نص متحرك

♥†♥انا هو الراعي الصالح و الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف يو 10 : 11 ♥†♥ فيقيم الخراف عن يمينه و الجداء عن اليسار مت32:25 ♥†♥ فلما خرج يسوع راى جمعا كثيرا فتحنن عليهم اذ كانوا كخراف لا راعي لها فابتدا يعلمهم كثيرا مر 34:6 ♥†♥ و اما الذي يدخل من الباب فهو راعي الخراف يو 2:10 ♥†♥

الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

65- القديس بولس الرسول والرحلة التبشيرية الثالثة -2


للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

السفر الى مكدونية ...

+ رأينا عمل نعمة الله مع القديس بولس التي كانت تقويه وتقوده في خدمته فى أفسس وما حولها ومع ثورة بعض من اليهود ضد بولس وهياج صناع الفضة لارطاميس الذي أثاره ديمتريوس رأى القديس بولس إن ما حدث هو إشارة من قبل نعمة الله أن يتحرك للخدمة في موضع آخر. وخروجه من أفسس يهدئ من ثورة مقاوميه، فغادر بولس الرسول أفسس في ربيع سنة 57 م وخرج ليذهب إلى مكدونية ولما اجتاز في تلك النواحي وعظهم بكلام كثير ثم ذهب إلى هلاس لمدة ثلاث أشهر (أع 1:20-3). وفي رسائل القديس بولس تفاصيل دقيقة لم ترد في سفر الأعمال عن خدمته هناك، منها أنه إذ ترك أفسس انطلق إلى الشمال متنقلاً من مدينة إلى مدينة، ومن جزيرة إلى جزيرة حتى جاء إلى ترواس. وكان في رفقته اثنان من أفسس هما تيخكس وتروفيموس، رافقاه في الذهاب والعودة ومعهما إخوة آخرون. وكتب رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس قبل خروجه حيث جاء فيها {حاربت وحوشًا في أفسس} مشيرًا بهذا إلى الشغب الذي حدث. وإن كان البعض يرى أنه بالفعل أُلقي في وسط وحوش جائعة والرب أنقذه بولس.

+ انطلق القديس بولس إلى الكنائس اليونانية التي قام بإنشائها لكي يرعي ما قد سبق فغرسه، مبتدأ من الكنيسة في كورنثوس كما كانت نيته قبل حدوث الشغب (أع 19: 21). وعندما وصل إلى ترواس وجد فرصة عظيمة للكرازة بالإنجيل، لكنه كان حزينا بالانشقاقات التي كانت في كورنثوس، وبعث بتيطس إلى كورنثوس ليعالج هذه المشاكل بين المؤمنين هناك، وترك ترواس واتجه إلى مكدونية ليلتقي بمعينه تيطس من كورنثوس يحمل أخبار طيبة عن تحسن الأحوال في الكنيسة (كو 7: 5-16). عندئذ كتب الرسول رسالته الثانية الي كورنثوس وبعث بها مع تيطس ومن هناك قام بزيارة فيلبي وتسالونيكي، وكان يهتم بوعظهم والكرازة بينهم دون أن يقيد نفسه بزمنٍ معينٍ. وقد بقي ثلاثة شهور يفتقد الكنائس ويكرز في اليونان وأخائية. هناك كتب رسالته إلى أهل رومية، فيها يعلن لهم عن رغبته في الذهاب إلى أورشليم، ومن هناك يذهب إلى روما (رو 15: 22- 29). لم يذكر القديس لوقا البشير غاية ذهاب الرسول إلى أورشليم، وهو أن يقدم ما جمعه بسخاء من مكدونية و اخائية لمساعدة فقراء أورشليم (رو15: 25- 27؛ 2 كو 8: 1-9). { ثم إذ حصلت مكيدة من اليهود عليه، وهو مزمع أن يصعد إلى سورية، صار رأي أن يرجع على طريق مكدونية} (أع 3:20) لم يسجل لنا القديس لوقا ما هي هذه المكيدة التي وضعت ضد بولس. يرى البعض أنها كانت هجومًا على السفينة أو القبض عليه داخل السفينة، لهذا قرر السفر برًا، وكان ذلك في صالح كنائس مكدونية حيث تمتعت بزيارة أخرى للرسول. وقد انضم القديس لوقا الإنجيلي لبولس فنراه يقول { وأمّا نحن فسافرنا في البحر بعد أيام الفطير من فيلبي، ووافيْناهم في خمسة أيام إلى ترواس، حيث صرفنا سبعة أيام} ( اع 6:20). وقد كانت ترواس هي نقطة الانطلاق الأولى من آسيا إلى أوربا، حيث ظهر للرسول بولس رجل مكدوني في رؤيا يتوسل إليه: { أعبر إلينا وأعنا} (أع 16: 9) وذلك في رحلته التبشيرية الثانية. ولم يتوقف الرسول كثيرًا في هذه المدينة في الرحلة الثانية، لكنه صمم في هذه الرحلة الثالثة أن يمكث فيها زمان ليؤسس خدمة ثابتة للمسيح والإنجيل.

+ أقامة أفتيخوس من الموت... إذ كان الرسول مزمعًا أن يغادر المدينة في اليوم التالي أجتمع بالمؤمنين وصلوا  سرّ الإفخارستيا وتحدث معهم إلى ساعات طويلة حتى فجر الأحد. كانت الكنيسة الأولى تقدس يوم الرب "الأحد" (1 كو 16: 2؛ رؤ 1: 10). وفيه تتم خدمة الكلمة والعبادة الجماعية بالاحتفال بسرّ الإفخارستيا { وفي أول الأسبوع إذ كان التلاميذ مجتمعين ليكسروا خبزًا، خاطبهم بولس وهو مزمع أن يمضي في الغد، وأطال الكلام إلى نصف الليل} (أع 7:20). استمرت العظة حتى منتصف الليل، وذلك لأن الرسول كان يستعد للسفر، وكان الكل مشتاقًا إلى كلمة الله. وكأن كلمات الوداع للرسول وتقديم كلمة الله كمصدر خلاص وتعزية لهم { وكان شاب اسمه افتيخوس جالسًا في الطاقة متثقلاً بنوم عميق، وإذ كان بولس يخاطب خطابًا طويلاً غلب عليه النوم، فسقط من الطبقة الثالثة إلى أسفل وحُمل ميتًا} (أع 9:20). لقد أراد  إبليس أن يسبب اضطرابًا بسقوط هذا الشاب ميتًا، لكن الله بعنايته الفائقة حول الأمر لمجده وبنيان الكنيسة واقامه بولس من الموت وبلا شك أن إقامة الشاب قد خلقت جوًا من البهجة وفرصة لأحاديث وأسئلة حول الحياة الإيمانية الحية والقيامة وقد تقوى إيمان الكثيرين.

+ السفر إلى ميليتس...

سافر القديس بولس من ترواس برا ويبرر البعض ذهابه مشيًا مع ترك رفاقه أن يذهبوا بحرًا، أنه مع محبته العظيمة لأصدقائه، لكنه بين الحين والآخر يفضل السير وحده ليختلي مع الله. آخرون يرون أنه في محبته لرفاقه كان يختار لهم الطريق السهل المريح، بينما يختار لنفسه الطريق الشاق، ليمارس نوعًا من الإماتة وبذل الذات، مخضعًا جسده للآلام كشركة مع آلام السيد المسيح {  وأما نحن فسبقنا الى السفينة و اقلعنا الى اسوس مزمعين أن نأخذ بولس من هناك لأنه كان قد رتب هكذا مزمعا ان يمشي. فلما وافانا إلى اسوس اخذناه واتينا إلى ميتيليني. ثم سافرنا من هناك في البحر واقبلنا في الغد إلى مقابل خيوس وفي اليوم الاخر وصلنا الى ساموس وأقمنا في تروجيليون ثم في اليوم التالي جئنا إلى ميليتس. لان بولس عزم أن يتجاوز افسس في البحر لئلا يعرض له أن يصرف وقتا في آسيا لأنه كان يسرع حتى إذا أمكنه يكون في أورشليم في يوم الخمسين.} ( أع 13:20-16). ميليتس تدعى أيضا ميلتيرن هي مدينة وميناء بحرى، عاصمة ايونيا القديمة تميزت بمعبدها الضخم للإله أبوللو. يدعوها الأتراك حاليا ميلاس. وهي مسقط رأس تاليس أحد حكماء اليونان السبعة.

+ أجتماع بالكهنة في ميليتس..

 استدعى القديس بولس واستدعى قسوس كنائس أفسس، وقد قطعوا رحلة لا تقل عن 20 ميلاً وحدثهم في عظة وداعية رعوية لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه  مقدمًا نفسه مثلاً عمليًا في الرعاية  {فلما جاءوا إليه قال لهم انتم تعلمون من أول يوم دخلت اسيا كيف كنت معكم كل الزمان. اخدم الرب بكل تواضع ودموع كثيرة وبتجارب أصابتني بمكايد اليهود. كيف لم أؤخر شيئا من الفوائد إلا واخبرتكم وعلمتكم به جهرا وفي كل بيت. شاهدا لليهود واليونانيين بالتوبة الى الله والإيمان الذي بربنا يسوع المسيح. والان ها أنا أذهب إلى اورشليم مقيدا بالروح لا أعلم ماذا يصادفني هناك. غير أن الروح القدس يشهد في كل مدينة قائلا ان وثقا وشدائد تنتظرني. ولكنني لست أحتسب لشيء ولا نفسي ثمينة عندي حتى أتمم بفرح سعيي والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع لأشهد ببشارة نعمة الله. والان ها انا اعلم انكم لا ترون وجهي أيضا انتم جميعا الذين مررت بينكم كارزا بملكوت الله. لذلك أشهدكم اليوم هذا أني بريء من دم الجميع. لأني لم أؤخر أن أخبركم بكل مشورة الله. احترزوا اذا لانفسكم ولجميع الرعية التي اقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه.لاني اعلم هذا أنه بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية. ومنكم أنتم سيقوم رجال يتكلمون بامور ملتوية ليجتذبوا التلاميذ وراءهم. لذلك اسهروا متذكرين أني ثلاث سنين ليلا ونهارا لم أفتر عن أن أنذر بدموع كل واحد. والآن أستودعكم يا إخوتي لله و لكلمة نعمته القادرة أن تبنيكم وتعطيكم ميراثا مع جميع المقدسين. فضة أو ذهب أو لباس أحد لم أشته. أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات  الذين معي خدمتها هاتان اليدان. في كل شيء اريتكم انه هكذا ينبغي أنكم تتعبون وتعضدون الضعفاء متذكرين كلمات الرب يسوع انه قال مغبوط هو العطاء اكثر من الاخذ. ولما قال هذا جثا على ركبتيه مع جميعهم وصلى. و كان بكاء عظيم من الجميع و وقعوا على عنق بولس يقبلونه. متوجعين ولا سيما من الكلمة التي قالها انهم لن يروا وجهه ايضا ثم شيعوه الى السفينة} (أع 17:20-38). أنه حديث بولس يحمل روح الأبوة الحانية، يكشف عن حياته وتعاليمه. يذكرهم بكيفية سلوكه حين كان في وسطهم. فقد عاش بينهم لمدة ثلاث سنوات (أع 20: 30)، وحتمًا لمسوا كيف يكرس حياته لخدمة الله والإنجيل، وإيمانه الحي وإخلاصه في محبته لله ولهم.وما يشغله هو مجد الله وبنيان كنيسته وتأسيس ملكوته في قلب كل إنسان. لا يداهن ولا يجامل على حساب خلاص النفوس، وفي نفس الوقت لا يخدم في اعتدادٍ بنفسه، بل كل تواضعٍ ودموعٍ كثيرةٍ وبتجاربٍ. إنه يشارك سيده تواضعه واحتماله التجارب والآلام من أجل محبته للبشرية. ولم يكف عن أن يقدم كل ما فيه نفع لهم، فهو مخلص في محبته وسعيه لسعادتهم في الرب، والتمتع بالمجد الداخلي. لم يخدم عن تعصبٍ، ولا عن زيادة عدد، ولا لافتخارٍ بالنجاح، وإنما في أبوة يطلب ما هو لبنيان المؤمنين.

