والعوامل الوراثية والاستعداد البيولوجي. والأمراض الجسدية المزمنة. وللقلق أسباب روحية منها ضعف الإيمان والاتكال على الذات بدلًا من الله. أو الانشغال الزائد بالمال  أو المستقبل. أو الابتعاد عن حياة الصلاة والأسرار الكنسية او التعرض لضغوطات الحياة والتغيرات المتلاحقة في الحياة.

ثالثًا: علاج القلق

+ العلاج الروحي

الصلاة والتسليم: كما أوصى الكتاب{ لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. }(في ٤: ٦، ٧). كما أن صلاة المزامير دواء للنفس يقول القديس أثناسيوس: "المزمور دواء للنفس، يطرد الحزن ويعطي رجاءً.". والاعتراف والأرشاد الروحي والتناول يمنحان غفرانًا وسلامًا. كما أن التأمل في محبة الله يبدد منا الخوف من المستقبل.

+  العلاج النفسي

العلاج المعرفي السلوكي: يساعد المريض على تغيير الأفكار المشوهة (Beck, 2011). وهناك تقنيات الاسترخاء: مثل التنفس العميق وتمارين الوعي (Mindfulness). والعلاج بالمعنى: فيؤكد الدكتور فيكتور فرانكل، أن الإنسان يتغلب على القلق حين يكتشف معنى لحياته (Frankl, Man’s Search for Meaning, 1946). كما أن الدعم الجماعي ومشاركة المخاوف مع مرشد روحي أو معالج نفسي يشفي من القلق. يجب أن نتعلم ان نثق في الله وفي أنفسنا وقدرتنا علي تجاوز المخاوف التي تؤرقنا فمعظمها أوهام ولن تحدث لكى نحيا في سلام.

+  العلاج الطبي

العلاج بالأدوية: مضادات القلق والاكتئاب، تحت إشراف الطبيب والعناية الجسدية مثل الرياضة، النوم المنتظم، التغذية السليمة. والتكامل بين الروح والجسد:  يقول القديس باسيليوس الكبير: "الله وهب الطب كعطية، ليعين الجسد على احتمال الضعف، فيستطيع العقل أن يخدم الله.".

+ إن الإنسان وحدة متكاملة من روح ونفس وجسد. وعلاج القلق يتطلب كل هذه الأبعاد كالبعد الروحي بالإيمان والسلام الداخلي. والبعد النفسي بتعديل الفكر والسلوك وتجديد الذهن والبعد الطبي بالدعم الدوائي عند الحاجة. هذا النهج المتكامل يتوافق مع رؤية الكنيسة القبطية التي ترى الإنسان خليقة واحدة غير منقسمة.

+  إن القلق ظاهرة إنسانية قديمة، لكنه اتخذ أبعادًا أوسع نتيجة للضغوط المتزايدة. والإيمان المسيحي يمنحنا الأساس الحقيقي للسلام: { سلامي أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا} (يو 14: 27). ومن خلال الدمج بين التسليم الروحي، والعلاج النفسي، والرعاية الطبية، والدعم الاسرى يستطيع الإنسان أن يحيا في طمأنينة وسلام أبناء الله، ويتحرر من قلق العصر ليعيش الرجاء المسيحي الحي { وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.} (في ٤: ٧)، أمين.

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

الكبرياء خطورتها وعلاجها- ٥٦

 الكبرياء خطورتها وعلاجها-  ٥٦

أولاً : مفهوم الكبرياء ..


+ الكبرياء هي تضخيم الإنسان لذاته، واعتقاده أنه مركز الوجود فيستعلي على الله والناس. في اللغة، الكبرياء مأخوذة من "الكِبْر"، أي العظمة والتعالي. وفي الفكر الروحي المسيحي، الكبرياء هي "رفض التواضع وعدم الاتكال على الله، والاعتداد المفرط بالذات". الكبرياء هي أصل السقوط الأول، إذ يقول الكتاب عن سقوط الشيطان {قد ارتفع قلبك فقلت أنا إله} (حز 28: 2). لهذا طرح الله الشيطان وسقط من رتبته الملائكية { قَدِ ارْتَفَعَ قَلْبُكَ لِبَهْجَتِكَ. أَفْسَدْتَ حِكْمَتَكَ لأَجْلِ بَهَائِكَ. سَأَطْرَحُكَ إِلَى الأَرْضِ، وَأَجْعَلُكَ أَمَامَ الْمُلُوكِ لِيَنْظُرُوا إِلَيْكَ. }(حز ٢٨: ١٧) لهذا يحذرنا الكتاب من الكبرياء { قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح}( أم ١٦:١٨). الكبرياء مرتبطة بالخطية، لأنها تضع الإنسان في مركزٍ بديل عن الله، فينغلق عن النعمة.

+ وفي علم الاجتماع الكبرياء تُدرس بوصفها سلوكًا اجتماعيًا يُظهر تعالي الفرد على الآخرين، مما يخرب العلاقات الاجتماعية بسبب شعور الآخرين بالإهانة أو الإقصاء. وتنتج عنها الصراعات إذ يستعمل الأقوياء أو ذوى النفوذ او السلطة أو الأغنياء الكبرياء لإخضاع غيرهم. فتغيب روح التضامن الاجتماعي، وتضعف روح التعاون والمحبة وتاتي العزلة وفقدان الثقة بين الناس.

