نص متحرك

♥†♥انا هو الراعي الصالح و الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف يو 10 : 11 ♥†♥ فيقيم الخراف عن يمينه و الجداء عن اليسار مت32:25 ♥†♥ فلما خرج يسوع راى جمعا كثيرا فتحنن عليهم اذ كانوا كخراف لا راعي لها فابتدا يعلمهم كثيرا مر 34:6 ♥†♥ و اما الذي يدخل من الباب فهو راعي الخراف يو 2:10 ♥†♥

الجمعة، 18 ديسمبر 2020

اهمية حساب النفس والثمر الروحي

 


للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

الثمر الروحي في ظل عالم متغير ...

+ تجري بنا الأيام والسنين ويقترب هذا العام على الانتهاء بما فيه من أحداث جسام وقد تعرض العالم منذ بداية هذا العام الي وباء الكورونا الذي فرض تغييرات صعبه علي حياتنا وسلوكنا وسيستمر انتشار الوباء حسب رأي خبراء منظمة الصحة العالمية معنا الفترة القادمة ويفرض علينا التباعد الإجتماعي والمحاذير الصحية. وقد تعرض ما يزيد عن 75 مليون  للمرض على المستوى العالمي وانتقل ما يزيد من مليون وستمائة الف بالوباء حتى اليوم والحصاد في تزايد مستمر وسنمر بشتاء قاسي علينا فيه توخي الحذر وقد فقدنا  أقرباء وأحباء لنا تركوا العالم فى أيام قليلة نصلي من أجل نياحهم وسعادتهم وقد تركوا فراغ وتأثير علي الكثيرين منا كما يترك المرض تأثيره على الذين يتعرضوا له.  لقد أثر هذا الوباء على حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وعلينا أن نحرص على معالجة هذه الأثار كل في نطاق عمله بأسلوب سليم يحفظ حياتنا وصحتنا النفسية ويعالج التأثيرات الضارة على مجتمعاتنا. وجيد أن يتسابق العالم لإيجاد العلاج المناسب للمرض والذى يجب أن يكون متاح على نحو عادل ومنصف دون سعي الي الربح فقط أو تحكم شركات الأدوية أو عالم الأقوياء في المرضى أو المتاجرة بأرواحنا.  لقد سبق الرب وحذرنا بانه { تكون زلازل عظيمة في اماكن ومجاعات واوبئة وتكون مخاوف وعلامات عظيمة من السماء }(لو 21 : 11). ومع  حرصنا على اتباع التعليمات الطبية التي تقينا شر المرض فإن المؤمن يثق فى الله الذى يقود سفينة حياته ويجعل كل الأشياء تعمل للخير ومن أجل منفعتنا الروحية { ونحن نعلم ان كل الاشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده} (رو  8 :  28). ولدينا وعد الله المطمئن أنه معنا في كل الأيام بحلوها ومرها {ها أنا معكم كل الايام الى انقضاء الدهر آمين }(مت 28 : 20).

 + علينا أن نبني حياتنا على صخرة الإيمان المستقيم الواثق والذى لا يتزعزع حتى مع شدة الرياح والعواصف وصعوبة الظروف التي تمر بنا والعثرات التي تقابلنا { فكل من يسمع اقوالي هذه ويعمل بها اشبهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر. فنزل المطر وجاءت الانهار وهبت الرياح ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط لانه كان مؤسسا على الصخر} (مت 24:7-25). وكما ان كل مؤسسة ناجحة تعمل حساب ختامى لنهاية العام تبين فيها مدى ربحها أو خسارتها وما هى مواضع القوة والضعف فيها، هكذا نحن أيضا نحتاج في نهاية العام لوقفة صادقة مع النفس لنعالج عوامل الضعف ونقوى الحلقات الضعيفة ونستثمر مواطن القوة فى شخصيتنا وحياتنا ونستخدمها لخدمة الله والمجتمع الذي نحيا فيه وعلينا أن نحيا في توبة مثمرة { فاصنعوا اثمارا تليق بالتوبة } (لو 3 : 8). يجب أن نحيا حياة الأستعداد الدائم في حياة تقوى وعفاف ولا نخشي الموت ونحرص علي الصحة كوزنة من الله  ولسان حالنا قول القديس بولس الرسول { لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ.} ( رو 8:14).  