+  أمران كانا يشغلان فكر الرسول وهما التوبة والإيمان. فيشهد بإيمانه بالسيد المسيح أمام كل البشرية، أما عن التوبة فهي العودة إلى الله لأن الخطية في الواقع موجهة ضد الله القدوس الذي بلا خطية فتسحب الإنسان من الحضرة الإلهية. كان الرسول بولس ذاهبًا إلى أورشليم حسب التدبير الإلهي وبتوجيه الروح القدس له. فهو لا يُلقي بنفسه وسط التجارب بإرادته الذاتية أو عن اعتداد بذاته أو بحكمته أو قدرته. ولم يذهب شوقًا لرؤية مدينة آبائه، أورشليم، ولا للعبادة في الهيكل اليهودي، إنما كمن يقيده الروح ويشهد الروح القدس سواء بالإعلان المباشر له أو نبوات التي يسمعها من أناسٍ لهم موهبة النبوة كما جاء في (أع 21: 11) أنه سيقيد ويدخل في شدائد وليس شيء من كل الشدائد يمكن أن تنزع عن الرسول بولس فرحه وسلامه الذي يرافقه عبر كل جهاده، حاسبًا أن حياته الزمنية ذبيحة حب لله. كل ما يشغله أن يحقق هدفه، ويتمم خدمته التى تسلمها من الرب نفسه شاهدًا ببشارة نعمة الله. وشهد الرسول بولس أنه كان مخلص في خدمته ولم يقصر في حق أحدٍ منهم، وهم شهودًا في يوم الدينونة على أمانته وإخلاصه. فهو لم يمتنع عن تقديم مشاورة الله وإرادته التي تطلب خلاص الجميع كان الإنجيل بالنسبة له مفتوحًا، يقدمه كما هو للجميع، لا يخشى الاضطهادات، ولا يطلب أمجاد زمنية وكرامات. لم يخفِ شيئًا من الحق، بل قدمه بكل صراحة بغير تزييف، في بساطة ووضوح دون فلسفة بشرية. وعليهم أن يهتموا بكنيسة الله التي اقتناها بدمه لقد دعاهم الله وأقامهم الروح القدس للخدمة والرعاية.

+  يتنبأ القديس بولس عن ظهور معلمين كذبة، أشبه بالذئاب الخاطفة التي لا تبالي بالخراف، بل تفترس وتُهلك، إذ يطلب المعلمون كرامتهم الزمنية، و يتشبثون بإرادتهم الذاتية. كل ما كان يشغل الكثيرين منهم هو المجادلة لا لبلوغ الحق، وإنما لحب الجدال في ذاته. والخطر الذي يصدر من الداخل أصعب بكثير من الذي يأتي من الخارج، خاصة أن صدر عن معلمين أو خدام داخل الكنيسة. ذكر الرسل أسماء أشخاص أساؤوا إلى كنيسة الله من الداخل، مثل ديوتريفس (3 يو 9)، فيجيلوس أو هيرموجينس (2 تي 1: 15)، وهيمينيس والكسندر (1 تي 1: 20). هؤلاء الذين بسبب الطمع أو حب الكرامة كوَّنوا تحزبات داخل الكنيسة سببت انشقاقات. الكنيسة لا ترهب العدو الخارجي مادام الداخل مقدسًا في الرب. لم يكف الرسول بولس عن دعوتهم للسهر، وكما يكتب إلى أهل تسالونيكي: {لا ننم إذا كالباقين بل لنسهر ونصح، لأن الذين ينامون فبالليل ينامون، والذين يسكرون فبالليل يسكرون، وأما نحن الذين من نهارٍ، فلنصحُ، لابسين درع الإيمان والمحبة وخوذة هي رجاء الخلاص}(1 تس 6:5-8),

+  إذ لم تعد هناك فرصة للقاء آخر معهم سلم حياتهم في يدي الله وتحت حمايته ورعايته، ولكلمة نعمته ووعود الله الصادقة المجانية، تحفظهم من التجارب وتبنيهم وتهيئهم للميراث الأبدي في شركة مع القديسين. ما يشغل ذهن الرسول بولس على الدوام الميراث المُعد وبعد أن أوصاهم بخصوص الاهتمام بخلاص أنفسهم وخلاص الرعية، قدم حياته درسًا عمليًا في التعب بعمل اليدين، لا لإشباع احتياجاته فحسب، بل ولكي ينفق على من معه، وعلى الضعفاء المحتاجين. وكان قانون حياته كلمات السيد المسيح: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ". ثم جثا على ركبتيه معهم وصلى ليتركهم في يد الله،  لم يصلِ فقط من أجلهم بل وصلى معهم، ليقدم الكل صلاة جماعية، إنها صلاة وداعية جاءت بعد الحديث الوداعي، لكي تبقى البصمات الأخيرة في ذهنهم، أنه لا طريق للنجاة إلا بالصلاة ثم شيعوه إلى السفينة وهم يرونه كمن ينطلق من بينهم إلى السماء، لن يروه بعد إلا مع رب المجد يسوع حين يأتي على السحاب، ليضم كنيسته إليه، وينطلق بها إلى حضن الآب.

صلاة للتوبة والإيمان ...

+ أيها الرب الهنا الذى يريد أن الكل يخلصون والى معرفة الحق يقبلون، توبنا فنتوب ونقلع عن كل الخطايا والآثام والذنوب ونرجع إليك من كل القلوب، نبكي بعدنا ونعترف بخطايانا ونؤمن بمحبتك الالهية ونسلم حياتنا لقيادتك الأمينة ونحيا الإيمان العامل بالمحبة.

+ أيها المسيح رئيس الكهنة الأعظم، الذى بذل ذاته عنا خلاصنا وأقتنانا بدمه، لنكون كنيسة مقدسة بلا عيب ولا دنس، أرعانا وأرشدنا لنسلك كما يحق للدعوة المقدسة التي إليها دُعينا نسلك بكل تواضع القلب وطول الأناة مسرعين الي حفظ وحدانية الروح برباط الصلح الكامل والإيمان وحسب دعوتك المقدسة وعلي خطي رسلك القديسين.

 ياروح الله القدوس، أبعث فينا روح التوبة والرجوع اليك، وانهض قلوبنا بنار المحبة الإلهية لنثمر ثمار البر والتقوى وننقاد متقوين في الروح، نامين في النعمة وعاملين إرادتك المقدسة كل حين، فرحين في الرب وصابرين في الضيقة ومواظبين على الصلاة، أمين 

الاثنين، 14 ديسمبر 2020

64- القديس بولس الرسول والرحلة التبشيرية الثالثة -1


للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

القديس بولس الرسول والكنيسة فى أفسس

+ قام القديس بولس الرسول برحلته التبشيرية الثالثة لافتقاد وتثبيت المؤمنين والتبشير وتأسيس كنائس جديدة أنطلق من إنطاكية سوريا إلى غلاطية وفيريجية (18: 22-23). اجتاز الرسول بولس تلك النواحي يبشر ويثبت المؤمنين حتي وصل إلي أفسس وقد قضى حوالي ثلاث سنوات فى أفسس (18: 24- 19: 41). وفيها صنع بولس قوات غير معتادة حتى آن كثيرين أمنوا وكان الله يسنده ويشجعه لاحتمال ما يحل به بسبب ثورة الأفسسين عليه هو ومن معه لان إبليس لم يحتمل أن يرى أبناءه الذين أغتصبهم لنفسه يلقون كتب السحر في النار ويرجعوا بالتوبة إلى الآب السماوي نقراء في سفر أعمال الرسل عن الرحلة الثالثة { فَحَدَثَ فِيمَا كَانَ أَبُلُّوسُ فِي كُورِنْثُوسَ أَنَّ بُولُسَ بَعْدَ مَا اجْتَازَ فِي النَّوَاحِي الْعَالِيَةِ جَاءَ إِلَى أَفَسُسَ. فَإِذْ وَجَدَ تَلاَمِيذَ. سَأَلَهُمْ: «هَلْ قَبِلْتُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمَّا آمَنْتُمْ؟» قَالُوا لَهُ: «وَلاَ سَمِعْنَا أَنَّهُ يُوجَدُ الرُّوحُ الْقُدُسُ». فَسَأَلَهُمْ: «فَبِمَاذَا اعْتَمَدْتُمْ؟» فَقَالُوا: «بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا». فَقَالَ بُولُسُ: «إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ قَائِلاً لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ». فَلَمَّا سَمِعُوا اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ. وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ فَطَفِقُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ وَيَتَنَبَّأُونَ. وَكَانَ جَمِيعُ الرِّجَالِ نَحْوَ اثْنَيْ عَشَرَ. ثُمَّ دَخَلَ الْمَجْمَعَ وَكَانَ يُجَاهِرُ مُدَّةَ ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ مُحَاجّاً وَمُقْنِعاً فِي مَا يَخْتَصُّ بِمَلَكُوتِ اللهِ. وَلَمَّا كَانَ قَوْمٌ يَتَقَسُّونَ وَلاَ يَقْنَعُونَ شَاتِمِينَ الطَّرِيقَ أَمَامَ الْجُمْهُورِ اعْتَزَلَ عَنْهُمْ وَأَفْرَزَ التَّلاَمِيذَ مُحَاجّاً كُلَّ يَوْمٍ فِي مَدْرَسَةِ إِنْسَانٍ اسْمُهُ تِيرَانُّسُ. وَكَانَ ذَلِكَ مُدَّةَ سَنَتَيْنِ حَتَّى سَمِعَ كَلِمَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ جَمِيعُ السَّاكِنِينَ فِي أَسِيَّا مِنْ يَهُودٍ وَيُونَانِيِّينَ. وَكَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ. حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ.} (أع 1:19-12).

