نص متحرك

♥†♥انا هو الراعي الصالح و الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف يو 10 : 11 ♥†♥ فيقيم الخراف عن يمينه و الجداء عن اليسار مت32:25 ♥†♥ فلما خرج يسوع راى جمعا كثيرا فتحنن عليهم اذ كانوا كخراف لا راعي لها فابتدا يعلمهم كثيرا مر 34:6 ♥†♥ و اما الذي يدخل من الباب فهو راعي الخراف يو 2:10 ♥†♥

الثلاثاء، 24 مارس 2020

سلام وسط ضيقات الحياة- 2 



للأب القمص أفرايم الانبا بيشوى

حضور الله وسلامه خلال الضيقات ...

+ قد يتسأل البعض لماذا الضيقات والتجارب والأوبئة؟ وأين هو الله من كل ما يحدث فى العالم من شرور؟ وهل يستطيع الله أن ينجى ؟ أم هو إله لا يبالى بما يحدث لنا؟!. وهل لامانة المؤمن أجر عند الله؟. ان قصة الثلاثة فتية فى بابل قديما قد تتكرر فى كل جيل بصور شتى، فهناك الذين يعانون من المرض أو الظلم التهميش الديني والعرقي والجنسى. وهناك من يقعوا تحت نير مع شريك حياة قاسى او لامبالي، وهناك من يعانى الآلم والضيق المرضى او النفسي والوحدة والقلق والاكتئاب، وهناك من يقع تحت نير القلق والحزن والأكتئاب وعدم الأمان. وهناك من يفقد عزيزا لديه فى حادث او نتيجة مرض صعب. فهل يمكن ان نحيا السلام فى وسط الاتون والضيقات ؟.  يجب ان نعرف ان الله لم يعدنا بحياة هادئة مترفة بل وعدنا بالسلام فى وسط الضيقات { قد كلمتكم بهذا ليكون لكم في سلام في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا انا قد غلبت العالم } (يو 16 : 33).  قد يستخدم الله التجارب والضيقات كجزء من عمله الحكيم لخلاصنا واعلان مجده، وتتحد الأمنا بالآم المسيح الخلاصية  لتتجلى فى نفوسنا نعمته الغنية ونحيا في سلام الله وسط اتون النار المتقدة للتطهير والتنقية ونسبح الله على عنايته وقيادته لنا عبر رحلة الحياة لنرث أكاليل المجد.
 + سلام وتسبيح وسط اتون النار.. كان الثلاثة فتيه امناء لله وفى عملهم وحسدهم الاشرار وامر الملك ان يلقوا فى الاتون، فكانوا يتمشون في وسط اللهيب مسبحين ومباركين الرب. (دا15:3 -27). لقد نجا الله الفتية لانهم وثقوا به ورفضوا ان يسجدوا للاصنام من أجل مجد عالمي زائل لا محاله، كان الله معهم وسط الاتون فتحول الى ندى بارد بل ورايناهم يمشون وسط النيران مسبحين الله فى حضوره معهم. فمتى كان الله فى حياتنا فهو يستطيع أن ينجينا ويحل مجد الله وسلامه وفرحه فى قلوبنا { سلاما اترك لكم، سلامي اعطيكم ليس كما يعطي العالم اعطيكم انا لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب} (يو 14 : 27). ان الله يطمئننا بوعوده الامينة { لا تخف لاني فديتك دعوتك باسمك انت لي. اذا اجتزت في المياه فانا معك وفي الانهار فلا تغمرك اذا مشيت في النار فلا تلذع واللهيب لا يحرقك. لاني انا الرب الهك قدوس اسرائيل مخلصك} (نش 1:43- 3). لقد أعترف الملك باله الفتية الثلاثة وانقاذه لهم ومن يستطيع ان ينجى من النار سوى الله { فاجاب نبوخذ نصر وقال تبارك اله شدرخ وميشخ وعبد نغو الذي ارسل ملاكه وانقذ عبيده الذين اتكلوا عليه وغيروا كلمة الملك واسلموا اجسادهم لكيلا يعبدوا او يسجدوا لاله غير الههم}( دا 95:3)
+ الحاجة الي السلام .. أننا نحيا وسط عالم ملئ بالمفاجات والأوبئة والقلاقل والنزاعات الداخلية والخارجية وتضارب المصالح والاهداف فى حياة الشعوب كما الافراد ونسمع أحياناً عن الخلافات حتى بين الاقارب، وعن الخصومات والحوادث الماسأوية التي تحزن كل من له ضمير حي وعلينا أن نحيا حيا ة التوبة والصلاة والصوم ونكون وأثقين أن في يد الله الأمينة الذي يقودنا في موكب نصرته { لاننا ان عشنا فللرب نعيش وان متنا فللرب نموت فان عشنا وان متنا فللرب نحن} (رو  14 :  8). المؤمن يحيا فى سلام داخلي عميق لانه يحتمي فى الله كملجا له ومع داود النبي يترنم { الرب نوري وخلاصي ممن اخاف الرب حصن حياتي ممن ارتعب. عندما اقترب الي الاشرار لياكلوا لحمي مضايقي واعدائي عثروا وسقطوا. ان نزل علي جيش لا يخاف قلبي ان قامت علي حرب ففي ذلك انا مطمئن. } (مز1:27-3). نحن نحتاج للسلام الداخلي لنستطيع ان نعطى سلاما لبعضنا البعض وكم يحتاج العالم لقلوب صافية لا تكره وافكار سلام نحو الجميع وسعي حقيقي لصنع السلام. لقد دعى الله باسم "عمانوئيل" اي الله معنا وهو يقول لنا " انا معكم" لنثق أذن فى محبته وانه امس واليوم والى الابد ويستطيع ان يخلص من الاتون المتقدة نار ومن فخ المكائد الشيطانية والمجد الباطل ونراه أكثر قوة وحضورا وسط الضيقة والتجارب وعبر درب الآلام وفوق الجلجثة. فالتجربة والمحنة فى حياتنا ليست هزيمة او تخلى من الله بل هي مراهم وادوية علاجية لخلاصنا ومجدنا وبها يختبر الايمان ونرى الله خلال المحنة معنا عبر الزمان والمكان وفى حياة الانسان المؤمن.
+ السيد المسيح عندما تجسد وعاش بيننا علي الأرض عاش حياة أخلاء الذات وراينا مؤامرات الاشرار وتحالف عليه رجال الدين والسياسة مع الرعاع والغوغاء واعوجاج القضاء وكل هؤلاء لم يهربوا من الدينونة العادلة التي لله، لكن راينا ايضا مشورة الآب السماوي وطاعة ومحبة الله الكلمة المتجسد وانتصار المحبة الباذلة وسحق الشيطان ، لقد اراد بطرس الرسول ان يدافع عن سيده { فقال يسوع لبطرس اجعل سيفك في الغمد الكاس التي اعطاني الاب الا اشربها} (يو 18 : 11). وهكذا صلى القديس بولس الرسول من اجل شوكة المرض ولكن الله كان له راي أخر فقال له { فقال لي تكفيك نعمتي لان قوتي في الضعف تكمل فبكل سرور افتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل علي قوة المسيح} (2كو 12 : 9). ان الكأس المرة التي نتعرض لها يجب ان لا نعتبرها مقدمة بيد أحد من الناس بل من يد الآب السماوي وبهذا نشربها نحن واثقين انها لخيرنا ولصالح ابديتنا وان شاء الله ان تعبر عنا او نشربها حتى النهاية فلنكن مطمئن لانها ستكون كأس لخلاصنا { لانه قد وهب لكم لاجل المسيح لا ان تؤمنوا به فقط بل ايضا ان تتألموا لاجله} (في 1 : 29).
السلام الداخلي فى التجارب..
+ الإيمان والصلاة ... نحن لا نستطيع ان نغير العالم من حولنا ولكننا نستطيع ان نغير من أنفسنا ونتكيف مع الظروف التي نمر بها ونتجنب الشرور فالصديق يري الشر فيتواري. ان السلام عطية من الله يهبها للإنسان المؤمن الذى يحيا فى ثقة بوعود الله ويحيا فى مخافته. من أجل هذا السلام نصلي ونطلب ان يمنحه لنا ونقول يا ملك السلام أعطينا سلامك، قرر لنا سلامك وأغفر لنا خطايانا وهو يعطينا الوعود بان لا نخاف { فان الجبال تزول والاكام تتزعزع اما احساني فلا يزول عنك وعهد سلامي لا يتزعزع قال راحمك الرب} (اش 54 : 10). ورغم الضيقات  التي نمر بها فان الله أمين، لقد نجا الله يونان قديما من بطن الحوت وأنقذ دانيال من جب الأسود، وكان القديس بطرس الرسول فى السجن مقيدا وهو نائم فى سلام رغم المصير المحقق الذى كان ينتظره والكنيسة تصلى من اجله فارسل الله ملاكه وفك قيوده وفتح ابواب السجن وخلصه من الموت فمتى سمح لنا بتجربة او اضطهاد فنحن لا نخاف شراً ولا نجزع من الموت حباً فى من مات من أجلنا. لقد واجه اجدادنا القديسين كل ظروف الحياة في سلام داخلي عميق لانهم وثقوا في الله وأمنوا بكلامه وهو قادهم فى موكب نصرته. السلام الحقيقي هو انتصار المحبة وسيطرتها على حياة الإنسان المؤمن الواثق فى الله والمصلى اليه كل حين والذى يسلم حياته بين يد القدير.