ثانياً: الكبرياء في الكتاب المقدس

يعرض الكتاب الكبرياء كأصل الشرور وسبب لسقوط الشيطان: { كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح؟ ... وأنت قلت في قلبك: أصعد إلى السماوات... أصير مثل العلي} (إش 14: 12-14). الكبرياء سبب سقوط الإنسان الأول حين أغوت الحية حواء قائلة: { تصيران كالله عارفين الخير والشر} (تك 3: 5). لهذا جاء المسيح متواضع ووديع وبتواضعه هزم كبرياء إبليس وجنوده { الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، آخذاً صورة عبد} (في 2: 6-7).

ثالثاً: خطورة الكبرياء

+ روحياً الكبرياء تعزل النفس عن الله { الله يقاوم المستكبرين وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة} (يع 4: 6). ونفسياً تؤدي إلى العزلة والاضطراب، إذ يعيش الإنسان في صراع داخلي ليبرر ذاته أو يثبت تفوقه. وعلم النفس يشير إلى أن الكبرياء المَرَضية ترتبط غالباً بآليات دفاعية لإخفاء الشعور بالنقص. وأجتماعياً تفكك العلاقات الإنسانية، لأنها ترفض المساواة، وتحتقر الآخر. أما الأخطر فأبدياً، فان الكبرياء تحرم الإنسان من الملكوت، لأنها تجعل قلبه مغلقاً عن نعمة الله.

رابعاً: أقوال الآباء عن الكبرياء وامثلة لهلاك المتكبرين

* يقول القديس الأنبا أنطونيوس "رأيت فخاخ العدو مبسوطة علي الأرض كلها فتنهدت وقلت: من ينجو منها؟ فجاءني صوت: المتواضعون ينجون".

* يرى القديس أغسطينوس أن الكبرياء راس الخطايا «رأس كل خطيئة هو الكبرياء، وبالتواضع فقط نقتني الشفاء» (اعترافات اغسطينوس).

* يرى القديس يوحنا ذهبي الفم أنه «لا شيء يثير غضب الله مثل الكبرياء، ولا شيء يجذب نعمته مثل التواضع».

+ أمثلة كتابية ورجال الله

* فرعون: رفض إطلاق شعب الله وقال: {من هو الرب حتى أسمع لقوله؟} (خر 5: 2) فسقط وهلك بالغرق في البحر.

* ونبوخذنصر: افتخر بمملكته، فضُرب بالجنون حتى اعترف بأن { الذين يسلكون بالكبرياء هو قادر أن يذلهم} (دا 4: 37).

* هيرودس: قبل تسبيح الناس له كإله { فضربه ملاك الرب لأنه لم يعطِ المجد لله} (أع 12: 23).

* في المقابل، موسى كان { حليماً جداً أكثر من جميع الناس} (عد 12: 3)، فرفعه الله.

خامساً:  علاج الكبرياء

1- العلاج الروحي

* التأمل في المسيح المتواضع: { تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب}(مت 11: 29).

* الاعتراف المستمر بالضعف: الصلاة القلبية "ارحمني يا الله أنا الخاطئ" تحرر النفس من خداع الذات.

 * ممارسة سر الاعتراف والتناول: يعيد الإنسان إلى حالة التواضع والشركة مع الله.

 * الطاعة والاتضاع العملي: كما يقول القديس يوحنا كاسيان: «الطاعة هي دواء الكبرياء».

2-  العلاج النفسي والاجتماعي

* الوعي الذاتي وادراك أن الكبرياء تغطية للشعور بعدم الأمان وادارك ان الله لن يسند ويعين المتواضعين.

* العلاقات المتوازنة والانفتاح على الآخر، وقبول النقد، والتعلم من الجميع.

 * خدمة الآخر: المشاركة في أعمال الرحمة تذيب الأنا.

3 - التواضع علاج للكبرياء

* التواضع يمنح سلام داخلي، وحرية من قيود المقارنة والتنافس {مُهْتَمِّينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ اهْتِمَامًا وَاحِدًا، غَيْرَ مُهْتَمِّينَ بِالأُمُورِ الْعَالِيَةِ بَلْ مُنْقَادِينَ إِلَى الْمُتَّضِعِينَ. لاَ تَكُونُوا حُكَمَاءَ عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ}(رو ١٢: ١٦)

* شركة أعمق مع الله الذي يرفع المتواضعين{ وَلكِنَّهُ يُعْطِي نِعْمَةً أَعْظَمَ. لِذلِكَ يَقُولُ: «يُقَاوِمُ اللهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً».} (يع ٤: ٦)

* علاقات اجتماعية بنّاءة مبنية على المحبة والمساواة { فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ.} (أف ٤: ١، ٢)

القمص أفرايم الأنبا بيشوى

المراجع

* الكتاب المقدس

* القديس يوحنا الدرجي، سلم الفضائل.

* القديس أغسطينوس، الاعترافات.

* يوحنا ذهبي الفم، العظات على إنجيل متى.

* كتاب "بستان الرهبان"، تعاليم الآباء.

* القمص تادرس يعقوب ملطي، تفسير أسفار الكتاب المقدس.

* أنطوني كونيارس، الكبرياء والتواضع.