+ مدينة أفسس ومعبدها .. كانت أفسس ملتقى لشعوب وحضارات مختلفة كعاصمة لآسيا الصغرى وقد بناها أندروكليس الأثيني،وهي مدينة ذات طبيعة غنية في أرضها وأنهارها ومينائها، امتازت بالخصوبة والتجارة وكانت ملتقى طرق ومكتظة بالأبنية الفخمة، تفاخر بها أثينا. أعظم الأبنية فيها هو هيكل أرطاميسArtemis ، والمعروف بـمعبد دياناDiana . كان طول  الهيكل 425 قدمًا وعرضه 220 قدمًا، وارتفاع العمود 60 قدمًا، وعدد الأعمدة 127 عامودًا، وكان تمثالها في داخل الهيكل بدائيًا يمثل آلهة الصيد، به بروزات عديدة بشكل الثدي، تعبيرًا عن الخصوبة. كان المتعبدون له يعتقدون أنه هبط من السماء. وهو أحد عجائب الدنيا السبع، وعند زيارة الاسكندر الأكبر له طلب أن يُنقش اسمه عليه، فرفض الأفسسيون في تشامخ. وبقي هكذا حتى أيام القديس بوليكاربوس. لكن اقتحمه الغوطيون الذين نزحوا من وراء الدانوب، وهدموه حتى الأساس، وانمحت معالمه، فلا يُعرف موقعه تمامًا. وقد تبارى صناع الفضة في عمل تماثيل مصغرة وهياكل مصغرة من الفضة يشتريها العباد والسياح، وكان ذلك مصدر رزق ليس بقليل (أع 19: 24-25). وقد عُثر على نقود في ذلك الموضع نُقش عليها من جانب هيكل أرطاميس.

+ جاء القديس بولس الرسول إلى أفسس حوالي عام 54 أو 55م ومكث هناك حوالي ثلاث سنوات حسب قوله { ثلاث سنين ليلاً ونهارًا لم أفتر عن أن أنذر بدموع كل واحد} (أع 20: 31). وقد كانت الباكورة إيمان وعماد أثني عشر شخص يرى البعض أن هؤلاء الاثنى عشر كانوا قد آمنوا بأن المسيح قد جاء لكنهم لم يتعرفوا على حلول الروح القدس وكانت قلوبهم مستعدة لقبول الروح القدس والتمتع بالميلاد الثاني لكنهم لم يجدوا من يكرز لهم بذلك. كانوا في حاجة إلى قبول ختم الروح القدس الذي وهب للكنيسة كي ينير لهم الحق، ويثبتوا في تعليم المسيح، ويهبهم ثمر الروح الذي هو الشركة في الطبيعة الإلهية، فيتمتعوا بالحب والفرح والسلام والتعفف والصلاح ويسيروا بالروح. بعد ان عمدهم القديس بولس وضع الرسول يديه عليهم لينالوا سرّ التثبيت، وقد نالوا بعض مواهب الروح مثل التكلم بألسنة والتنبؤ. لقد أنعم الله عليهم بالمواهب للتأكد من التمييز بين معمودية يوحنا ومعمودية باسم يسوع المسيح. كامتداد ليوم البنطقستي وفاعليته إلى مدى الدهور.

 +   كعادته بدأ القديس بولس الخدمة في أفسس في المجمع اليهودي، مقدمًا لهم الإنجيل، ليجمع خراف بيت إسرائيل الضالة، المشتتة على الجبال. وهو في هذا كان يقتدي بالسيد المسيح. كان يشترك معهم في العبادة داخل المجمع لينزع عنهم روح الإجحاف، ويستميلهم نحوه لعله يكسبهم وكان يشاركهم عبادتهم في أيام السبوت، حتى تتكون كنيسة العهد الجديد في المدينة وينقل المؤمنين للعبادة في يوم الأحد. بقي لمدة ثلاثة شهور في حوار معهم دون يأس ولا ملل. كان حديثه معهم طوال الثلاثة أشهر يركز على "ملكوت الله" الذي يؤسسه في قلوب البشر، ليهبهم الحياة المطّوبة، ويجعل من أعماقهم أيقونة السماء. كان يصحح مفاهيمهم عن مملكة المسيا الذي كانوا ينتظرونه، إنها ليست مملكة زمنية أرضية، بل مملكة من السماء روحية. كان يحاججهم، أي يدخل معهم في حوار، ويقدم لها براهين من الكتاب المقدس، ويجيب على اعتراضاتهم، ويقدم لهم أسئلة ويتقبل إجاباتهم. لم يطالبهم بالإيمان دون تفكيرٍ بل "مقنعًا" إياهم بدلائل عقلية وفهم. ومن ثم هاج البعض على بولس فاستخدم  بولس ومن معه مدرسة تيرانس للكرازة لمدة سنتين.

+ خدمة القديس بولس في مدرسة تيرانس .. إذ قسى البعض قلوبهم وقاوموا كلمة الحق لمدة ثلاثة شهور بالرغم من الجهود التي بذلها معهم ترك المجمع اليهودي، وسحب معه الذين أمنوا، ليتتلمذوا على يديه يوميًا في مدرسة تيرانس ويمارسوا الصلاة فيها ككنيسة. يعتقد البعض إنها مدرسة فلسفية للأمم تنتمى لتيرانس، وهو شخص كان له مركز كبير. لقد انسحب القديس بولس من المجمع ليس فقط حفظ تلاميذه من العثرة، وإنما لأعطاه الفرصة للقاء مع التلاميذ يوميًا. هذا وقد انفتح الباب للإيمان أمام الكثيرين، ففي المجمع اليهودي لم يكن ممكنًا أن يحضر سوى اليهود والدخلاء، أما في المدرسة، فكان يمكن لليهود كما للأمم أن يدخلوا أبواب الحكمة الإنجيلية المفتوحة لكل البشرية ولمدة سنتين { حتى سمع كلمة الرب يسوع جميع الساكنين في آسيا، من يهود ويونانيين}( أع 10:19). في هذه المدة أسس بولس الرسول كنائس في كولوسي ولاودكية وهيرابوليس (كو 2: 1؛ 4: 13)، وبعض الكنائس الأخرى التي في آسيا الصغرى والواردة في سفر الرؤيا (رؤ 2: 3).إذ كان كثيرون يحضرون إلى أفسس بكونها عاصمة آسيا، لممارسة العبادة أو للتجارة أو للتعليم أو للقضاء، كانوا يسمعون عن الرسول بولس فيستمعون إليه. وهكذا الشعب الجالس في الظلمة رأى نور شمس البرّ، ربنا يسوع مشرقًا عليهم.

 + صنع الله على يدي بولس قوات غير المعتادة و ثبت الله كرازة الرسول بولس وتعليمه، وفي أفسس وُجد بولس مقاومة شديدة وشتائم من اليهود والأمم، لهذا كان الله يصنع على يدي بولس قوات غير معتادة {حتى كان يؤتى عن جسده بمناديل أو مآزر إلى المرضى، فتزول عنهم الأمراض، وتخرج الأرواح الشريرة منهم}( أع 12:19). إذ كان الشيطان يعمل بكل قوةٍ خلال عظمة أرطاميس، سند الرب كنيسته فأعطى الرسول أن يصنع قوات غير معتادة (أع 19: 11-12)؛ وكان اسم يسوع يتعظم (أع 19: 17)، وجاء كثيرون بكتب السحر ويحرقونها أمام الجميع، قُدرت أثمانها خمسين ألفًا من الفضة. هكذا كانت كلمة الرب تنمو وتقوى بشدة (أع 19: 19-20). كان القديس بولس هو الأداة المقدسة التي يستخدمها الله وقد قدس الله ليس فقط جسده بل وحتى المناديل والمآزر التي على جسمه الضعيف، كانت توضع على المرضى ومن بهم أرواح شريرة فيشفوا. وأكد الله أنه أعطاهم سلطانًا على الأرواح النجسة وأن يشفوا كل الأمراض (مت 10: 1). وعندما شرع قوم من اليهود الطوافين ان يستخدموا اسم يسوع المسيح وبولس من أجل الكسب المادي ولعمل السحر وظنوا أنهم يمارسون هذا العمل بقوة اسم يسوع الذي يكرز به بولس،لاخراج الشياطين فاستهزاء بهم أبليس وغلبهم {  فَقَالَ الرُّوحُ الشِّرِّيرُ لَهُمْ: «أَمَّا يَسُوعُ فَأَنَا أَعْرِفُهُ وَبُولُسُ أَنَا أَعْلَمُهُ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَمَنْ أَنْتُمْ؟».فَوَثَبَ عَلَيْهِمُ الإِنْسَانُ الَّذِي كَانَ فِيهِ الرُّوحُ الشِّرِّيرُ وَغَلَبَهُمْ وَقَوِيَ عَلَيْهِمْ حَتَّى هَرَبُوا مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ عُرَاة وَمُجَرَّحِينَ. وَصَارَ هَذَا مَعْلُوماًعِنْدَ جَمِيعِ الْيَهُودِ وَالْيُونَانِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي أَفَسُسَ. فَوَقَعَ خَوْفٌ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَكَانَ اسْمُ الرَّبِّ يَسُوعَ يَتَعَظَّمُ. وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ.وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ السِّحْرَ يَجْمَعُونَ الْكُتُبَ وَيُحَرِّقُونَهَا أَمَامَ الْجَمِيعِ. وَحَسَبُوا أَثْمَانَهَا فَوَجَدُوهَا خَمْسِينَ أَلْفاً مِنَ الْفِضَّةِ. هَكَذَا كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ تَنْمُو وَتَقْوَى بِشِدَّةٍ.} ( أع 15:19-20). لقد استخدم الله الصالح الأحداث لبنيان الكنيسة، إذ وقع خوف الرب على جميع اليهود والأمم الساكنين في أورشليم، وتعظم اسم الرب يسوع أمام كثيرين. وأدرك كثير من السحرة وهواة الأعمال السحرية ضعف قوة إبليس وكل جنوده أمام اسم الرب يسوع متى صدر عن قلب له شركة معه ونفس مقدسة له. في جدية جاء كثيرون بكتب السحر التي كانوا يستعملونها فكانوا يحرقونها علانية، دون أية اعتبار لأثمانها. لقد حرقوا كتب السحر علانية أمام الجميع، معلنين توبتهم معترفين بخطاياهم. قدموا كل رصيدهم، كتب السحر الثمينة، ليعلنوا عدم الرجوع إلى السحر، ما كانوا يظنونه مصدر رزقهم بل وغناهم لم يعد ذات قيمة بل صار أشبه بمرض يريدون الخلاص منه. ولعل حرق الكتب علانية كان تعبيرًا عن روح الفرح بالنصرة على عدو الخير والبهجة بخلاص السيد المسيح.