+ التوبة وحياة السلام ... الإنسان الشرير لا ينعم بالسلام من اجل هذا قال الإنجيل { لا سلام قال الرب للاشرار }(اش 48 : 22). ولما كان الله رؤوف ورحيم لذلك هو يدعونا الى التوبة {من يكتم خطاياه لا ينجح ومن يقر بها ويتركها يرحم } (ام  28 :  13). لقد جاء الله ليهبنا التوبة وغفران الخطايا { فلما سمع يسوع قال لهم لا يحتاج الاصحاء الى طبيب بل المرضى لم ات لادعو ابرارا بل خطاة الى التوبة} (مر 2 :  17). ولقد أشار الرب الى اهمية التوبة لحياة السلام الداخلي عندما غفر للمراة الخاطئة {فقال للمراة ايمانك قد خلصك اذهبي بسلام }(لو 7 : 50). ولهذا يجب علينا ان نسرع فى التوبة والإقلاع عن الخطية {لا تؤخر التوبة الى الرب ولا تتباطأ من يوم الى يوم } (سير 5 : 8) نحن نعترف بخطايانا ونقترب من الله ونعمل على إصلاح سيرتنا وقبول الغفران منه وحينئذ نستطيع ان نسامح ونحيا فى سلام { ومتى وقفتم تصلون فاغفروا ان كان لكم على احد شيء لكي يغفر لكم ايضا ابوكم الذي في السماوات زلاتكم } (مر11 : 25). نحن نعلم ان الله يقبلنا كما نحن لنصير الى حال أفضل وعلينا ان نقبل الآخرين كما هم ونغفر لهم زلاتهم نحونا ونقول مع السيد المسيح {يا ابتاه اغفر لهم لانهم لا يعلمون ماذا يفعلون }(لو 23 : 34).
+ الجهاد وعمل النعمة .. لابد ان نجاهد لكي ما نحصل على حياة السلام الداخلي، ونبتعد عن الغضب والكراهية والشهوات التي تحارب النفس وعلينا بالصلاة طالبين عمل نعمة الله فينا. يواجه المؤمن في جهاده الروحي حروب ومعوقات خارجية او حروب داخلية. لهذا علينا أن نجاهد وننتصر ونلتصق بمصدر النعمة وننقاد بروح الله ونوجه نحوه أفكارنا وارواحنا ومشاعرنا لنقهر الاضطراب الداخلي. نجاهد بروح الصلاة الواثقة بعمل نعمة الروح القدس فينا، ليحول الاضطراب الى هدوء والحزن الى فرح واليأس الى رجاء. ونحرص علي صنع السلام ويكون لنا هدوء ورقة اللسان {هدوء اللسان شجرة حياة واعوجاجه سحق في الروح }(ام 15 : 4). فالكلام الهادى يأتي بنتائج أفضل بكثير من الغضب والصياح {كلمات الحكماء تسمع في الهدوء اكثر من صراخ المتسلط بين الجهال}  (جا 9 : 17). أن طبق من العسل يصطاد أكثر من برميل من العلقم فعندما تحاربنا أفكار الغضب او المرارة من اساءة  أحد ما فيجب ان نهدأ ولا نتسرع في الرد فان الغضب ريح عاتية تقلتع كل صلاح { ان صعدت عليك روح المتسلط فلا تترك مكانك لان الهدوء يسكن خطايا عظيمة }(جا 10 : 4)  كم مرة تكلمنا ونحن فى لحظات الثورة والغضب فخسرنا أحباء لنا { هكذا قال السيد الرب قدوس اسرائيل بالرجوع والسكون تخلصون بالهدوء والطمأنينة تكون قوتكم فلم تشاءوا }(اش  30 :  15). ان كنا لا نستطيع ان نتحكم فى الظروف الخارجية او الضجيج فيجب ان نسرع لاقتناء الهدوء الداخلي كهدوء الحواس والفكر والقلب وعدم التقلب فى الاراء او السير وراء الاهواء وفى الهدوء نتحدث ونصغى لصوت الله الحنون ونقتنى بالإيمان نعمة الروح الوديع الهادئ ليقودنا فى سلام عبر أمواج وتيارات العالم.
+ المحبة وحياة السلام  ...  المحبة تجعلنا نحيا فى تناغم وانسجام مع الله والناس، فالله محبة ومن يثبت فى المحبة يثبت فى الله والله فيه. ان محبة الله اذ تدخل القلب تطرد الخوف المرضي الي خارج وتجعلنا نحيا فى سلام. الله يقدر ان يحررنا من الخوف والإضطراب والقلق { فان حرركم الابن فبالحقيقة تكونون احرارا } (يو 8 : 36). أن ارضى الإنسان ربه جعل حتى أعدائه يسالمونه. المحبة تجعلنا ودعاء ولطفاء وتعطينا القدرة والحكمة للعيش فى هدوء {البغضة تهيج خصومات  والمحبة تستر كل الذنوب }(ام 11 :12). { المحبة تتأنى وترفق المحبة لا تحسد المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ }(1كو  13 :  4) المحبة لا تسقط ابداً. 
 + التطلع الي الأبدية ..  اننا نحيا الان كغرباء على الأرض وكسفراء للسماء يجب ان نحيا وعيون قلوبنا ناظرة الى رئيس ايماننا ومكمله { لذلك لا نفشل بل وان كان انساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يوما فيوما. لان خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا اكثر فاكثر ثقل مجد ابديا. ونحن غير ناظرين الى الاشياء التي ترى بل الى التي لا ترى لان التي ترى وقتية واما التي لا ترى}  (2كو 12:4-16). ومن أجل الابدية السعيدة نحيا فى حياة التواضع وانكار الذات والمحبة نحو الجميع وعدم التعلق بمقتنيات العالم. ان كثيرا من الصراعات الفردية والجماعية تنشأ من الأنانية ونزعات السيطرة ومحبة الذات واللذات ولهذا نجاهد ونفرح لا لشهوة ننالها ولكن لرغبة غير مقدسة نخضعها ونسيطر عليها وضابط نفسه خير من مالك مدينة. مفعول القيامة لا نناله بعد الموت فقط بل هو حقيقة يومية تنشط النفس والروح والجسد وتغفر الخطايا وتنير الذهن وتطهر القلب وتهب القوة للصبر فى الضيقات  والانتصار فى التجارب والسلام وسط المتاعب { لان كل من ولد من الله يغلب العالم وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم ايماننا}(1يو 5 : 4).
ياملك السلام أعطينا سلامك..
+ ايها الرب الاله ياملك السلام، وسط عالم يسوده الحروب والأوبئة والإنقسام والصراعات والأنانية وعدم الهدوء. انت هو سلامنا وقوتنا، منك نستمد السلام ونحيا فى هدوء وإنسجام، نسعى فى أثر السلام ونتصالح معك بالتوبة والرجوع اليك ومحبتك من كل القلب والفكر والنفس والقدرة ونصلى طالبين ان يحل سلامك فى قلوبنا وحياتنا وبيوتنا وكنسيتنا وبلادنا.
+ علمنا يارب كيف نحيا متواضعين ولوصاياك طائعين، نحيا فى إنسجام ووئام فلا يكون لدينا إنقسام بين مطالب الروح وشهوات الجسد بل نضبط ذواتنا فى كل شئ مستأسرين كل فكر الى طاعتك، وعندما يهيج علينا العدو فاننا بك نحتمى وفى أحضانك الإلهية نرتمى وبروحك القدوس نجد الراحة والامان والإيمان الواثق.
+ الهى ومخلصي علمنا ان نكون رسل سلام ووحدة ومحبة، وارشدنا فى دروب السلام ومسالك الحق والعدل والفضيلة، انت الهنا القوى وقادر ان تسكت أمواج بحر العالم الهائجة ضدنا وتسد أفواه الأسود وتطفئ سهام إبليس المتقدة نارا وتشملنا بعطفك ورحمتك لنحيا فى سلام ومحبة وهدوء وليجرى السلام كينبوع متجدد فى قلوبنا لمجد اسمك القدوس، أمين.