+  اضطراب في أفسس ... كان صناعة هياكل صغيرة من الفضة أو تماثيل للآلهة أرطاميس تجارة مربحة للغاية. وإذ نجحت خدمة الرسول بولس انهارت هذه التجارة، لذلك عقد شخص يدعى ديمتريوس اجتماعًا لصانعي التماثيل الفضية، وأوضح لهم الخطر الذي يحدق بهم. لم يلجأ ديمتريوس إلى الحكام أو القضاة، بل إلى أصحاب المصالح المادية والعمال الذين كل ما يشغلهم في هذه العبادة مكسبهم المادي. واستطاع أن يهيج المدينة على القديس بولس ومن معه يكشف ديمتريوس عن مدى الخطورة التي تحل بهم، حيث أن انتشار الإيمان حتمًا يسبب غلق متاجر هؤلاء الصناع، وتبطل صياغة هيكل أرطاميس الفضية. ضخم الصناع الأمر ليس بفقدان مصدر رزقهم، وإنما بأنها إهانة لآلهتهم الباطلة. ولكي يثيرهوم دينيًا أعلن ديمتريوس لهم أن ما هو أخطر أنه يهين الإلهة التي تتعبد لها جميع آسيا والمسكونة. { فَجَمَعَهُمْ وَالْفَعَلَةَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ سِعَتَنَا إِنَّمَا هِيَ مِنْ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ. وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَتَسْمَعُونَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفَسُسَ فَقَطْ بَلْ مِنْ جَمِيعِ أَسِيَّا تَقْرِيباً اسْتَمَالَ وَأَزَاغَ بُولُسُ هَذَا جَمْعاً كَثِيراًقَائِلاً: إِنَّ الَّتِي تُصْنَعُ بِالأَيَادِي لَيْسَتْ آلِهَةً. فَلَيْسَ نَصِيبُنَا هَذَا وَحْدَهُ فِي خَطَرٍ مِنْ أَنْ يَحْصُلَ فِي إِهَانَةٍ بَلْ أَيْضاً هَيْكَلُ أَرْطَامِيسَ الإِلَهَةِ الْعَظِيمَةِ أَنْ يُحْسَبَ لاَ شَيْءَ وَأَنْ سَوْفَ تُهْدَمُ عَظَمَتُهَا هِيَ الَّتِي يَعْبُدُهَا جَمِيعُ أَسِيَّا وَالْمَسْكُ. فَلَمَّا سَمِعُوا امْتَلأُوا غَضَباً وَطَفِقُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: «عَظِيمَةٌ هِيَ أَرْطَامِيسُ الأَفَسُسِيِّينَ». فَامْتَلأَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا اضْطِرَاباًوَانْدَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى الْمَشْهَدِ خَاطِفِينَ مَعَهُمْ غَايُوسَ وَأَرِسْتَرْخُسَ الْمَكِدُونِيَّيْنِ رَفِيقَيْ بُولُسَ فِي السَّفَرِ. وَلَمَّا كَانَ بُولُسُ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَ الشَّعْبِ لَمْ يَدَعْهُ التَّلاَمِيذُ. وَأُنَاسٌ مِنْ وُجُوهِ أَسِيَّا كَانُوا أَصْدِقَاءَهُ أَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ إِلَيْهِ أَنْ لاَ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ إِلَى الْمَشْهَدِ. وَكَانَ الْبَعْضُ يَصْرُخُونَ بِشَيْءٍ وَالْبَعْضُ بِشَيْءٍ آخَرَ لأَنَّ الْمَحْفَلَ كَانَ مُضْطَرِباً وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَدْرُونَ لأَيِّ شَيْءٍ كَانُوا قَدِ اجْتَمَعُوا!. فَاجْتَذَبُوا إِسْكَنْدَرَ مِنَ الْجَمْعِ وَكَانَ الْيَهُودُ يَدْفَعُونَهُ. فَأَشَارَ إِسْكَنْدَرُ بِيَدِهِ يُرِيدُ أَنْ يَحْتَجَّ لِلشَّعْبِ. فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ يَهُودِيٌّ صَارَ صَوْتٌ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمِيعِ صَارِخِينَ نَحْوَ مُدَّةِ سَاعَتَيْنِ «عَظِيمَةٌ هِيَ أَرْطَامِيسُ الأَفَسُسِيِّينَ!». ثُمَّ سَكَّنَ الْكَاتِبُ الْجَمْعَ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَفَسُسِيُّونَ مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ أَنَّ مَدِينَةَ الأَفَسُسِيِّينَ مُتَعَبِّدَةٌ لأَرْطَامِيسَ الإِلَهَةِ الْعَظِيمَةِ وَالتِّمْثَالِ الَّذِي هَبَطَ مِنْ زَفْسَ؟. فَإِذْ كَانَتْ هَذِهِ الأَشْيَاءُ لاَ تُقَاوَمُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ وَلاَ تَفْعَلُوا شَيْئاً اقْتِحَاماً. لأَنَّكُمْ أَتَيْتُمْ بِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وَهُمَا لَيْسَا سَارِقَيْ هَيَاكِلَ وَلاَ مُجَدِّفَيْنِ عَلَى إِلَهَتِكُمْ. فَإِنْ كَانَ دِيمِتْرِيُوسُ وَالصُّنَّاعُ الَّذِينَ مَعَهُ لَهُمْ دَعْوَى عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّهُ تُقَامُ أَيَّامٌ لِلْقَضَاءِ وَيُوجَدُ وُلاَةٌ فَلْيُرَافِعُوا بَعْضُهُمْ بَعْضاً. وَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ شَيْئاً مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ أُخَرَ فَإِنَّهُ يُقْضَى فِي مَحْفِلٍ شَرْعِيٍّ.لأَنَّنَا فِي خَطَرٍ أَنْ نُحَاكَمَ مِنْ أَجْلِ فِتْنَةِ هَذَا الْيَوْمِ. وَلَيْسَ عِلَّةٌ يُمْكِنُنَا مِنْ أَجْلِهَا أَنْ نُقَدِّمَ حِسَاباً عَنْ هَذَا التَّجَمُّعِ». وَلَمَّا قَالَ هَذَا صَرَفَ الْمَحْفَلَ} (أع 25:19-41). أراد القديس بولس الرسول أن يدخل  وسط الجماهير ليتحدث معهم مدافعًا عن نفسه وعن صديقيه، أو ليشهد لهم بطريق أو آخر عن الإنجيل. لكن منعه المؤمنين خوفا عليه ومعهم قادة عقلاء من هناك وكانوا أصدقاء له فأرسلوا إليه ألا يسلم نفسه، إذ أدركوا خطورة الموقف وكان يلزم امتصاص غضب الجماهير حتى يمكن السيطرة على الموقف دون أن يهلك الرسول ورفقاؤه. لعل تلاميذ الرسول وهؤلاء الوجوه رأوا أن تسليم بولس نفسه للجماهير يلهب الموقف بالأكثر، فستعامله الجماهير بعنفٍ شديدٍ وقد تقتله، وليس بذات المعاملة التي يعاملون بها رفيقيه غايس وارسترخس. فالأفضل أن ينتظر حتى يتهيأ الجو للقاء مع الجماهير بعد إقامة محفل للقضاء. وظهر كاتب المدينة أو سكرتير مجلس المدينة، وهو ضليع في القانون وذو ثقافة عالية فتحدث معهم باللغة التي تهدئتهم من ثورتهم، مؤكدًا لهم أن هذه الإلهة العظيمة النازلة من السماء لا يمكن أن يدمرها قلة قليلة جدًا من اليهود. لقد وبخهم على مخاوفهم غير اللائقة بعظمة أرطاميس. وكأنه يقول لهم هذا الهياج يهين العبادة فتظهر وكأنها ضعيفة ومعرضة للخطر بلا سبب. وأكد للجموع الهائجة أنه إن كانت هناك أية شكاوى أخرى، فالقضاء مستعد للاستماع بمحفلٍ شرعيٍ وليس بالهياج والثورة، حتى يمكن تحقيق العدالة وتنفيذ القانون. لان الهياج يسيء إلى سمعة المدينة لدى روما، لأنه بلا ترتيب ولا نظام، ويتجاهل الإجراءات القانونية السليمة. يلزمهم أن يتذكروا أن من يشترك في هياج هكذا يحسب جريمة يعاقب عليها القانون الروماني بالإعدام. وإذ خشي الكثيرون لئلا يُقبض عليهم، ويُحاكموا بجريمة التظاهر والشغب، انسحبوا، فانصرف المحفل كله.

في قيادة الله القدير..

+ يا الله ضابط الكل ومدبر الكون القدير، أنت قادر أن تستخدم الأشخاص والأحداث من أجل مجد اسمك القدوس، أنت قادر أن تقودنا بعين عنايتك وتستخدمنا لصلاحك وأنت صانع الخيرات الرحوم والعامل من أجل خلاص ونجاة كل أحد فاستخدمنا كأواني مقدسة لصنع إرادتك المقدسة كل حين.

+ ايها المسيح الهنا، الراعي الصالح الذي قاد الكنيسة عبر تاريخها الطويل، أنت عملت بالرسل القديسين المعجزات وكرزوا وبشروا باسمك القدوس في كل الأقطار وردوا كثيرين للإيمان فهربت من أمامهم قوات الشر والظلمة، أعمل الآن يا سيد وأسمع واصفح عن ذنب شعبك وأرفع عن العالم وبلادنا الوباء وروح والمرض والضلال واهدنا الى ملكوتك السماوي.

+ يا روح الله القدوس، العامل في الكنيسة و مؤمنيها وأسرارها . قدس شعبك وبارك ميراثك وحرك الأشخاص والأحداث وحتى المواقف العصيبة وتقودنا فيها لمجد اسمك القدوس ولبنيان وخلاص النفوس ولا تدع موت الخطية يقوى علينا بل أبعث فينا روح التوبة والصلاة من أجل خلاص النفوس البعيدة وتقوية الإيمان ومجد أسمك القدوس، امين . 

السبت، 12 ديسمبر 2020

ملكوت الله والاولويات فى حياتنا

للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

إهتمام الإنسان بتوفير حاجاته المادية..
+
  في عالم اليوم ووسط موجات الوباء الغلاء والتضخم وصراعات الحياة نجد الكثيرين يقلقوا ويضطربوا من أجل أمور الحياة الكثيرة ويقضى الإنسان معظم وقته فى توفير متطلبات الحياة المادية وقد يغفل الإهتمام بروحياته وحرصه علي أبديته وإهتمامه بعلاقته بالله وملكوته وينسي أن له آب صالح يهتم باشباع إحتياجاته {  فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟. فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هَذِهِ كُلِّهَا. لَكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللَّهِ وَبِرَّهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ} (مت 13:6-34). ويوضح لنا السيد المسيح أهمية العلاقة الحية والعشرة الصادقة بالله، فلا يقضي المؤمن غالبيه حياتنا لاقتناء الطعام واللباس والمسكن والتعليم، والإهتمام بمطالب الجسد فقط بل عليه أن يهتم بملكوت الله وشبعنا بالله فى توازن وترتيب للأولويات فى حياتنا، فحياتنا وأبديتنا أهم من الماديات الزائلة. والله الذى منحنا هذه الحياة وهذا الجسد، قادر بالطبع أن يهبنا احتياجاتنا المادية ولهذا جاء المسيح متجسدا لتكون لنا حياة أفضل.

+ يقدم لنا السيد المسيح دليل علي إهتمامه حتى بطيور السماء التي تطير مغردة دون أن تقلق لأجل احتياجاتها الجسدية والتخزين للمستقبل، وهو يقوتها يوما فيوما. الإنسان عن الله أفضل من طيور كثيرة يهتم به الله ويعطيه احتياجاته وماذا استفاد المهتمون بالأمور المادية، هل استطاعوا أن يزيدوا طولهم ذراعا واحدة؟ فالله هو الذى يعطى طول الجسد وشكله، ويحفظنا فى ثقتنا به واتكلنا عليه. كما أن زنابق الحقل، ولا سليمان الملك، رغم عظمته وكثرة أمواله، لم تصل ملابسه إلى جمال هذه الأزهار، مع أنها مجرد أعشاب تنمو لبضعة شهور ثم تذبل. الإنسان ذو  قيمة عظيمة فى نظر الله أعظم من الطيور وزهور الحقل ؟. لقد تجسد الإبن الكلمة وبذل ذاته فداءا عنا ليهبنا الخلاص، وليس هذا مدعاة للكسل أو التهاون بل علينا أن نعمل بجد وإجتهاد ونستثمر الوزنات المعطاة لنا فى توازن بين إشباع أرواحنا وأجسادنا ونفوسنا ونمو علاقتنا بالله والناس.

+ علينا أن نطلب أولا ملكوت الله وبره بأن يملك الله على قلوبنا ونتمتع بعشرته، ويملك علي البعيدين ويقربهم اليه ونسعى فى طلب البر واثقين أن أمور الحياة يوفرها الله لنا. ولا ننسى أن هدفنا الأسمي هو الله، نعطيه القلب والأولوية فى وقتنا وأعمالنا وتفكيرنا ومحبتنا. هكذا قدم إبراهيم أبو الآباء أبنه وحيده علي المذبح معطيا الله الأولوية حتى على أبنه من أجل ذلك راينا الله يمنعه أن يمد يده عليه وقدم له حمل محرقه عوض عن أبنه وباركه الله. ولهذا قال القديس بطرس الرسول والرسل { فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَالرُّسُلُ: «يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ }(اع  5 :  29)

+ ترتيب اولويات حياتنا...

+ مع إهتمامات الإنسان الكثيرة والإنفتاح علي عالم الميديا والنت والموبيل والطفرة فى عالم الأخبار، تشتت فكر الانسان وأدمن البعض الجلوس مع الميديا دون العالم الواقعي أو عالم الكتاب وأهمل البعض الحياة الروحية وكثرت متطلبات الحياة وأصبح الإنسان عرضة لضياع الهدف أو يضع البعض أهداف وقتية زائلة تعطل مسيرتهم نحو الله والأبدية. وحتى فى زمن السيد المسيح كانت مرثا مرتبكة من أجل أمور كثيرة وطلبت مساعدة أختها لها ولهذا عاتبها السيد { فَأَجَابَ يَسُوعُ: «مَرْثَا مَرْثَا أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ. وَلَكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ. فَاخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا»} (لو 41:10-42). رغم أهميته ما كانت تعمله مرثا فى إعداد الطعام الضرورى للحياة الجسدية، لكنها إنهمكت فيه ذلك بمبالغة، لدرجة أنها اضطربت، فعاتبها المسيح. وهو طبعاً يقدر محبتها واهتمامها بتكريمه، ولكن الإنشغال الزائد يربك الإنسان. وقد يكفي صنف واحد أو أثنين من الطعام الضروري لاسيما فى الصوم للتفرغ للعمل الروحي وعدم الأضطراب وضياع الوقت والمال في أعداد أطعمة تضر بالصحة أحيانا كثيرة. والكتاب ينصحنا قائلاً { لقمة يابسة ومعها سلامة خير من بيت ملان ذبائح مع خصام }(ام 17 : 1). لقد اختارت مريم النصيب الصالح، وهو الجلوس عند أقدام السيد المسيح وسماعه وهذا الاختيار هو الذى يشبع النفس ويخلصها. وهو الذى يوصل المسيحي إلى الملكوت الأبدي ومع تقدير المسيح للأعمال العالمية المفيدة وكل الخدمات المادية والروحية، مثل مساعدة المرضى، والمسنين، وإعالة الفقراء مادياً، لكنها لا تغنى الخادم أو الإنسان الروحي عن علاقته الشخصية بالمسيح ومحبته والصلاة وقراءة الكتاب المقدس.

 + من الأشياء الهامة والضرورية للنجاح والتفوق فى الحياة ان نرتب أولويات حياتنا ونعطيها الإهتمام والوقت الكافى، فنقوم بعمل الأشياء المهمة فالأقل أهمية. فليس من المعقول ان يسوق أحد سيارته هائما على وجهه فى الطرق ويتمنى الوصول سريعا الى نقطة وصول محددة. ففى هذا مضيعة للوقت والجهد والمال. فلا نعطي الشئ الاقل أهمية او بلا فائدة الوقت الكثير أو نمضى الوقت فى ما لايفيد ونطمح فى تحقيق النجاح والسعادة. ان من يعمل ما يفيد يتخلص مما لا يفيد والعكس صحيح. الله يدعونا للتفكير والتخطيط السليم لبناء حاضر سليم ومستقبل أفضل وأبدية سعيدة { ومن منكم وهو يريد ان يبني برجا لا يجلس اولا ويحسب النفقة هل عنده ما يلزم لكماله. لئلا يضع الاساس ولا يقدر ان يكمل فيبتدئ جميع الناظرين يهزاون به. قائلين هذا الانسان ابتدا يبني ولم يقدر ان يكمل} (لو 28:14-30). فالإنسان الروحى الذى يريد أن يبنى برج، أى علاقة روحية تربطه بالسماء، ينبغى أن يضع الأساس وهو الإيمان بالمسيح والجهاد الروحي فى الصلاة والصوم والتوبة بانسحاق، حتي لا تهزأ الشياطين به. فدعوة المسيح لحساب النفقة ليس تخويف لتابعيه من صعوبة الطريق، لكن ليدفعهم للأستعداد ووضع أهداف روحية وعمليه سليمه لحياتهم فيضمنوا الوصول للملكوت والتمتع بعشرته المفرحة دائماً.

+ ويوصينا الكتاب المقدس بان نهتم بخلاص نفوسنا وعلاقتنا بالله والناس فى توازن وتكامل فى حياتنا، ففى مثل الغني الغبي الأناني الذى أهتم فقط بامواله دون علاقته مع الله والناس راينا كيف خسر حياته الابدية { فقال له الله يا غبي هذه الليلة تطلب نفسك منك فهذه التي اعددتها لمن تكون } (لو 12 : 20). فلو ربحنا العالم وخسرنا أنفسنا فنحن نسير فى طريق خاسر{ ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه او ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه} (مت 16 : 26). ولو تصورنا أن إنسان مَلَكَ أو ربح العالم لكن خسر أبديته فقد أضاع نفسه وأهلكها ولا شئ يساويها أو يعوضها، للإنسان نفس واحدة لا يستطيع أن يستعيدها متي خسرها، نفسك هي أغلى من كل ممتلكات العالم وشهواته، وقد أقتناها المسيح بدمه المسفوك لأجل خلاصها، فلا ينبغي أن يضيع الإنسان أغلى شيء فى الوجود، وهو نفسه، لأجل أية شهوات أو أمور مادية مؤقتة.

 + ترجع أهمية ترتيب الأولويات فى حياة الإنسان لمحدودة الوقت والجهد والإمكانيات. وبترتيب أولويات حياتنا وأعمالنا ومقابلاتنا نستطيع ان نحقق الامور الهامة التي نسعى للقيام بها وبالتخطيط السليم نتفوق ونحقق رسالتنا فى جوانبها الحياتية المختلفة فى تكامل وتعاون للقيام باعمالنا ودورنا كافراد فى الاسرة والعائلة والكنيسة والمجتمع والعمل الذى نقوم به بحكمة مفتدين الوقت. وعلى المؤمن وضع الاهداف التي يريد ان يصل اليها سواء على مستوى الاسبوع او الشهر أو السنة. كل هذا يجعلنا نتقدم وننجح ونسعد. ومع معرفة ميولنا وإمكانياتنا ووزناتنا وتنميتها بالجهد والعرق المتوالي نصل للنجاح والنبوغ بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة نتخطى العقبات وننجح فى كل عمل صالح { لاننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لاعمال صالحة قد سبق الله فاعدها لكي نسلك فيها} (اف 2 : 10(.
 +
بتحديد الأولويات ومعرفة امكانياتنا وتطوير وبناء الذات نجد ان هناك فرق كبير بين حياتنا التي تمضى بدون حساب النفقة وبلا ترتيب ونظام وبين ان نبنى برج النجاح لعلاقات ناجحة تنمو وتفتح أفاق جديدة للسعادة وتحقيق ما لم نكن نحلم به أو نتصوره من تقدم وما العبقرية الإ جهد متواصل تنمو ثماره على مر الزمن وتظهر نتائجه مع اداء الانسان دوره فى مجتمعه فى سعادة. علينا اذا إكتشاف إمكانياتنا وقدراتنا وطاقاتنا وميولنا واستغلالها والمتاجرة والربح بالوزنات المعطاة لنا من الله لهذا مدح الله الذين تاجروا بوزناتهم لهم وربحوا وأدان الى طمر وزنته (مت 19:25-29). لقد منح الله كل منا وزنات ليتاجر ويربح بها ولم يبخل علينا بل أعطي كل وأحد على قد طاقته وسيحاسبنا على ما هو متاح لنا وليس ما هو غير مستطاع مع أننا نستطيع عمل الكثير بالتركيز والنظام والتصميم فى المسيح الذي يقوينا.