الأحد، 22 مارس 2020

دعوا القلق وعيشوا حياة السلام -1 



 
للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى
مفهوم القلق وأسبابه
+ في كل ظروف الحياة وتجاربها وضيقاتها يجب أن يثق المؤمن في الله الذى يهتم بسلامنا كخالق لجبلتنا وكثيرا ما يطلب منا الثقة فيه فى مختلف ظروف الحياة {سلاما اترك لكم سلامي اعطيكم ليس كما يعطي العالم اعطيكم انا لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب} (يو 14 : 27). بل ان الجبال قد تزول والاكام تتزعزع ولكن سلام الله فى مختلف الظروف باقي لمؤمنيه { فان الجبال تزول والاكام تتزعزع اما احساني فلا يزول عنك وعهد سلامي لا يتزعزع قال راحمك  الرب } (اش 54 : 10). حتى لو سمعنا بحروب أو زلازل أو أوبئة فلا يجب أن نخاف أو نرتاع ونقلق بل نصلي ونطلب من الله الحفظ والمعونة والسلام الداخلي { فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحُرُوبٍ وَقَلاَقِلٍ فَلاَ تَجْزَعُوا لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَوَّلاً وَلَكِنْ لاَ يَكُونُ الْمُنْتَهَى سَرِيعاً». ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ. وَتَكُونُ زَلاَزِلُ عَظِيمَةٌ فِي أَمَاكِنَ وَمَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ. وَتَكُونُ مَخَاوِفُ وَعَلاَمَاتٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ.} (لو9:21-11) الإيمان السليم بالله يجعلنا نثق فى الله وصفاته ورعايته للمؤمنين حتى فى اجتياز وادى ظل الموت ومواجهة الاخطار كما عبر عن ذلك داود النبي عن ثباته وفرحه فى الرب { ثابت قلبي يا الله ثابت قلبي اغني وارنم } (مز 57 : 7).
+ نتعرض فى حياتنا للكثير من المشكلات والتي تسبب القلق للكثيرين، والبعض من القلق له مايبرره لكن كل قلقنا ومخاوفنا يمكن معالجتها بالإيمان والعلم والحكمة. كثير من مخاوفنا أوهام لا أساس لها في الواقع او قد تكون وقائع ومشكلات يتم تضخيمها. علينا مواجهة القلق بالثقة فى الله ضابط الكل ووعوده الصادقة وبعد ذلك الثقة فى النفس وقدرتها على تخطى الصعاب والتغلب عليها. تحكى احدى القصص ان الوباء أقبل الى مدخل احدى المدن الكبرى وهناك تقابل معه ملاك الموت وسأله: كم نفس ستحصد فى هذه المدينة؟ أجابه الوباء: مائه نفس! ودخل الوباء وانتشرت الشائعات والمخاوف والهلع داخل المدينة. وعندما تراجع الوباء خارج المدينة قابله ملاك الموت. قائلا لقد خدعتني وقلت انك ستقبض على روح مائة شخص وها هي الحصيلة الفين! قال له الوباء حقيقي انا تسببت فى موت مائة شخص اما البقية فقد ماتت بسبب أمراض أخرى سببها الخوف والقلق والهلع والاكتئاب.
+ يواجه العالم في هذه الفترة وباء أنفلونزا "كورونا" الذى أنتشر في أغلب دول العالم بدءاً من الصين وأيران وأيطاليا ليصل الينا في مصر وتسبب في الوفاة للبعض ولانه مرض لا علاج فعال له للأن فانه يؤثر في من لديهم نقص مناعة أو من يعانوا من أمراض في الجهاز التنفسي أو أمراض القلب ويتسابق العلماء في أكتشاف العلاج المناسب له. ولأنه من المعروف أن العدوى تنتقل من شخص لأخر عن طريق الأختلاط  كاي أنفلونزا موسمية فلهذا فان أهم طرق الوقاية هي الحرص علي التواجد في أماكن مزدحمة يوجد بها حاملي المرض والذين قد لا نعرفهم لهذا أتخذت الحكومات أجراءات قوية للحد من الأزحام الضار وفرضت حظر التجول بالقانون ولهذا يجب تتعاون كل الهيئات والمؤسسات معاَ والبقاء في المنازل في جو صحي والحرص لتوفير الجو المناسب للوقاية من المرض الي أن تعبر الأزمة وننتصر في مواجهة هذا الوباء وينحصر والجميع في صحة وسلام.
+ القلق يسبب شعور بالخوف المستمر وعدم الراحة وفقدان السلام الداخلي وتكاثر الهموم والاحزان لدى الانسان مما يهدد سلامنا النفسي والروحي ويتسبب فى الكثير من الامراض ويزيد القلق ويترعرع فى الدول والمجتمعات الى تعانى بالأكثر من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والامني ووقت الأوبئة والحروب كما ان البعد عن الايمان الواثق فى الله يفاقم القلق. الظروف التي نتعرض لها قد تكون واحدة لن تمنحنا السعادة او الراحة او تسلبنا اياها بل تتوقف علي كيفية استجابتنا للظروف مما يحدد توجهنا وتمنحنا السلام او القلق. فقد يواجه شخصان نفس المشكلة ويختلف رد الفعل لديهما، الواحد يراها فرصة مناسبة لتحقيق الذات والتغلب علي المشكلة والانتصار عليها والتقدم والاخر ينهار ويبكى او يهرب ويقلق ويفقد الرجاء. ولا خير في التهاون في مواجهة المشاكل التي تواجهنا، وبنفس القدر لا يجب أهمالها ودفن رؤسنا في الرمال أوعدم مواجتها بالحلول السليمة.
+ يجب مواجهة القلق والمخاوف، وان كان هناك قلق طبيعي، فعندما نواجه تحديات كامتحان او فقدان صديق او موت احد الاقارب او الدخول فى مشروع جديد قد نوليه الاهتمام ونفكر فى المشكلة وما هي الحلول الممكنة لمواجهتها ونختار أفضل الحلول فهذا الاهتمام طبيعي يجعلنا نعيد ترتيب اولوياتنا ونعمل على مجابهة المتغيرات الطارئة فهذا القلق العادى، اما ان يتحول الاهتمام الى هم  يشل التفكير ويفقد المؤمن سلامه ويقلق منامه ويسبب له الصداع والتهاب القولون العصبي أو الانطواء وغير ذلك من الاشكال المرضية فان القلق يكون قد تحول الى مرض يجب علاجه لذلك يوصينا الكتاب بعدم المبالغة فى الاهتمام بما يتجاوز قدرتنا { وما جاوز اعمالك فلا تكثر الاهتمام به }(سير3 : 24). ولهذا علينا ان نكون هاديين فى مختلف الظروف ويكون لدينا الحكمة والعقل لمواجهة تحديات الحياة { بالرجوع والسكون تخلصون بالهدوء والطمأنينة تكون قوتكم فلم تشاءوا }(اش 30 : 15).
+ جيد ان نعرف ما هي اسباب قلقنا ومخاوفنا ونعالجها ولا نجعلها تتفاقم . فقد تكون التربية الخاطئة من اسباب القلق فالاطفال الذين ينشأوا فى اسر مفككه ومجتمعات تذداد فيها الجريمة وفقدان الامان النفسي والاجتماعي يعانوا من القلق اعلى بكثير من غيرهم والبعض يتعرض للقلق نتيجة للفشل المالي او العاطفي او الاسرى او من الازمات الكيانية التي تصاحب مراحل العمر المختلفة. وقد يكون هناك قلق وعدم سلام ناتج عن الوقوع فى الخطية والشعور المستمر بالذنب ويحتاج الي التوبة الصادقة وقد تقصر فترات القلق او تتدرج وتطول وتتفاقم مالم يتم معالجتها.
+ القلق المرضى له آثار مدمرة ويتسبب فى الكثير من الامراض الجسدية ومنها الاحساس بالاختناق وعدم انتظام ضربات القلب وفقدان الشهية ونقص الوزن او النهم وزيادة الوزن لدى البعض او الصداع وفقدان الاتزان او الامراض النفسية او السلوك العدواني او دوام الشكوى والانتقاد وعدم الرضى والتذمر وقد يصل الى  فقدان الحياة لكل قيمة واليأس كما ان للقلق آثار روحية ضارة وان كان يجب الرجوع الى الله فان البعض يتخذ القلق وسيلة للبعد عن الله وتوجيه اللوم له والتمرد عليه والالحاد وكأن الله هو السبب فى الصراعات والمشاكل مع أن الله اله صالح وصانع الخيرات. وبالرغم من ان الحياة مع الله لا تلغى المشكلات الحياتية التي نعتبرها صليب نحتمله بشكر ان لم يكن هناك مجال للتخلص منها لكن بالرغم من كل المعوقات فان المسيحي يحيا فرحا بالله الذى يقوده فى موكب نصرته وكما عبر عن ذلك القديس بولس الرسول { من سيفصلنا عن محبة المسيح اشدة ام ضيق ام اضطهاد ام جوع ام عري ام خطر ام سيف. كما هو مكتوب اننا من اجلك نمات كل النهار قد حسبنا مثل غنم للذبح. ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي احبنا} (رو 37:8-37).

 دعوا القلق  وعيشوا حياة السلام ..
+ التوبة والرجوع الى الله .. الله هو مصدر سلامنا وكلما عشنا حياة الإيمان السليم نحيا فى سلام. وصدق القديس اغسطينوس عندما قال (اننا خلقنا الله على صورته ولن تجد نفوسنا راحة الا فيه). الخطية قد تفقد الانسان سلامه ويعيش نهبا للقلق وهذا ما حدث مع شعب الله قديما { لان اباءنا خانوا وعملوا الشر في عيني الرب الهنا وتركوه وحولوا وجوههم عن مسكن الرب واعطوا قفا. فكان غضب الرب على يهوذا واورشليم واسلمهم للقلق والدهش والصفير كما انتم راؤون باعينكم } (2اخ  29 :6، 8). ان التوبة الصادقة والرجوع الى الله بقلب صالح وفكر مستقيم والاقلاع عن الخطية وعدم العودة اليها تغفر الخطايا وتهب الانسان حياة مقدسة وسلام يفوق كل عقل. { خُذُوا مَعَكُمْ كَلاَماً وَارْجِعُوا إِلَى الرَّبِّ. قُولُوا لَهُ: ارْفَعْ كُلَّ إِثْمٍ وَاقْبَلْ حَسَناً فَنُقَدِّمَ عُجُولَ شِفَاهِنَا }(هو 14 : 2). قد يظن البعض انه لن يستطيع التحرر من ربط الخطية لكن متى لجأنا الي الله وحل المسيح بالايمان فى قلوبنا فاننا نثق انه هو الذى  سينتصر فينا { فنظر اليهم يسوع وقال عند الناس غير مستطاع ولكن ليس عند الله لان كل شيء مستطاع عند الله }(مر10 : 2) . ومع بولس الرسول نقول { استطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني } (في 4 : 13). نعمل اذا مع الله ونثق فى قيادته الحكيمة ونستجيب لعمل الروح القدس فينا وهو الذى قبل توبة داود النبي وغير متى وزكا  العشار والمرأة السامرية واغسطينوس وبلاجيا ويستطيع ان يحررنا ويغيرنا ويقودنا فى موكب نصرته. علينا ان نصلى ونضع امور حياتنا فى يدى الله ونطلب ارشاده لنا ونصغى لصوته ونطرح مخاوفنا لدية واثقين فى عمل نعمته معنا.
+ الإيمان والثقة في الله ... ثقوا ان كل الاشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله ولا تقلقوا لشئ واثقين فى ان التجارب والضيقات هي لخيرنا. أن البحر الهادئ لا يصنع ربان ماهر، فخطة الله الحكيمة تعمل كالفنان العظيم الى يمزج الالوان معا لعمل اللوحة الجميلة وكل امور حياتنا تحت سيطرته سواء كانت بارادته او بسماح منه. علينا ان لا نقلق بل نصلى ونعمل من اجل تتميم ارادة الله فى حياتنا { لا تهتموا بشيء بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر لتعلم طلباتكم لدى الله } (في 4 : 6). ولا تقلقوا من اجل الغد وما فيه يكفي ان نواجه امور يومنا بالايمان والتعقل { فلا تهتموا للغد لان الغد يهتم بما لنفسه يكفي اليوم شره} (مت 6 : 34). ولا تقلقوا من اجل أمور الحياة وانتم لكم آب سماوي يعتنى بكم { لذلك اقول لكم لا تهتموا لحياتكم بما تاكلون وبما تشربون ولا لاجسادكم بما تلبسون اليست الحياة افضل من الطعام والجسد افضل من اللباس} (مت  6 :  25) بل اطلبوا ملكوت الله وبره وكل هذه تعطى لكم وتزداد. ولا تقلقوا من ظلم او اضطهاد فان الله هو رب كل العباد ويدعونا للفرح بالاجر السماوي الذى يناله الانبياء والصديقين لكل من يضطهدون من اجل اسمه القدوس والله لا يسمح بتجربة فوق طاقتنا  {فمتى ساقوكم ليسلموكم فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا بل مهما اعطيتم في تلك الساعة فبذلك تكلموا لان لستم انتم المتكلمين بل الروح القدس }(مر 13 : 11).
+ القبول والغفران .. ان الله يقبلنا كما نحن بامكانياتنا وضعفاتنا حتى بخطايانا  ومجئ السيد المسيح الى العالم لم يكن من اجل الابرار بل من اجل الخطاه { فاذهبوا وتعلموا ما هو اني اريد رحمة لا ذبيحة لاني لم ات لادعوا ابرارا بل خطاة الى التوبة }(مت 9 : 13).{صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول ان المسيح يسوع جاء الى العالم ليخلص الخطاة الذين اولهم انا }(1تي 1 : 15). ان الله يقبل الخطاة ويحررهم ويغفر خطاياهم ويقبلهم ويسعى لسلامهم وجاء لتكون لنا حياة أفضل وهو يريد ان يريحنا من ثقل الشعور بالذنب ولكي نحيا مقبولين ومحبوبين منه وله ولهذا يجب ان نقبل انفسنا بما فيها ونقبل الآخرين كما هم بظروفهم { لذلك اقبلوا بعضكم بعضا كما ان المسيح ايضا قبلنا لمجد الله }(رو 15 : 7). نقبل الغير بدون تذمر أو نقد هدام يفسد العلاقات ونقيم جسور التفاهم والمحبة والعلاقات الجيدة مع الجميع حتى المختلفين عنا فى الجنس والدين والراي والعرق وعلى قدر طاقتنا نسالم جميع الناس.
+ الايجابية المسيحية .. المؤمن الحقيقي هو انسان مبادر وخلاق وايجابي. راينا كيف تصرف الاربعة رجال حاملي المفلوج ليقدموه للسيد المسيح وعندما لم يستطيعوا الدخول من الباب صعدوا الى السقف ونقبوه وانزلوه المفلوج امامه {فلما راى يسوع ايمانهم قال للمفلوج يا بني مغفورة لك خطاياك} (مر 2 : 5). علينا اذا ان نكون مبادرين ولا نجعل الاحداث تحركنا كقشة فى مهب الريح، بل نبادر الى صنع الاحداث والتكيف مع ما لا نستطيع تغييره والعمل بايجابية لوقاية أنفسنا ومن هم معنا من التجارب والأمراض. يجب ان نعرف الوزنات المعطاة لنا من الله ونستثمرها فى العمل الخلاق. كثيرين متى اعطاهم القدر شئ صعب او مر يتعثرون ولكن البعض متى اعطاه القدر ليمونة حامضة يصنع منها عصيرا طيب المذاق. يحكى عن احد الاشخاص فى امريكا اشترى ارض صحراوية لاستصلاحها ولكن اكتشف ان الثعابين السامة تنتشر فيها بصورة بشعة ولا تصلح لشئ، فما كان من زوجته الا انها شجعته ان يقيم عليها مزرعة للثعابين السامة ونجحت الفكرة واصبحوا اثرياء من ورائها وحتى سمومها كانت تباع كمصل واقي .
+ معالجة الصراع النفسي .. يقلق الانسان من تعارض الرغبات وتصارع الدوافع بين المنع والاقبال او بين رغبات لا يمكن الجمع بينها كالهجرة والبقاء فى المجتمع العائلي وهنا يجب دراسة الامور واختيار الافضل والانسب لنا وقد يعانى البعض الانقسام او الصراع النفسي متى قوبل بالرفض الاجتماعي او الرغبات غير المشبعة وعدم الامان العاطفي او الاقتصادي والحاجة الى الحب والتقدير وكل الدوافع غير المشبعة لكن يجب ان نعى انه لا يوجد انسان يستطيع ان يمتلك ويحقق كل شئ ولهذا فان القناعة والرضا كنز لا يفنى {واما التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة} (1تي 6 : 6). وحتى لو ملك الانسان العالم وخسر نفسه فلا نفع له { لانه ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه او ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه }(مت 16 : 26). فيجب ان نكون صادقين مع انفسنا ونقبل انفسنا كاناس مخلوقين لاعمال صالحه { لاننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لاعمال صالحة قد سبق الله فاعدها لكي نسلك فيها }(اف 2 : 10). وفى مواجهة متغيرات الحياة علينا بالايمان والرجاء فى الله والصلاة اليه وفى مواجهة الخطية علينا بالتوبة والرجوع الى الله بالتوبة والاعتراف وأستشارة اب الاعتراف الامين او الاستشاريين النفسيين الامناء والمرشدين الروحيين. لا تقولوا ان امامنا هموم كبيرة ولكن لنقل للهموم ان معنا رب عظيم قدير، هو لدفة سفينة حياتنا يحرك ويدير وهو سيصل بالسفينة ومن فيها معنا الى بر الامان والايمان والمحبة والرجاء.
أما أنا فصلاة ....
+ أيها الأب السماوى ، يا إله أبائنا القديسين الذى قاد الكنيسة عبر تاريخها الطويل، نسألك يا ضابط الكل أن ترحم شعبك وتنظر الي بلادنا بعين الرحمة والرأفة وترفع عنا الوباء والغلاء والجهل والتعصب والحروب والفقر وتهب العالم السلام وتهب القادة والمسئولين وقادة الدين والفكر والعلماء ولشعبك أجمع حكمة ونعمة وبركة لنتعاون معا في أنسجام ومحبة وبذل لمواجة كل التحديات التي تواجهنا ونتغلب عليها بالعلم والإيمان.
+ يا مسيحنا القدوس الذى علمنا أن نواجه الشر بالخير وأن نتواري بحكمة في مواجهة الشر مؤمنين أنك قادر أن تهبنا سلامك الكامل، يا من جاء الي بلادنا طفلاً مع العذراء مريم ويوسف النجار فوجد الحماية والأمان نسألك يا ملك السلام أن تمنح بلادنا السلام وتهبنا الأمان وتعبر بنا تحديات الحياة وتقود بلادنا ومنطقتنا والعالم في موكب نصرتك.
+ يا روح الله القدوس الذى يخلق ويجدد وجه الأرض، جدد طبيعتنا المائته وهبنا قلوب لحمية صالحة ترجع اليك بالروح والحق وتحب الله من كل القلب والنفس والفكر وتنقاد الي قيادتك الإلهية وأرفع عن العالم الحروب والأوبئة وهبنا نعمة وحكمة في مختلف مواقف الحياة وأحفظ بلادنا وشعبنا وراعي رعاة كنيستنا ورعاتها ورعيتها وشعبها من كل مكروه، لنحيا فرحين في الرجاء، صابرين في الضيق، مواظبين علي الصلاة . وليتمجد أسمك القدوس في كل شئ، أمين


الجمعة، 20 مارس 2020

نيافة الأنبا صربامون رجل الإيمان ومريح التعابي (1)