+ الله منحنا وزنات ومواهب روحية وجسدية ونفسية ومادية سواء معرفة وحكمة وتعليم وإمكانيات عقلية ومحبة وخدمة وصحة ووقت علينا أن نجاهد بها في حياتنا لنربح. كما أن الله لا يحابي أحدا على حساب آخر، لكنه يعرف طاقة كل واحد فما قدمه لنا الله من مواهب لم يقدمها إعتباطا وإنما هو يعرف ما يناسب كل إنسان لخلاص نفسه وأسرته وخدمة كنيسته ومجتمعه. فلا يتكبر أحد على أصحاب المواهب الأقل ولا يحسد حساب الوزنات الأقل أصحاب المواهب الأكثر، بل نشكر الله ونستثمر ما بين أيدينا. الله يهبنا الحرية والارادة وكل منا مسئول عن إستثمار وزناته (مت14:25-30). ويجب ان ننمى وزناتنا الروحية والعقلية والعملية وعلاقاتنا فما التفوق والعبقرية الا معرفة من الانسان لمواهبه وبالجهد الامين فى تنميتها بمرور الوقت والتراكم المعرفي والزمنى وبالانجازات تصنع المعجزات. اما الكسالى والخاملين فلا مكان لهم فى عالم اليوم ولا حتى فى السماء من أجل تراخيهم وعدم إهتمامهم بخلاص نفوسهم.
المجالات الهامة فى حياة المؤمن..
+
 العلاقة بالله ومحبته والعمل للوصول الى ملكوت السموات يأتي فى أول سلم إهتمامات الانسان الروحي من أجل هذا قال لنا السيد الرب { اطلبوا ملكوت الله وهذه كلها تزاد لكم }(لو 12:31). محبة الله والقريب والنفس هم مثلث راسه محبة الله وضلعيه محبة القريب والنفس كما يقول الكتاب { تحب الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الاولى. وثانية مثلها هي تحب قريبك كنفسك ليس وصية اخرى اعظم من هاتين} (مر 30:12-31). محبتنا لله وطاعتنا لوصاياه وعمل ارادته فى حياتنا والنظر الى الناس والحياة والأشياء فى ضوء الكتاب المقدس وقيادة الروح القدس يجعلنا نسلك فى النور ونكون نور للعالم الجالس فى الظلمة { لان الله لم يعطنا روح الفشل بل روح القوة والمحبة والنصح} (2تي 1 : 7(. علينا أن نكون أناس صلاة من أجل الجميع ليس من أجل خلاص أنفسنا فقط ولكن لمن هم حولنا بل وعالمنا كله { فَأَطْلُبُ أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ انْ تُقَامَ طِلْبَاتٌ وَصَلَوَاتٌ وَابْتِهَالاَتٌ وَتَشَكُّرَاتٌ لأَجْلِ جَمِيعِ النَّاسِ} (1تيم 2:1) كما أنه وأجب علينا أن نتوب ونحاسب أنفسنا ونطلب الرحمة والغفران وعلينا أن نسعي للسلام والمصالحة مع الغير لاسيما أن كان الخطأ قد صدر منا { فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئاً عَلَيْكَ. فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ وَاذْهَبْ أَوَّلاًاصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ.} (مت 23:5-24)
 +
الاهتمام بالحياة الاسرية وبناء اسرة مترابطة قوية سعيده متفاهمة تحيا فى محبة وتعاون وشركة مع الله والكنيسة وتشارك فى المجتمع وتشهد للإيمان كاولوية مهمة فى حياة المؤمن، فقد ينجح الانسان فى العمل ويحقق طموحه الدراسي والمادي دون ان يهتم ببناء بيت سليم، فتتفكك الاسرة أو يفشل الأبناء. وكم من اشخاص تغربوا من أجل تحقيق طموحهم المادي وتركوا زوجاتهم واولادهم دون إهتمام وتسبب ذلك فى العديد من المشكلات التي تسبب لهم التعاسة والفشل لهذا فمن أولويات المؤمن الاهتمام بأهل بيته وأسرته واقربائه وحياتهم الروحية { واما انا وبيتي فنعبد الرب} (يش 24 : 15). علينا التعاون فى تحقيق الإشباع النفسي والروحي والإجتماعي والحرص على النمو السليم لافراد الاسرة مع اشباع حاجتهم للطعام والشراب ومستقبلهم الدراسي والعملي.  ومن النجاح الأسري ينطلق المؤمن الى مجال أوسع للعلاقات الإجتماعية مع العائلة والاقارب والجيران والاصدقاء والزملاء والامتداد بالمحبة والعطاء على قدر طاقتنا وتنمية هذه العلاقات للمرضى والمحتاجين والغرباء والمسجونين وذوى الحاجات الخاصة فهذه اساسيات الدخول لملكوت السموات { من اراد ان يكون فيكم عظيما فليكن لكم خادما} (مت 20 : 26).
 +
الأمانة فى العمل والالتزام به مع الاتزان فى القول والسلوك والعلاقات من المجالات الهامة التي يجب ان يقوم بها المؤمن فى بذل وإخلاص وتفانى حتى وسط أجواء الفساد الاداري والمالي من حولنا فنحن مسؤليين عن خلاص أنفسنا ونسأل عنها أمام الله. وعلينا العمل بامانه ومخافة الله  فى عالم يسوده التنافس وقلة فرص العمل فمهما كانت وظيفتنا، كبرت أو صغرت علينا ان نحب ما نعمل ونعمله بامانة ونتغلب على التحديات والمضايقات بالحكمة والصبر والمثابرة، ومع الوقت لابد ان يظهر معدن الانسان جليا للناس، ونحن في عملنا ننتظر المجازاة من الله الذى يرى فى الخفاء ويجازى علانية.
 +
المؤمن فى كنيسته عضو فعال ومشارك وخادم ناجح على قدر طاقته وعمق محبته وأمانته تجعله محب ومحبوب ويعتمد عليه، كما انه شاهد حي للإيمان العامل بالمحبة فى مجتمعه وبين أصدقائه، يخصص لكل شئ وقت للجد والعمل وقت وللمجاملات والترفيه عن النفس وقت. المؤمن أمين كملح فى الارض لوطنه ويستنير من علاقته بالله وينير الدرب لكثيرين. مع الحرص علي ايجاد توازن وتكامل بين مجالات عمله فى الحياة وأولوياتها والاستجابة للظروف الطارئة والملحة فى حكمة من أجل بناء النفس والغير وعمل الخير والإمتداد نحو حياة صالحة والتطلع نحو الأبدية السعيدة التي يعدها الله لجميع الذين يترجون ظهوره في مجده العتيد،أمين.


السبت، 5 ديسمبر 2020

شعر قصير (108) غرباء راحلون



 

للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

(1)

                         "احفظ بلادنا يارب "      

ياللي وصفت بلادنا مصر كجنة ريا علي الارض

قلت مبارك شعبي مصر وجلتها بالطول والعرض

ووجدت في رحابها الأمان وعهدك انت لا ينقض

اشفي بلادنا من الوباء والمرض والغلاء والبغض

هبنا حكمة ونعمة نعبر بها الأزمات وعودنا يشتد

هبنا سلام وصحة وبامانة  نخدم بعضنا البعض

أنظر للعالم بعين رحمة وحب لا بالغضب والرفض

احفظ بلادنا يارب، الصلاة من أجلها علينا فرض

.........

(2)

" أنا الرب القدير"

لا تخافوا ولا تقلقوا واطمئنوا فأنا معكم كل الأيام

انا الرب القدير ؛ ضابط الكل لا ينعس ولا ينام

أرعى وأحرس واقودكم واخلصكم على الدوام

هل اتكل على أحد فخزي؛ ذاك عهد مني والتزام!

اطلبوني تجدونني؛ صلوا وعيشوا في حب ووئام

آمنوا بي و سيروا في النور وأبعدوا عن الخصام

اسلكوا بتواضع قلب  ساعين لحياة البر والسلام

......

(3)

" غرباء راحلون"

إن كان إنساننا الخارجي يشيخ ويهرم و يفنى

فالداخل يتجدد  يوما  فيوما وبيت ابدى له يبنى

سار اخنوخ مع الله فنقله واعد له السماء سكنى

فلا تحزن لرحيل عزيز يرتاح من تعب به يضنى

غرباء على الأرض راحلون وليس لنا ها هنا مبنى

مالم تراه ولم تسمع به ولم تتخيله بفكر أو معنى

هذا ما أعده الله للذين يحبونه لأنه أب بنا  يعنى

......

(4)

" ارحمني يا ابن داود"

بصرخ كالكنعانية يارب ارحمنى واشفي الذات

كي لا أزاحم البنين علي الخبز بل اكتفي بالفتات

أتعلم منك أن أنكر ذاتي وارتفع بيها عن الشهوات

وأبذل ذاتي من أجلك وتشفي أخواتي والأخوات

أديني تواضع وحكمة أجاهد واعوض اللي فات

أصلح ذاتي وأعالج ضعفي وأنجو من كل الآفات

هبني إيمان ومحبة ورجاء لانضم لآبائي في الممات

......

(5)

 

" نعم الرفيق"

ربي والهي في  دروب الحياة  لنا نعم  الرفيق

في مختلف ظروف الحياة هو المرشد والصديق

في الشدة والألم الله يعبر بنا للرحب من الضيق

ينقذنا ونخلص وننمو وقوات الشر لنا لا تعيق

مادام الله معنا فلا نحتاج معه شئ في الطريق

فرحنا من الرب وهو سلامنا ومصدره اللصيق

يمنحنا نعمته ويغنينا من كنوزه الجديد والعتيق 

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2020

63- القديس بولس الرسول والرحلة التبشيرية الثانية-3

            للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

 4- الكرازة في أثينا...

 + ذهب القديس بولس مع بعض الأخوة الي أثينا وربما كان أول كارز أو خادم مسيحي يفتقد أثينا. وتتسم أثينا بأنها أشهر مدينة في اليونان، وتتميز بقدراتها العسكرية والفلسفية واللغوية مع أدب سكانها. أنشأها كسربس  Cecropsعام 1556 ق.م. بُنيت أولاً على صخرة في وسط سهلٍ متسعٍ، لكن مع الزمن تغطى السهل كله بالمباني، نشأ فيها كثير من مشاهير المحاربين والشعراء ورجال الدولة والفلاسفة، سواء ولدوا أو تربوا فيها. حرقها الفارسيون مرتين، ودمرها فيليب الثاني كما دمرها بعد ذلك سيلا Sylla؛ وسلبها طيباريوسTiberius . وخربها الغوصيون في أيام حكم كلوديوس، وتعرضت للكثير من الحروب ولكن الذي يزور أثينا يُبهر من عظمتها وينشغل بعلمها ومعرفتها واشتياق المقيمين فيها نحو الحوار لسماع كل يوم شيء جديد. أما القديس بولس فإذ دخل المدينة لأول مرة، وهو دارس للفلسفة كان ما يشغل فكره هو خلاص كل نفس وتمتعها بالحياة المقدسة في الرب. كان يجول فيها، فيرى ما لا يسر نفسه، فقد امتلأت المدينة أصنام وهياكل أوثان. قيل أن الأصنام التى كانت في أثينا أكثر من كل الأصنام الموجودة في بقية مدن اليونان معًا. فمع انتشار الثقافة الفكرية كانت الوثنية مزدهرة للغاية. وكما يقول الرسول بولس أن العالم بالحكمة لم يعرف الله (1 كو 1: 21).احتدت نفس بولس فيه لما رأى مدى انهماك الاثينيين في العبادة الوثنية. كان قلب بولس ملتهب بسبب دمارهم روحيًا، وفقدانهم المجد الداخلي، بسبب جهلهم وعدم معرفتهم لله الحقيقي. لم تشغله فخامة المعابد وجمالها، إنما ما شغله الظلمة التى غطت قلوب المتعبدين فيها، فاحتدت نفسه بالغيرة على مجد الله { فكان يكلّم في المجمع اليهود المتعبّدين، والذين يصادفونه في السوق كل يوم} (17:17). كان يذهب إلى السوق الخاص بالحوار العام، حيث كان كثير من الفلاسفة يجتمعون للدخول في مناقشات عامة، فكان يتحدث مع من يلتقي بهم عن بشارة الخلاص { فقابله قوم من الفلاسفة الأبيكوريين والرواقيّين، وقال بعض منهم : ترى ماذا يريد هذا المِهذار أن يقول؟ وبعض قالوا أنه يظهر مناديًا بآلهة غريبة، لأنه كان يبشّرهم بيسوع والقيامة} (أع 18:17).       والابيقوريون يجدوا السعادة أو الفضيلة في انغماسهم في الشهوات والملذات الجسدية بلا ضابط؛ الأمر الذي يطالبنا السيد المسيح أن نجحده. يمكن تلخيص كل مبادئهم في العبارة التالية: "عش بدون إله، وانغمس في الملذات كصلاحٍ عظيمٍ لك". أما الرواقيون نسبه الي زينون الذى أقام مدرسة يعلم فيها الفلسفة فى أثينا فكان يؤمن بأن الله خلق العالم، وأن كل الأمور تسير حسب القدر، حتى الله نفسه تحت سلطة القدر. وأن العالم نفسه هو كيان نفسي عاقل، أوجد كل شيء بنفسه ويجريها لتنتهي والروح والنفس عندهم مادة تحترق بالموت لتعود، ويمتصها الله في نفسه، لذلك فالقيامة التي بشر بها بولس الرسول بالنسبة لهم منافية للعقل. ولم يكن ممكنًا للفريقين مع تعارضهما أن يقبلا كرازة الرسول بولس خاصة من جهة العفة والطهارة أو من جهة التواضع أمام الله وعمل النعمة الإلهية في حياة المؤمن. تطلعوا إليه باستخفاف كرجلٍ غريبٍ جاء من اليهودية يحمل أفكارا لا يقبلها العقل.