الأنبا صرابامون
رجل الإيمان ومريح التعابي 
(1)
للاب القمص أفرايم الأنبا بيشوى
{اذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله انظروا الى نهاية سيرتهم فتمثلوا بايمانهم} (عب  13 :  7)
حياة رهبانية مقدسة ....
+  رحل عنا الي عالم المجد مع القديسين  بعد حياة حافلة بالأعمال الصالحة وحياة الصلاة والأتكال علي الله في إيمان بالله العامل معنا والذى يحفظ كنيسته وبان يد القديس الأنبا بيشوى ماتزال ممدوة في ديره العامر وقد تنبأ نيافته بان الله سيقود الكنيسة من دير الأنبا بيشوى فقبل أختيار قداسة البابا تواضروس الثاني سألت نيافته تفتكر مين يا سيدنا اللي هيقود الكنيسة في الفترة القادمة ؟ قال " أن الذى سيقود الكنيسة من ديرنا وسيبقي دير القديس الأنبا بيشوى مركز قيادة الكنيسة " فلا ريب أن سر الله لخائفيه. لقد سأل قبلي المتنيح الأنبا بيشوى مطران دمياط والبراري سأل الأنبا صرابامون وكانوا رهبان كهنة في دير السريان العامر عن من سيقود الكنيسة فخرج الأنبا صرابامون للصحراء يصلي وجاءه صوت من السماء يقول " الأنبا شنودة أسقف التعليم" وبعدها رجع نيافته وقال للأنبا بيشوى أن البابا القادم هو الأنبا شنودة  وتحققت نبؤات نيافته لانه رجل صلاة عميقة وبسيطة في نقاوة قلب لا يعرف الرياء ولا الكبرياء يحيا في مخافة الله ويعمل ما يرضيه.
+ أنتقل أبينا ومدبرنا الروحي مثلث الرحمات فجر الأحد 8 مارس 2020م. ورجل الصلاة المحب لله نيافة الحبر الجليل الأنبا صرابامون أسقف ورئيس دير الأنبا بيشوى العام عن عمر يذيد عن الثالثة والثمانون عاماً، وحياة رهبانية مقدسة أمتدت الي ما ستين سنه وثلاثة شهور فقد ولد نيافة في مدينة أرمنت في 21 فبراير 1937م. وعاش حياة الفضيلة والتقوى منذ طفولته وقد شهد الذين عاشوا معه أنه كان رجل صلاة وأجرى الله علي يديه بعض المعجزات منذ حداثته. كان ملازماً للكنيسة وللصلاة الدائمة ومحباً للقراءة في كتب الكنيسة منذ صغرة  وقد ذهب الي دير السريان العامر في عيد السيد العذراء في 22 أغسطس 1959م. عن عمر 22عاما وتتلمذ منذ دخوله الدير علي يد أبونا أنطونيوس السرياني الذى صار البابا شنودة الثالث بعد ذلك. ترهب في دير السريان العامر وأختار لهم مثلث الرحمات الأنبا ثاؤفيلس أسقف ورئيس دير السريان العامر أسم صرابامون في رهبنة في 8 ديسيمر 59م. لانه ترهب في تذكار أستشهاد القديس الأنبا صربامون أسقف نيقوس في 28 من شهر هاتور. رسم قسا في يوم الأحد في 24 فبراير 1963م. ثم قمصاً في 25 يونيو 1967م. ولحكمته وهدوئه وخبرته الروحية أختير أب أعتراف للرهبان حتي قبل أسقفيته وشهد له الأباء بان قلايته كانت ملجأ للمتعبين وأشباع الجياع والمشورة الصالحة. رسمه قداسة البابا شنودة أسقفاً عاما في 17يونيو 1973م.
المدبر الروحي الحكيم ...
لانه الأنبا صربامون كان يحب هدوء البرية والصلاة فقد أوكل له  قداسة البابا شنودة الثالث رئاسة دير الأنبا بيشوى العامر وكان رهبانه لا يتعدى عددهم أصابع اليد وكان الدير يعاني من قلة الموارد فاهتم بتعمير الدير روحيا وعمرانيا ونما الدير ليصل عدد رهبانه الي المائتين راهب بالديرغير الذين أنتقلوا الي السماء والذين كان يذكرهم  نيافته بالخير ويطلب صلواتهم. ولقد أمتاز نيافته بالمحبة والخدمة للكل وكان مريحا للتعابي فما من أحد يلجأ اليه الأ ويجد المشورة الصالحة والراحة من التعب حتى أن قداسة البابا شنودة الثالث قال عنه أنه يحق أن يكتب علي بابه "مريح التعابي " وكان يكفينا النظر الي وجهه المنير الهادي كما قيل عن القديس الأنبا أنطونيوس من أحد أبناءه الروحيين  " يكفيني النظر الي وجهك يا أبي" فهذا ما ينطبق بحق عن نيافة الأنبا صرابامون. لقد كان يكفينا أن ننظر الي وجهك يا أبي أو أن يقول لأي أحد من أبنائه كلمة تشجيع. أنه رجل الإيمان الذى كان يصطحبه قداسة البابا شنودة الثالث في معظم رحلاته في الداخل والخارج وكان يثق في صلواته وأن وجود الأنبا صرابامون معه يمثل وجود رجل إيمان وسلام وبركة وراحة. وقال عنه قداسته أن طاعة الأنبا صرابامون كطاعتنا لله كأب ومرشد روحي في الرب وكما يقول الكتاب { اطيعوا مرشديكم واخضعوا لانهم يسهرون لاجل نفوسكم كانهم سوف يعطون حسابا لكي يفعلوا ذلك بفرح لا انين لان هذا غير نافع لكم }(عب 13 : 17).
+ كان القديس الأنبا صرابامون كام ولود يعلم ويحتمل ويربي أبناءه في الرب وينجب قديسين يخدموا الكنيسة فقد وصل عدد الأساقفة الذين ينتموا الي ديره الي أربعين مطراناً وأسقفاً ومن ديره العامر أباء رهبان كهنة يخدموا بامانة وبر ويتلمذوا الكثيرين في مصر والخليج وكل بلاد العالم فنهضة الكنيسة القبطية في الخليج واوربا وأمريكا أوكلت الي الأباء الرهبان الذين يجولوا كسيدهم ربنا يسوع المسيح بلا كيس ولا مذود ويعمل الله بهم وأعتمدت عليهم الكنيسة في بناء النفوس والكنائس حتى أستقرت الخدمة ورسم لها أباء كهنة ليكملوا الخدمة.
+ الرهبنة الأصيلة صانعة القديسين ...
يكفي نيافة الأنبا صرابامون فخراً أمام الكنيسة والوطن وأمام الله أنه الأب الروحي الذين أحتضن وشجع قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الأسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية في مصر والمهجر منذ تردده علي الدير وتلمذته علي يديه . فقداسة البابا يكن المحبة والأخلاص والتقدير الجم لنيافته كمدبر وأب روحي وكابن بار لابيه الروحي حتى بعد أن أختارته السماء بابا وبطريرك للكنيسة، وفي الأحتفال بالعيد الستين لرهبنته في مقره البابوي فى 2 ديسمبر 2019م. بحضور الأباء المطارنة والأساقفة وأباء الدير وأديرة برية شيهيت وبعض من محبى نيافته قال عنه قداسة البابا تواضروس الثاني في ذلك الحفل أن الأنبا صرابامون متعدد الفضائل فهو رجل إيمان وصانع السلام وراهب أصيل وجسر للرهبنة في عصرها الذهبي في القرن الرابع أمتد بها وأوصلها لنا في القرن العشرين. وفي الصلاة علي نيافته  ظهر الثلاثاء 10 مارس 2020م. ترأس قداسة البابا تواضروس الثاني بحضور أعضاء المجمع المقدس لكنيستنا القبطية والأباء الكهنة والرهبان ممثلين عن كل الأديرة.
+ قال قداسة البابا تواضروس الثاني عن الأنبا صرابامون في كلمته يوم أنتقاله (هوذا فتاي الذي اخترته حبيبي الذي سرت به نفسي اضع روحي عليه فيخبر الامم بالحق. لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع احد في الشوارع صوته.  قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفئ حتى يخرج الحق الى النصرة. وعلى اسمه يكون رجاء الامم} ( مت 18:12- 21).  هذه الكلمات قيلت عن المسيح ونرى معانيها تنطبق على الأنبا صرابامون الذى نجتمع جميعا كأبناء له. فقد كان الأنبا صرابامون صورة للرهبنة الأصلية وكأنه جاء إلينا من القرن الرابع، حيث مؤسس الرهبنة، نراه إنسانا معلما ليس بكلام لكن بقدوة وصورة وشخصه دخل الدير وعمره 22 عاما عندما ارتقى البابا كيرلس السادس كرسى البطريركية، وكان محبوبا من جميع الرهبان عاش خادما ومحبا، وتتلمذ على يد البابا شنودة عندما كان راهبا فى دير السريان، واختاره البابا فيما بعد ليدبر حال دير الأنبا بيشوى بدءا من الصفر، فنما الدير روحيا ومعماريا وكان تلاميذه فى كل الأديرة، وفاحت منه السيرة الرهبانية الحقيقة وهو مدرسة كونها للرهبنة نفتخر بها ونشكر الله أننا تتلمذنا على يده، وأن نراه أمامنا. وكثير من الرهبان التحقوا بالدير لأنهم رأوا قدوته نموذج حى، أعطاه الله راحة النفوس لا يمكن أن تتقابلها إلا وتشعر براحة وميناء سلام وفرح، كلماته قليلة لكنها تحمل قوة الروح تعرض الدير لأزمات كبيرة وحلها بسلام عجيب.
أمتاز بصفة التشجيع حتى أنه فى الدير كان له كلمات وعبارات يستخدمها أمام المواقف، وتجلب الراحة، كان ميناء لتشجيع النفوس وهو ما تحتاجه الحياة الديرية للتشجيع. الأنبا صرابامون خدم الكنيسة والوطن، كان يرفع صلوات دائما من أجل سلام مصر والكنيسة، وكان يقول إن مصر أحسن بلاد العالم، وكان عندما يزور الكنائس خارج مصر، يعود ليقول إن مصر أحسن بلد رأيته، ربى عشرات ومئات من الآباء الأحباء رهبان وأساقفة وجموع كثيرة، لم يلق عظات أو يكتب كتب، كان هو عظة وكتاب ومقال وقدوة لكل أحد، لقد صار لنا شفيع فى السماء حيث يستكمل حياته الملائكية والبارة فى السماء).
ولقد سمحت عناية السماء لضعفى بان أكون أبناً لذلك الأب المريح المحب وقد تتلمذت علي يديه وأقتربت منه وتمتعت بأبوته ومحبته وأجريت معه حوار طويل سمح لي نيافته بان أكتبه بعد نياحته وساقوم بنشره لكم علي حلقات أنشالله وعشنا... يتبع

الأربعاء، 18 مارس 2020

عيد الصليب المجيد


للأب القمص أفرايم الانبا بيشوى
الصليب شعار المسيحية ..
+ الصليب هو شعار المسيحية  وجوهرها وبرهان علي محبة الله الغافرة  ورحمته المعلنة نحو البشر {لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ.} (يو 16:3-17). وان كانت كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وعثرة فان الإيمان بالصليب والمصلوب عليه هو وسيلة الخلاص. الصليب يعلن قوة المسيح المصلوب وفدائه العجيب الذى قدمه لنا علي الصليب {فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ آللهِ} (1كو 1: 18). الصليب ليس حقيقة من حقائق الماضي فقط بل يمتد تأثيره الفعال ليصل لكل زمان، وطالما يوجد إنسان يعيش على الأرض وبايماننا به ندخل السماء. الصليب مرتبط بالمصلوب عليه وهو الرب يسوع المسيح الحي في السماء وهذا ما تنبأ به زكريا النبي {فيقول له ما هذه الجروح في يديك فيقول هي التي جرحت بها في بيت احبائي} (زك  13 :  6). وهذا ما راه يوحنا الحبيب في سفر الرؤيا { ورايت فاذا في وسط العرش والحيوانات الاربعة وفي وسط الشيوخ خروف قائم كانه مذبوح له سبعة قرون وسبع اعين هي سبعة ارواح الله المرسلة الى كل الارض }(رؤ  5 :  6). من بركات وثمار الصليب ننال الخلاص ونتعلم المحبة والغفران والتواضع  وننال الغفران والتطهير والقداسة والبر. بالصليب رفع الله البشرية من دائرة العصيان إلى الصفح والمصالحة، ومن الرفض إلى القبول والاختيار، ومن العبودية إلى البنوة والحياة الأبدية.
+ الصليب عبر التاريخ ..
كان الصليب في العصور القديمة وسيلة يعدم عليها كبار المجرمين حتى يظهر للناس مقدار خطيتهم أو خيانتهم. راينا ذلك فى الفكر القديم لدى المصريين عندما صلب عليه فرعون الخباز الخائن{ في ثلاثة ايام ايضا يرفع فرعون راسك عنك ويعلقك على خشبة وتاكل الطيور لحمك عنك }(تك  40 :  19). وكان الصليب وسيلة أعدام فى فارس وبابل ومادي وهذا ما جاء عن صلب هامان الخائن فى قصر الملك { فقال حربونا واحد من الخصيان الذين بين يدي الملك هوذا الخشبة ايضا التي عملها هامان لمردخاي الذي تكلم بالخير نحو الملك قائمة في بيت هامان ارتفاعها خمسون ذراعا فقال الملك اصلبوه عليها. فصلبوا هامان على الخشبة التي اعدها لمردخاي ثم سكن غضب الملك (اس  7 : 9- 10) وكان الرومان يصلبوا عليه المتمردين من الأمم ليردعوا البقية حتى لا يقوموا بالثورة عليهم. ففى ثورات اليهود قديما علي الرومان وفى حصار أورشليم من قبل الرومان أعدموا منهم الكثيرين علي  الصليب كوسيلة لردع الثوار . وفى الثقافة اليهودية كان الصلب علامة للعنة { واذا كان على انسان خطية حقها الموت فقتل وعلقته على خشبة. فلا تبت جثته على الخشبة بل تدفنه في ذلك اليوم لان المعلق ملعون من الله فلا تنجس ارضك التي يعطيك الرب الهك نصيبا){ تث 22:21-23). فلماذا قبل السيد المسيح الصليب وصلب لأجل خلاصنا؟. لقد حمل السيد المسيح عقاب خطايانا علي الصليب ليبين لنا مدى محبته ويخلصنا من عقوبة الخطية وهي الموت ولكي يجمع أبناء الله المتفريقين ويخلصهم ويفتدينا من الموت واللعنه ويحمل عقاب خطايانا ويموت عوضا عنا ويهبنا حياة أبدية { المسيح افتدانا من لعنة الناموس اذ صار لعنة لاجلنا لانه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة }(غل  3 :  13).
+ الصليب ليس حادثة عرضية فى حياة ربنا يسوع المسيح بل غاية سامية جاء وتجسد السيد المسيح من أجلها، ومنهج شمل حياته كلها جاعلًا من الصليب الكأس المفضلة وطاعته العظمى للآب، وبرهان لحبه الأبدي للإنسان، نقض السيد المسيح بالصليب ناموس الخطية وبَّرر الخطاة، وأنتصر على قوات الظلمة، وقتل العداوة، وجمع تحت لوائه شمل البعيدين والقريبين، كرعية مع القديسين وأهل بيت الله. وصار حمل الصليب من أجل يسوع المسيح المصلوب سعادة وقوة حب ومصدر راحة وسرور وافتخار، وكلما ازدادت الآلام من أجل شهادة يسوع ازدادت رؤية الصليب نورًا وازدادت الحياة قوة وعزاء، وارتفع الصليب من التاريخ لينغرس في أعماق الضمير ويشع  لنا من الصليب نور القيامة ومجد المسيح القائم من الموت منتصرا على الشيطان والخطية والموت لنهتف بفرح:  (السلام لك ايها الصليب).
عيد الصليب المقدس..
+ تحتفل بعيد الصليب المقدس سائر الكنائس المسيحية وتضع علامة الصليب أعلى مناراتها وترسمه فوق حجاب الهيكل أمام أعين المؤمنين منذالعصر الرسولي كما قال القديس بولس الرسول{ انتم الذين امام عيونكم قد رسم يسوع المسيح بينكم مصلوبا} (غل  3 :  1). كما وتحتفل كنيستنا القبطية بعيد الصليب مرتين كل عام. الأولي في 17توت من كل عام الموافق 27سبتمبروذلك تذكار لاكتشاف الصليب المقدس الذى صلب عليه ربنا يسوع المسيح بواسطة الملكة هيلانه أم قسطنطين التى نذرت أن تمضى إلى القدس فأعد ابنها الملك كل شيء لإتمام هذه الزيارة المقدسة. ولما وصلت إلى أورشليم بحثت بتدقيق عن مكان الصليب فأشاروا عليها بتنظيف الجلجثة، فعثرت عليه وذلك في 326م. وبنت هناك كنيسة القيامة وما حولها وأحتفلت مع الاساقفة والكهنة والشعب برفع الصليب فى موضع الجلجثة. والاحتفال الثاني الذي تقيم فيه الكنيسة تذكار الصليب في اليوم العاشر من برمهات، ويرجع تاريخه الي ارجاع الصليب علي  يد الإمبراطور هرقل فى628 م. عندما ذهب هيرقل واسترد خشبة الصليب التى اخذها الفرس من اورشليم فى 614م. وأعاد ذخيرة الصليب المقدس ودخل بها الي  القسطنطينية التي استقبلت الموكب بأحتفال مهيب بالمصابيح وتراتيل النصر والإبتهاج. بعدها نقل الصليب إلى إورشليم سنة 631م. ويذكر التقليد أنّ الملك هرقل حمل الصليب على كتفه وسار به بحفاوة كبيرة بين الجموع المحتشدة إلى الجلجثة وهناك أحسّ الملك بقوة خفية تصده وتمنعه من دخول المكان فوقف الأسقف زكريا بطريرك أورشليم وقال للإمبراطور: (حذار أيها الملك أن هذه الملابس اللأمعة وما تشير اليه من مجد وعظمة تبعدك عن فقر المسيح يسوع ومذلة الصليب) وفي الحال خلع الملك ملابسه الفاخرة وارتدى ملابس بسيطة وتابع مسيره حافي القدمين حتى الجلجثة حيث رفع عود الصليب المكرم فسجد المؤمنون على الأرض، وهم يرنمون : لصليبك يارب نسجد ولقيامتك المقدسة نمجد.
+ ويذكر أوسابيوس القيصري بأن الملك الروماني قسطنطين الكبير (324ـ 337) رأى علامة الصليب في السماء على مثال نور بهيئة الصليب مع مكتوب تحتها عبارة: (بهذه العلامة تغلب). ولقد شهد علي وجود خشبة الصليب المقدس في أورشليم القديس كيرلس الأورشليمي فى عظة له في سنة 347م. كما ذكرت المورخة ايجيريا الاسبانية في أخبار رحلاتها الى فلسطين بأن تذكار اكتشاف الصليب تعلق بعيد تكريس كنيسته وبأن العيد كان لمدة 7 ايام يجري خلالها تقديم الصليب المقدس لتسجد الناس له اكراماً وتشفعا.
الصليب في حياتنا الروحية ..
+ يدعونا السيد المسيح الى أنكار الذات وحمل الصليب { وقال للجميع ان اراد احد ان ياتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني} (لو  9 :  23).أن نكران الذات  يعنى تتميم مشيئة الله فى حياتنا ليكون لسان حالنا {لتكن لا إرادتي بل إرادتك} (لو24: 22). المؤمن يصلب شهواته من أجل الله كشهادة صادقة على تبعيته للمسيح يسوع ربنا ليقوم معه فى جدة الحياة ويقول مع القديس البولس الرسول { مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ} (غل20: 2). لقد مات المسيح عنا لكي نعيش من أجله وكشهود لمحبته { وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام} (2كو15: 5). ونحن في الصلاة الربانية نصلي : {لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض} (مت10: 6). فهل نحن نعيش لانفسنا أم من أجل من مات من أجلنا وقام ليقيمنا من موت الخطية ويحيينا حياة أبدية؟ وهل نصنع مشيئة الله في حياتنا؟.
+ علينا أن نحمل الصليب بشكر  سواء صليب الخدمة أو المرض او الحاجة أو الاضطهاد أو الصوم والنسك أو الطاعة  يدخل بنا الى أفراح القيامة ومسرة الله { ناظرين الى رئيس الايمان ومكمله يسوع الذي من اجل السرور الموضوع امامه احتمل الصليب مستهينا بالخزي فجلس في يمين عرش الله } (عب  12 :  2) عندما نحمل الصليب يحتضننا المصلوب ويهبنا نعمة وقوة وبركة وتحتضن محبة المسيح الحانية نفوس من يحملوا الصليب بشكر لتعزيها وتطمئنها، فتبدو الصورة في الظاهر أننا نحمل الصليب ولكن الحقيقة في الواقع أن الصليب يحملنا بل المصلوب يحمينا ويحتوينا ويعزينا. ونرى كفة الميزان الخفية التي توازن ثقل الصليب بثقل مجد أبدي، كما رآها القدس بولس الرسول قائلاً: {لان خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي ترى بل إلى التي لا ترى. لأن التي ترى وقتية وأما التي لا ترى فأبدية} (2كو17: 4،18).
+ من يريد أن يتبع السيد المسيح فعليه أن ينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبع المسيح { وقال للجميع ان اراد احد ان ياتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم و يتبعني} (لو  9 :  23). الصليب له وجهان كما العملة فناحية منه تحمل معني الألم والتعب والضيق والناحية الأخري تحمل قوة القيامة وسلامها وبركات أمجادها { فان كنا اولادا فاننا ورثة ايضا ورثة الله ووارثون مع المسيح ان كنا نتالم معه لكي نتمجد ايضا معه} (رو  8 :  17). لقد وهب لنا لا أن نتألم فقط بل أن نؤمن أيضا { لانه قد وهب لكم لاجل المسيح لا ان تؤمنوا به فقط بل ايضا ان تتالموا لاجله} (في  1 :  29). أن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا ثقل مجد أبدي { لذلك لا نفشل بل وان كان انساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يوما فيوما. لان خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا اكثر فاكثر ثقل مجد ابديا. ونحن غير ناظرين الى الاشياء التي ترى بل الى التي لا ترى لان التي ترى وقتية واما التي لا ترى فابدية} ( 2كو16:4-18)