+ خطاب بولس الرسول في الأريوس باغوس... أخذوا  القديس بولس الي الأريوس باغوس إلى المجلس الذي كان في العصور القديمة يجتمع في تل مارس ولم يكن هذا المجلس مجرد محكمة للقضاء، بل يضم مجموعة من الناس تشرف على الأمور الدينية والتعليمية. ظهر أمامه القديس بولس ليعطي حسابًا عن فلسفته، حتى يقرروا إن كان يسمح له بالتعليم في أثينا أم لا إنه أشبه بدار البلدية للمدينة، فيه يمارس الحكام الأعمال العامة. وهو أشبه بمسرح في جامعة، حيث يجتمع المتعلمون ويتناقشون في الأمور. هو دار العدالة له شهرته، يلجأ إليها الكثيرون من مناطق كثيرة، إن أنكر أحد الآلهة أو أضاف إله جديد دون تصديق منهم يتعرض لنقد هذه المحكمة لقد أُستدعوا بولس لامتحانه، لا كمجرم، وإنما كمن هو مرشح لمنصب معين. لم يُقدم ضده أي إتهام، ولا جاءوا بشهود ضده، ولم تتشكل له محكمة. قدموه لفحصه لأنه يتحدث عن أمورٍ لم يعتادوا سماعها من قبل من فلاسفتهم، فجاءوا به ليعرفواما عسى هذا الذي يتحدث عنه بخصوص يسوع والقيامة { فَوَقَفَ بُولُسُ فِي وَسَطِ أَرِيُوسَ بَاغُوسَ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَثِينِيُّونَ أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيراً.لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ وَجَدْتُ أَيْضاً مَذْبَحاً مَكْتُوباًعَلَيْهِ: «لإِلَهٍ مَجْهُولٍ». فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ هَذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ. الإِلَهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ هَذَا إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي. وَلاَ يُخْدَمُ بِأَيَادِي النَّاسِ كَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى شَيْءٍ إِذْ هُوَ يُعْطِي الْجَمِيعَ حَيَاةً وَنَفْساً وَكُلَّ شَيْءٍ. وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ. لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيداً.لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضاً: لأَنَّنَا أَيْضاً ذُرِّيَّتُهُ. فَإِذْ نَحْنُ ذُرِّيَّةُ اللهِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ نَظُنَّ أَنَّ اللاَّهُوتَ شَبِيهٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَجَرٍ نَقْشِ صِنَاعَةِ وَاخْتِرَاعِ إِنْسَانٍ. فَاللَّهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا مُتَغَاضِياً عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ. لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْماً هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ بِرَجُلٍ قَدْ عَيَّنَهُ مُقَدِّماً لِلْجَمِيعِ إِيمَاناً إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ». وَلَمَّا سَمِعُوا بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ كَانَ الْبَعْضُ يَسْتَهْزِئُونَ وَالْبَعْضُ يَقُولُونَ: «سَنَسْمَعُ مِنْكَ عَنْ هَذَا أَيْضاً!».وَهَكَذَا خَرَجَ بُولُسُ مِنْ وَسَطِهِمْ.} (أع 22:17-33) هنا نسمع عظة يقدمها الرسول بولس في أثينا تختلف تمامًا عما يقدمه الرسول لليهود فالعظة مقدمة لوثنيين وليس لأناس لديهم معرفة بالله الحقيقي. فهم في حاجة إلى من يعَّرفهم عن عناية الله الخالق للتعبد له. تحدث الرسول بهدوءٍ ووقارٍ، يعلن الحق دون أن يجرح مشاعرهم. ينكر العبادة الوثنية لكنه يبدأ بإبراز ما هو حق في رجال أثينا. وهكذا وضع الأساس للإيمان. واستشهد بنماذج من الشعر الوارد بكتاب الظواهر للشاعر أراتوس وهو يوافق على ما قال به اليونانيّون ويتّفق معهم، ويربط بين ذلك القول وبين الإله غير الظاهر، غير المعروف، اللَّه الخالق، ذاك الذي كان اليونان القُدامى يعبدونه، ولكن بأسلوبٍ غير مباشر، ذاك الذي كان يلزم أن ندركه ونعرفه معرفة إيجابيّة حقّة. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الأثينيين كانوا يحاولون أن يضموا إليهم كل الآلهة في البلاد الأخرى، وإذ خشوا لئلا يكونوا قد نسوا أحد الآلهة أقاموا مذبحًا للإله المجهول. من هنا دخل الرسول بولس إليهم بأن هذا الإله المجهول هو السيد المسيح إله الكل.

+ يليق بنا ان نسجل حكمة الرسول بولس في الرب، فإنه لم يعتد أن يبدأ أحاديثه أو رسائله بنقد مستمعيه أو قارئيه، بل يبرز فيهم ما هو حق كي يسحب قلوبهم وأفكارهم لكلمة النقد البناء. فهو يعلم أن الحب واللطف أكثر فاعلية من النقد والهدم، على أن يكون الحب مرتبطًا بالحق مع الحزم في الوقت المناسب. وبعد أن أكد لهم أنه لا يقدم لهم معرفة عن إله جديد، بل إله هم يعبدونه ولا يعرفونه بدأ يكشف عن سمات هذا الإله بأنه خالق السماء والأرض، فلا يسكن في هياكل مصنوعة بأيدٍ بشرية، وهو مصدر الحياة  وقد خلق كل البشرية عن مصدرٍ واحدٍ؛ مهما اختلفت ملامحهم أو لغاتهم أو عاداتهم، لكن يوجد أب واحد وأم واحدة لكل البشر (تك1؛ 2: 10). فالبشر جميعًا متساوون، ولا يليق باليونانيين خاصة الأثينيين أن يفتخروا على غيرهم بسبب ثقافتهم الهيلينية وظهور فلاسفة كثيرين من بينهم؛ بل يليق بهم أن يتطلعوا إلى البشر كأسرةٍ واحدةٍ. والتباين بين البشر تحقق بسماح إلهي، محددًا الأوقات لازدهار أمة وسقوط أخرى. ومع اختلاف الأمم من جهة اللغات والطباع والعادات ومواقع السكن، فإن الكل يشتركون في اعتمادهم على الله خالقهم ومدبر أمورهم، لهذا يليق بهم أن يعتمدوا على الله، وأن يشعروا بروح الأخوة والمساواة. بهذا فإن عبادة الأوثان وتعدد الآلهة نوع من الغباوة وأما أين هو الله، فهو ليس ببعيدٍ عن كل أحد، إذ نطلبه نجده في داخلنا قريب إلينا أقرب من التماثيل التي أمامنا. هو حاضر في كل مكان، يملأ السماء والأرض بحضوره الإلهي  لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد فهو مصدر الحياة والمعين والمدبر لكل حياتنا. لقد هاجم الرسول بولس العبادة الوثنية ليس بعبارات صادرة من الكتاب المقدس، وإنما بأقوال الشعراء اليونانيين أنفسهم. فهو يكلمهم باللغة التي يفهمونها. فالإنسان بكونه من ذرية الله حسب قول شعرائهم أعظم من كل تمثالٍ خشبيٍ أو حجريٍ، أو فضيٍ أو ذهبيٍ، فكم بالأكثر يكون الله مصدر الحكمة والتعقل. إن كانت التماثيل تصنع من ذهب وفضة، وهي أقل من الإنسان، لأنها عمل يديه، فحتما لن يكون جوهر الله من ذهب أو فضة. ثم ينادي الرسول بالتوبة عما ارتكبه البشر في أزمنة الجهل، أي ما قبل تعرفهم على الإنجيل ويوجه أنظارهم إلى الإيمان بالدينونة، وإلى الديان ابن الإنسان الذي أقامه الآب من الأموات، لنقوم فيه ونتمتع بشركة مجده. فإن كان الكلمة الإلهي قد تجسد لأجلنا لكي يحملنا فيه إلى مجده السماوي، لهذا فإن شخصيته ليست موضوع مباحثات، بل موضوع لقاء معه، فنكتشف لاهوته خلال التصاقنا به والتمتع بالشركة معه.  لقد سخر الفلاسفة اليونانيون بالاعتقاد بالقيامة من الأموات، خاصة الأبيقوريون الذين يرفضون تمامًا الحياة العتيدة. أما الرواقيون فهم في الغالب الذين طلبوا أن يسمعوا منه عن ذلك. لقد أنتهي الرسول من عظته اللاهوتية في وسط الفلاسفة وهم في شوق لسماع ما هو جديد عليهم، ليكون مادة جدل. لكنهم سرعان ما أدرك الطرفين أنه يحمل فكرًا يناقض المدرستين، فقد اصطدم بكبرياء الرواقيين وعدم إيمان الأبيقوريين بالقيامة من الأموات للنفس أو الجسد. وكان الحصاد قليلاً بالنسبة للثمار في البلاد الأخرى، لكن تعب بولس الرسول لم يضع باطلاً. لقد كسب الرسول الفيلسوف ديوناسيوس الأريوباغي، وامرأة ذات شأن فلسفي وتعليمي، تدعى دامرس، ومعهما آخرين كاباكوره الإيمان بالمسيح في أثينا.