تحت ظلال الصليب
+ ايها الرب الاله الذى أحبنا وحبه خلاصنا من الموت بقوة التجسد والفداء على الصليب ، نشكرك على محبتك وخلاصك ونؤمن بابوتك وحنانك وفدائك المعلن لنا من خلال سر التجسد العجيب. ونعترف بقوة صليبك المعلنه لخلاصنا وإيماننا به. ان كانت كلمة الصليب عثرة للبعض وجهالة للبعض الأخر، يرفضها الجهلاء غير عالمين عظمة المحبة المعلنه فى الصليب اذ يموت البار من أجل خلاص الأثمة معلنا حبه للبشرية يريد إن يحتضنها ويقدمنا قربانا لله ابيه + بالصليب نؤمن وبالمصلوب ننادى وبه نهزم قوى الشر والشيطان والعالم. وبدم المصلوب نحتمي وهو الذى يحمي شعبه من الوباء والشيطان ويخلصنا من الموت الأبدي وبايماننا بالفداء سنصل للقيام من الخطية والضعف والحزن والفشل لنصل الى قوة القيامة .
+ انت يا سيدى تعلن على الصليب تواضعك ومحبتك وفدائك ، تعلمنا كيف يبذل الحب نفسه من أجل أحبائه، وكيف ننتصر على الذات والشهوات والشيطان فاعطانا يا سيد القوة لنقول للمسئيين الينا { يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون } علمنا يارب ان نجاهد ضد الخطية وان نحمل الصليب بشجاعة وفرح لنصل الى ملكوتك السماوى وتستعلن لنا قوة الصليب والفداء.

الأحد، 15 مارس 2020

الرجوع إلى الله فى مثل الأبن الضال





للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

البحث عن السعادة والشبع
 يقدم لنا الربّ يسوع المسيح في مثل الابن الضال ، رحلة البشرية في بحثها عن السعادة بعيداُ عن الله،  البعض يبحث عن الحرية والتحرر من السلطة الأبوية والبعض يبحث عن المتعة أَو اللذة بعيداً عنن بعيداً عن الله. يهرب البعض من طاعة الوصية  إلى بئر شهوات العالم المتعبة للنفس . هكذا يظن البعض أن الله ووصاياه تقف عائقا أمام سعادتنا، مع أن الله كأب سماوي بِهِ نحيا ونتحرك ونوجد ،هو الذي يهبنا الإمكانيات والمواهب والغنى،  ونحن في جهل نبحث عن العطيّة، وننسى الرب المُعطي ونبحث عن السعادة  أوالغنى أو الحرية بعيداً عن الله،  فماذا قال الربّ في هذا المثل الذي يعلن لنا محبة الله الآب لنا حتى لو بعدنا عنه كابناء :{إنسان كان له ابنان ... فقال أصغرهما لأبيه يا أبي أعطني القسم الذي يصيبني من المال. فقسم لهما معيشتهُ. وبعد أيام ليست بكثيرة جمع الابن الأصغر كل شيء وسافر إلى كوره بعيدة وهناك بذَّر مالهُ بعيش مسرف . فلما انفق كل شيء حدث جوع شديد في تلك الكوره فابتدأ يحتاج فمضى والتصق بواحد من أهل تلك الكوره فأرسله إلى حقله ليرعى الخنازير وكان يشتهي أن يملا بطنه من الخروب الذي كانت الخنازير  تأكله فلم يعطهِ لهُ }. ( لو 15 : 11 - 16).
إننا في رحلة البحث عن سعادة وهمية نأخذ عطايا الله لنبذرها بعيش مسرف في كورة الخطية،  ولنصير لها عبيدًا  مذلولين نجوع إلى طعام الخنازير والنجاسة فلا نجدها. نبحث عن الغنى فنجد نفوسنا وقد  فقدت كل  ما نملك ،  ونحتاج للشبع والارتواء بالمحبة فلا نجد غير البؤس والشقاء ونشتهي طعام الخنازير النجس غير المشبع فلا يعطى لنا،  ونظل قلقين غير سعداء ، فالشرير يهرب ولا مطارد. إننا في رحلتنا في البحث عن السعادة خارج بيت الله لن نجد شبعاً ، لا في مال أو جمال زائل أو في منصب أو في شهوة يعقبها الندم والألم ،  ولن نجد  راحة في علم كاذب أو حكمة أرضية. لن نجد الشبع في كورة الخطية ، ولا الحرية في أرض العبودية ، ولا السعادة في سراب العالم الكاذب. أن الميراث الحقيقي والسمائي ينتظر أبناء الله الذين لهم في  القناعة  كنز، وفي محبة الله يجدون الكرامة والعز، وفي الجلوس تحت أقدام الصليب السعادة والشَّبع والميراث والوعود الصادقة. أن  الذات هي الصنم الذي يجب ان لا نتعبّد  له  في أنانية بعيداً عن الله. إن نفسي صورة الله الفريدة فلنعطها لله ونبذلها من اجل محبته، فنحيا  فيه ونوجد معه وننمو في معرفته وإذ نخصص ذواتنا لخدمة الله ومحبته،  يُنمِّي مواهبنا ويضاعف وزناتنا ويقودنا في موكب نصرته ويهبنا  السعادة الحقيقية. فنفرح به ويفرح بنا  ويكون  نصيبنا السماوي {فنفتخر باسم قدسه وتفرح قلوب الذين يلتمسون الرب} (أخ 16:16) .
  رجع الي نفسه
  عندما تجوع أنفسنا بعيداً عن الله ،  فحسن لنا أن نرجع اليه  لنقف وقفة جادّة مع أنفسنا، نحاسبها على خطاياها ونعاتبها على ضلالها أو حتى نعاقبها لننجو من العقاب الأبدي ونتخذ القرار السليم كما فعل الابن الضال كما جاء عنه في الإنجيل : {فرجع إلى نفسه وقال كم من أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا اهلك جوعاً . أقوم واذهب إلى أبي وأقول يا أبي أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقاً بعد أن ادعى لك ابناً . اجعلني كأحد أجرائك }( لو 15 : 17 – 19 ).  إنَّ الخطية تبدِّد كل ما نملك من مواهب ووزنات وتذهب بسعادتنا وتفقدنا مجد البنوّة لله وتورثنا القلق والمرض والضياع والعوز . لقد أخطأ الابن الضال عندما طالب بالميراث في حياة أبيه وهو متمتع  بخيراته. وسعى كما يفعل الكثيرون منا الى الحياة بعيداً عن الله،  ليحيا بلا ضابط في  حياة اللذة والخطية،  ليصير عبداً محتاجا لا يجد شبعاً بل تعاسة وجوعًا .
ربما دارت هذه الأفكار فى ذهن هذا الابن الضال كما تدور فى أذهان البعض منا : هل لا  يزال الأب السماوي يحبني ويفتح أحضانه لاستقبالي للعودة إليه ؟. وكانت الأجابة هى  نعم أن الله يحبني ويحب الخطاة ويعلن مسرته برجوعهم متغاضيا عن أزمنة الجهل. إن هروبي من الله لن يسعدني  وأين اهرب منك يا رب وأنت تملا كل مكان ؟.  لقد تقوقعت حول ذاتي وأنانيتي فلم أجد إلا الشقاء. فحرّرني يا رب من أنانيتي لألتقي بك بعيداً عن فلسفات كاذبة وحكمة أرضية لا تقود إلا إلى الجوع والضياع. ربّي إني جوعان لمحبتك  فغناي هو في حياة الفضيلة وعطشي إلى ينبوع محبتك وعمل روحك القدّوس داخلي فأنت الكنز  والعريس المفرح للنفس البشرية .
ربي إنني إن أحببت أن أجد نفسي بعيداً عنك، فاني اهلك فها أنا أتوق للرجوع إليك يا رب لتقبلني إليك معطياً لي التشجيع للعودة والتوبة والاعتراف كي أحيا في بيتك كابن حقيقي لأب صالح وأنت يا رب تسمح  لى بالضيقة  حتى أعود إليك شاعراً باحتياجي،  وأنت لم ترفض احدًا بل قبلت إليك أصحاب الساعة الحادية عشرة،  وأعطيتهم تماما الأجرة عينها التي أعطيتها للذين عملوا طوال اليوم والحياة . فاعنِّي يا الله إله خلاصي من اجل مجد اسمك.  وأعلن محبتك المحررة والغافرة فيبتهج الكل بخلاصك ورحمتك .
التوبة وحياة الفرح...
التوبة تفرِّح قلب الله  كأب سماوي حقيقي يسعى في طلب الضال،  وتُفرح الملائكة الذين يعملون على خلاصنا فيفرحون بتوبتنا ويقدمون ثمار أعمالنا إليك . وتفُرح القديسين في السماء الذين يشفعون فينا ويكملون بنا وتفرح الكنيسة العاملة على خلاصنا وتفرح قلب الخاطئ الراجع لله فرحا بقبول الله ومحبته ومغفرته وابتهاجا بالتحرر من سلطان إبليس وقيوده. نبتهج  برحمة الله ونقدم لَه الشكر والسجود لانه بذل أبنه الوحيد من أجل خلاصنا وجعلنا ملوكًا وكهنة وشعبًا مقدسًا لله أبيه. نعم يجب أن نتذكر محبة الله لنا، وعنايته بنا،  وحريتنا فيه ونشتاق إلى أحضانه.
الله يفرح بعودة الخاطئ إليه { يا ابني كن حكيماً يفرح قلبي أنا أيضا }( أم 23 : 15) أن الله يسعى في طلب الضالّ ويسترد المطرود ويعصب الجريح ويجبر الكسير، أنه يركض لاستقبال الابن الضال ليعيد له ثوب الحكمة والبر ويأتمنه على الميراث الأبوي والإيمان الحي ليحتذي بالاستعداد للبشارة المفرحة بالإنجيل بعيداً عن أدناس الطريق الواسع لحياة الخطية.
التوبة تهب الإنسان سلام النفس الضائع وسلامته النفسية المفقودة، فكم من الأمراض الجسدية والنفسية ترجع أسبابها إلى الخطية وتأثيرها المدمِّر للنفس والجسد والروح ، لهذا نرى الرب يسوع المسيح عندما شفى المخلَّع قال له  : لا تعود للخطيئة لئلا يصير لك أشرّ . فالتوبة تشفي النفس والجسد وتفرح القلب بالقبول الإلهي .
الحياة المقامة
{ فقام وجاء إلى أبيه ، وإذ كان لم يزل بعيداً فراه أبوه فتحنَّن ووقع على عنقه وقبله فقال له الابن يا أبي أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقاً أن ادعى لك ابناً . فقال الأب لعبيده اخرجوا الحلّة الأولى والبسوه واجعلوا خَاتماً في يده وحذاءً في رجليه وقدموا العجل المسمن واذبحوه . فنأكل ونفرح. لان ابني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد ، فابتدءوا يفرحون } ( لو 15 : 20 – 24). لا تنام وقت العمل ولا ترضخ للقيود والمسيح المقام يدعوك لتقوم معه في جِدّة الحياة ناظراً إلى فوق حيث المسيح جالس. تحرر من أنانيتك لتشعر بمحبة أبيك السماوي ، الذي يهبك الحكمة، ولتتخذ القرار الصائب بالعودة إلى أحضان الآب الذي يهبك القوة للرجوع ،  لأنه بدونه لا تقدر أن تفعل شيئًا وبه تؤهل للتبني والنعمة والحرية والحياة الأبدية .
أعترف إليك يا رب ، إني أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقاً ان ادعى لك ابناً ، وها أنا اقرّ بخطاياي وحاجتي إليك وعزمي إلى البقاء في أحضانك والتصميم على عدم العودة للخطية، فمن يعترف بخطاياه ويقرّ بها يرحم ومن يكتمها لا ينجح . حقا يا رب في البعد عنك فقدت  فرحي وسلامي ومستقبلي . اعترف لك وللكنيسة باني خاطئ ، فاسرع وأعنّي وفي محبتي للعودة إليك اقبلني ابناً لك تلبسني حُلّة البرّ والرحمة وبجسدك ودمك طهرني وقوّني وثبتني فيك .
نعم يا رب أنت تسرع للقائي وتنزع عني حزني،  وبقبلاتك وقبولك تسرع فرحاً باحتضاني ورجوعي  إليك محرراً إياي من نير عبودية الخطية. نعم لقد خرجت يا سيدي يسوع من علياء سمائك من اجل خلاصي رافعاً عقوبة خطاياي بموتك عني وما زال صليب حبّك يعلن إن ذراعيك ما زالتا مفتوحتين لاستقبال الراجعين إليك بقلوبهم لتغيير حياتهم وتسترهم بثوب برّك وتصالحهم مع الآب السماوي . ان السلوك  في جدّة الحياة المقامة مع المسيح يجدد فكرنا ،  ويقدِّس حواسنا وينقّي عواطفنا ويطهّر قلوبنا ويشبع أرواحنا ويجعلنا نجاهد بالصبر ونحن مرنمين لله .
  مجد التوبة
  الله هو الأب الحنون الذي يسعي الي خلاص ونجاة كل أحد {أنت يا رب تعود فتحيينا ، فيفرح بك شعبك }(مز 8 : 6 ). نعم يا رب أنت الأب الحنون الذي تفرح برجوعي إليك وتعطي للتائبين جمالاً عوض الرماد ودهنًا فرحًا عوض النوح ورداء تسبيح عوض الروح اليائسة ليكونوا كأشجار البر وغرس الرب للتمجيد. حقاً يا رب أنت تعطي للتوبة أهمية في حياتنا وهي بدء رسالتك لنا " توبوا وآمنوا بالإنجيل " وكما قلت يا رب ان السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين لا يحتاجون إلى التوبة. التوبة تكشف لنا ما في قلب الآب السماوي من محبة وقبول،  فانا لست عبدا أو أجيرا حتى رغم بعدي عن الله ، فالآب السماوي دعانا أبناء محبوبين له ، وهو لا يقبل لنا أن نكون عبيداً للخطية أو أجراء في بيته . أننا بحريتنا نتركه ونصير عبيداً للخطية والشيطان، ورغم هذا تظل محبة الله تنتظر رجوعنا إليه ليعيد لنا مجد البنوة وفرح الخلاص { لأنه يقول في وقت مقبول سمعتك وفي يوم خلاص أعنتك . هوذا ألان وقت مقبول هوذا ألان يوم خلاص}( 2 كو 6 : 2) . فلا تؤجلي يا نفسي توبتك حتى الغد فمن يضمن حياتك للغد لأنه بينما تقولين إني في سلام وأمان يفاجئك الموت بغتة. لقد تناهى الليل وتقارب النهار فلنخلع عنا أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور ونصلي لله أن يحرر ربُطنا وقيودنا لنتمتع بقوة القيامة وسلامها وفرحها وأمجادها ونُفرَّح السماء بملائكتها وقديسيها . الله الكلمة الابن القدّوس تجسّد من اجل خلاصنا ، وُصلب ومات من اجل فدائنا وتبريرنا وقام في مجد ليغلب لنا الشيطان والخطية والموت. ووهبنا التناول من الأسرار الإلهية لنأخذ منه طهارة وغفراناً وحياة أبدية ، فأيّ مجد هذا الذي أعطى للإنسان وما أعظم محبة الله المزخَّرة للخطاة الراجعين اليه بكل قلوبهم.

   ليكن لنا محبة لخلاص الخطاة..
 علينا أن نحرص علي خلاص أخوتنا كاخوة محبين لابونا السماوى ونحترس لئلا نماثل الابن الأكبر الذي تذمر على الآب لأنه قبل أخيه الأصغر بفرح ، وذبح العجل المسمن فرحا  به. وكما أدان الفرّيسيين المعلم الصالح  لأنه يحب الخطاة ويأكل معهم . وهكذا لاموه عندما دخل يبيت في بيت زكّا العشار غير عالمين إن لطف الله إنما يقودنا للتوبة والبنوة لله . لقد جاء المُخلِّص ليطلب ويخلِّص ما قد هلك ،  ولأن الأصحاء لا يحتاجون  إلى طبيب بل المرضى ،  جاء الرب لا ليدعو أبرارا  بل خطاة إلى التوبة . ليكن لك المحبة الإلهية  والقلب المتضع الذي يفرح بعودة كل احد إلى الأحضان الأبوية ...
الابن الأكبر في قصة الابن الضال لم يرد أن يدخل بيت الأب لان ابيه كان فرحاً بعودة ابنه من الكوره البعيدة ،  ولولا محبة أبيه له وخروجه إليه ليقنعه ويشفي تذمره  وكبرياء قلبه ويداوي حسده  لكان قد هلك ، انه مثل يونان النبي الذي اغتاظ من أجل توبة أهل نينوى وعدم هلاك المدينة حتى تفاهم الله معه وأقنعه بشفقته،  فأحذروا يا احبائي لئلا يوجد أحد منا في بيت أبيه وهو لا يعرف إرادته ويعمل في  الكنيسة  متطلعاً إلى المكافأة الأرضية  والخيرات الزمنة ليفرح  مع أهل العالم  وننسي الميراث السمائي. إن الإدانة والحسد من العوائق التي تحرمنا من التمتع بالفرح ألسمائي وتجعلنا لا نشعر بإخوتنا فلا نفرح لفرحهم  ولا نحسّ  بجوعهم الروحي . إن الحسد والإدانة يجعلان النفس تظلم وتجاهد في كآبة ،  وتدين حتى  الله على أعماله الخلاصية .
إننا نحتاج لحنان الله الذي يؤكد لنا تمتعنا بأبوته وبميراثه ألسمائي، ولكي ما نعرف إرادته في خلاص الجميع لنحيا معه حياة الحب والبذل،  ونسعى لرجوع الخطاة بدون انانية أو تقوقع على الذات. الله الغني في المجد ، السخي في العطاء ، لا حدّ لمحبته وشفقته ،  جاء ليصالح ويوِّحد الجميع فيه يهوداً وأمما، كباراً وصغاراً رجالا ونساء . مصالحاً لمن يقبلونه غير حاسباً لهم خطاياهم وملكوته وأبوته تتسع للجميع ووصية جديدة يوصينا أن نحب بعضنا بعض كما أحبنا لنكون تلاميذه.
  أرجع اليك
  أرجع  إليك يا  الهي وخلاصي فتفرح بي  الملائكة في السماء . لقد  ظننت البعد عنك سعادة فوجدته ضـيـاع وشــقاء، وحسبت ان لى فى العالم  فرح وغنى فوجدت العالم  بعيداً عنك حزن  وبلاء وبدلاً مـــن مــجــد القداسـة  بعيداً عنك جـوع وعــنـاء. أرجع إليك يا الـهي حتى لو أجير وبـك مــن قوات الظلمــة أستجير  فارحمني يـا مخلص العالم وافتـح لي الأحضان الأبوية وأرني نعمتــك الأزلية والـبسنـي الحـلل الـبـهية  وقـودني بالتـوبة لحياة أبدية، أمين.