5- الكرازة في كورنثوس

+ بعد هذا مضى بولس من أثينا، وجاء إلى كورنثوس (أع 1:18) وكانت كورنثوس المدينة الرئيسية في أخائية، تتسم بالغنى والفخامة، وهناك كتاب رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي حيث لا يوجد بين أعضاء الكنيسة كثيرون من أصل يهودي، لهذا جاءت الرسالة لا تحمل طابع الدفاع والمحاجاة، وإنما الكشف عن شخصية السيد المسيح ومجيئه الثاني، كما عن الفداء بآلام المسيح، وكشف القديس بولس عن أبوته الحانية وتعلقه بهم. فقد كان لشعب تسالونيكي مكانة خاصة في قلب الرسول. كتب بهذا الأسلوب الرقيق وسط آلام ومعاناة ومقاومة اليهود له.  وفى كورنثوس وجد رجلاً يهوديًا مولودًا في بنطس يدعى أكيلا، جاء مع زوجته بريسكلا من روما حيث أصدر كلوديوس أمرًا أن يترك كل اليهود روما. أشير لي في مواضع أخرى كصديقين للقديس بولس (رؤ 16: 3؛ 2 تي 4: 19؛ 1 كو 16: 9). كان يهوديًا بالميلاد وقد قبل الإيمان المسيحى وكانا يعملان بصناعة الخيام وأقام بولس عندهما ليعمل معهم وينفق علي نفسه والخدمة وكما يقول د. لايتفوت أن اليهود كانوا يعلمون أولادهم مهنة يعيشون منها عند الضرورة، مهما بلغ تعليمهم أو مركزهم الاجتماعي. ويقول الربي يهوذا: "من لا يُعلم ابنه حرفة يكون كمن علمه أن يكون لصًا". وقال آخر: "من لديه حرفة معينة يشبه كرمة محصنة بسور". لم يكن يحتقر اليهود أية حرفة شريفة يعيش منها الإنسان. فشاول الطرسوسي مع كونه فريسيًا وتعلم عند قدمي غمالائيل تعلم منذ صباه حرفة صناعة الخيام، وصار يمارسها عند الضرورة. إنها صورة رائعة للخادم عفيف النفس، الذي لا يطلب ما لنفسه، بل ما هو للآخرين، متنازلاً عن حقوقه أن يأكل من الإنجيل حتى لا يُعثر أحدًا. وقد أوضح الرسول فلسفته هذه وحكمته العجيبة { فإننا أيضًا حينَ كُنَّا عندكم أوصيناكم بهذا أنه إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل أيضًا} (2 تس 10:3). كان يعمل طوال الأسبوع ربما ماعدا السبت والأحد، فيكرس السبت للعبادة مع اليهود في المجمع لكي يتحدث عن بشارة الإنجيل، والأحد للعبادة مع أكيلا وبريسكلا، والمسيحيين معهم يشاركونهم العبادة وكانت له لقاءات فردية مع بعضهم أثناء الأسبوع. وقد وصل اليه سيلا وتيموثاوس حضرا من مكدونية ليصحباه مرة أخرى، إذ لم يكن ممكنًا أن يذهب هو إلى مكدونية، فوجداه منحصرًا بالروح، منشغلاً بالكرازة بالمسيح يسوع، بكونه المسيا الذي وعد الله به الآباء وكانوا يترقبون مجيئه. ثم بعث من كورنثوس رسالته الثانية إلى أهل تسالونيكي إذ قام البعض بتأويل ما كتبه الرسول عن مجيء السيد المسيح الأخير.

+ وكالعادة في بلاد كثيرة كان اليهود يقاومون الكلمة، فاعلن الرسول بولس أنه بريء من دمهم وينطلق لخدمة الأمم والكرازة بينهم. فانتقل من هناك وجاء إلى بيت رجل اسمه يوستس رجل أممي تقي ، كان متعبدًا للَّه، وكان بيته ملاصقًا للمجمع وانضم اليه كريسبس رئيس المجمع الذي آمن بالرب، مع جميع بيته، وكثيرون من الكورنثيين إذ سمعوا آمنوا واعتمدوا وهنا كلم الرب القديس بولس قائلاً { «لاَ تَخَفْ بَلْ تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ.لأَنِّي أَنَا مَعَكَ وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ لأَنَّ لِي شَعْباً كَثِيراً فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ». فَأَقَامَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ يُعَلِّمُ بَيْنَهُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ.} ( اع 9:18-11). لقد سمع الصوت الإلهي يؤكد له: "لا تخف". لا يخف من ثورة اليهود ومقاومتهم وتجاديفهم، خاصة بعد أن إيمان كريسبس رئيس المجمع قد آثارهم. ولا يخف من الأممين حيث اتسموا بالغنى والتجارة مع عدم المبالاة بالحياة السلوكية. لهذا يشير إليهم في رسالته الأولى أنه كان بينهم في ضعف وخوف ورعدة (1 كو 2: 3). أراد الرب أن يؤكد له حضرته الإلهية معه، فلا يخشى الأغنياء والمتعلمين والعظماء. يسأله ألا يسكت، فإن ربنا نفسه يتكلم على لسانه، وروحه القدوس يعمل في أذان وقلوب سامعيه. لقد أكد ربنا يسوع معيته "أنا معك"، فلا يليق به أن يخاف أو يضطرب، ولا أن ييأس. لم يعده بأنه لا يتعرض له أحد، إنما لا يقدر أحد يؤذيه. ليفعل الأشرار المقاومون ما يريدون، لكن لن تصيب الرسول أذية، ولن تتوقف خدمته، إذ هي خدمة السيد المسيح الذي يطلب له شعبًا كثير فى المدينة ليؤمن به. اهتم الرب بنفسه بكورنثوس لأنها مُلتقى ثلاثة مراكز رئيسية في ذلك الحين: روما والإسكندرية وأفسس، فانتشار الكرازة فيها حتمًا يكون له أثره على القادمين من هذه البلاد، خاصة وان أكبر عدد من اليهود قد تجمع في كورنثوس بعد طردهم من روما بأمر كلوديوس (أع 8: 2-3).

+ قام اليهود بنفس واحدة على بولس،  وأتوا ببولس إلى كرسي الولاية. قائلين أن بولس يستميل الناس أن يعبدوا اللَّه بخلاف القانون الروماني، فهم كيهود يتعبدون بدين شرعي يعترف به القانون وإذ كان بولس مزمعًا أن يفتح فاه، قال غاليون لليهود: لو كان ظلمًا أو خبثا رديًا أيها اليهود لكنت بالحق قد احتملتكم لقد جاء اليهود معًا بيدٍ واحدةٍ يقدمون بولس كمفسدٍ لشريعتهم، دون أن يعطوا الوالي الجديد الفرصة لدراسة الموقف وتقديم بولس للمحاكمة. لم يستطيعوا أن يقدموا دليلاً على أنه عاق إنسانًا عن عبادة الله أو الآلهة، لكن في نظرهم أنه طالب بالعبادة بطريقة مخالفة للناموس الموسوي. لقد أعطي الرومان كمال الحرية لليهود أن يتعبدوا لله حسب شريعتهم، لكن هل يحسبون ذلك جريمة إن عبد أحد الله بغير طريقتهم؟ هل يلزمون الناس قهرًا بعبادة الله حسب طقوسهم وعاداتهم؟ هذا ما لم يكن ممكنًا للوالي أن يقبله أو حتى يناقشه مع اليهود. ولم غاليون لم يقبل القضية من أولها، واعتبر الإجراءات التي استخدمها اليهود، مهما كان عددهم، باطلة، بجانب أن موضوع القضية باطل.أدرك غاليون الوالي أن الرسول بولس لم يرتكب أية جريمة يعاقب عليها القانون، وفي ذهنه أن ما ينادي به الرسول هو شكل جديد لتفسير الشريعة اليهودية، مشكلته تمثل خلافات دينية داخلية بين اليهود لا يود أن يشغل ذهنه بها. فالمشكلة في ذهن الوالي لا تتعدى اختلاف في الرأي بخصوص كلمات، ربما يقصد تفسير كل منهما للنبوات بطريقة مغايرة، وأيضا بخصوص أسماء، إذ لم يقبل اليهود يسوع أن يدعى المسيا كما ينادى الرسول بولس، وأيضا بخصوص شرائع الناموس مثل طقوس التطهيرات والختان ولا يود أن يكون حكَمًا في هذه الأمور، فإنها ليست من اختصاصه، ولا في دائرة عمله كوالٍ روماني.{ فطردهم من الكرسي} (أع 16:18). فأخذ جميع اليونانيين سوستانيس رئيس المجمع، وضربوه قدّام الكرسي، ولم يهم غاليون شيء من ذلك.لقد جاء سوستانيس رئيس المجمع اليهودي كقائدً للشعب الثائر ضد القديس بولس، فقد قام اليونانيون الذين هم يهود دخلاء بضرب هذا الرئيس لأنه إذ سمع ما قاله الوالي انسحب للحال، فحسبوا هذا خزلان لهم وإهانة لموقفهم. ولم يتدخل الوالي بالرغم من اعتداء الجماهير على سوستانيس، ربما لأنه لاحظ عدم اضطرابه، فتركه كنوع من تنفيس الجماهير عن غضبها، ولكن في حدود معينة.

+  العودة إلى إنطاكية...  قرر القديس بولس أن يرحل من كورنثوس متجهًا نحو أورشليم أخذ معه أكيلا وبريسكلا اللذين قررا ترك كورنثوس. وقد تكونت صداقة حميمة بينهم، فسألوه أن يذهبا معه. فأقبل القديس بولس إلى أفسس وتركهما هناك، وأمّا هو، فدخل المجمع وحاج اليهود فلم يضيع الرسول الفرصة للحديث والحوار في المجمع لحساب السيد المسيح، مع أنه كان متعجلاً للذهاب إلى أورشليم، ورفض أن يتأخر في أفسس ليحضر العيد في أورشليم لكي يلتقي بالكثيرين من أحبائه ومواطنيه القادمين للعيد. وبعد زيارته لاورشليم ذهب الي قيصرية، وسلّم على الكنيسة، ثم انحدر إلى إنطاكية حيث قضى فيها بعض الوقت مع أصدقائه القدامى حينما أرسل من هناك مع برنابا لخدمة الأمم (أع 13: 1). فقد  كانت إنطاكية مركزاً لخدمته حيث يجدد هناك نشاطه، ويراجع حساباته، ويتعزى مع الخدام القدامى، ويقدم شكرًا على عمل نعمة الله معه مع كل رحلة تبشيرية يقوم بها مبتدأ من إنطاكية وعائدا إليها.

اليك يا الله السماء نرفع الدعاء

+ اليك يا الله الآب القدوس نرفع الدعاء من أجل العالم الذى بعد عنك وقد تفشت فيه  النزعات المادية والأستهلاكية والشهوات والفلسفات الالحادية وأدعي البعض أنهم الهه وتركوا عبادتك منشغلين بجهلهم ونزواتهم وعلمهم ولم يعلموا أننا بك نحيا ونتحرك ونوجد، أنت خالقنا وراعينا واليك مرجعنا.

+ يا الله مخلص العالم، الذى بذل ذاته عنا خلاصاً. أنت المحبة المتجسدة والباذلة وتريد أن الكل يخلصون والي معرفة الحق يقبلون وأذ يجهلك العالم بفلسفاته وأفكاره فنصلي اليك لتعلن لنا قوة خلاصك لنرجع اليك بالتوبة والإيمان العامل بالمحبة.

+ يا روح الله الذي يخلق ويجدد وجه الأرض، أعمل فينا بنعمتك وهبنا حكمة من لدنك لنعيش إيماننا المسيحي ونتكلم عن سبب الرجاء الذى فيها بوداعة وخوف. وأرسل لنا كارزين علي مثال القديس بولس الرسول يردوا الكثيرين الي حظيرة الإيمان ويتمجد أسمك القدوس أيها الآب والأبن والروح القدس، الاله الواحد، أمين.