+ لقد خلقنا الله لأعمال صالحة سبق الله فاعدها لنسلك فيها، ولكل منا رسالة عليه أن يؤديها وسواء كانت رسالتنا كبيرة أو صغير، وأي كان مركزنا أو وظيفتنا أو وضعنا فى المجتمع الذى نحيا فيه فعلينا أن نفحص ذواتنا بأمانة ومخافة الله . وكما أن أعضاء الجسد الإنساني تتكامل معا فى أداء دورها ليقوم الإنسان بدوره في الحياة، فعلينا أن نكون إيجابيين وامناء فى أداء دورنا بإخلاص ونثمر ويدوم ثمرنا وحتى الطبيعة تعطينا درس في النمو والثمر وأداء دورنا في الأسرة والكنيسة والمجتمع. رأينا كيف أن الرب يسوع المسيح يعطي لنا مثالاً عن أهمية الثمر الروحي والعملي في حياتنا { وَقَالَ هَذَا الْمَثَلَ: « كَانَتْ لِوَاحِدٍ شَجَرَةُ تِينٍ مَغْرُوسَةٌ فِي كَرْمِهِ فَأَتَى يَطْلُبُ فِيهَا ثَمَراً وَلَمْ يَجِدْ. فَقَالَ لِلْكَرَّامِ: هُوَذَا ثَلاَثُ سِنِينَ آتِي أَطْلُبُ ثَمَراً فِي هَذِهِ التِّينَةِ وَلَمْ أَجِدْ. اِقْطَعْهَا. لِمَاذَا تُبَطِّلُ الأَرْضَ أَيْضاً؟. فَأَجَابَ: يَا سَيِّدُ اتْرُكْهَا هَذِهِ السَّنَةَ أَيْضاً حَتَّى أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلاً. فَإِنْ صَنَعَتْ ثَمَر اًوَ إِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا».} (لو 6:13-9).

+ حساب النفس بميزان الصدق ... نفحص ذواتنا بميزان الصدق والحق وبروح الصلاة وبالتواضع ونتجنب الخطية و الكبرياء والأنانية والكسل كما يتجنب المرء الوباء ، نحاسب أنفسنا بدون محاباة وبصدق وحق فلا يعرف الانسان الا روح الانسان الساكن فيه الذى، نتأمل حياتنا فى ضوء كلمة الله ونور الإنجيل وعمل الروح القدس ايضا فى ضوء مراحم الرب الذى صبر علينا هذا العام والأعوام التي مضت من عمرنا ووهبنا نعمة البقاء والحياة  لنأتي بثمر ويدوم ثمرنا. نجلس مع ذواتنا ونحاسبها أو نعاتبها أو حتى نعاقبها ونعرف ما فيها من أخطاء ومدى ربحنا فى علاقتنا بأنفسنا وبالله وبالآخرين من حولنا ونصلى ونعمل مع الله طالبين عمل نعمته معنا فى كل أيام غربتنا على الأرض لننجح فى طرقنا ونعمل من أجل خلاص نفوسنا ومن معنا. فليس أحد معصوم من الأخطاء أو كامل ومنزه عن العيوب والضعفات لكي نتقدم إلى الأمام فى بناء شخصيتنا الروحية الناجحة ويجب أن نتصالح مع أنفسنا ونقبلها ونحكم على أنفسنا كما يقول القديس مكاريوس الكبير" احكم يا اخي على نفسك قبل أن يحكموا عليك ". ونذكر خطايانا ونتوب عنها كما قال القديس الأنبا أنطونيوس " أن تذكرنا خطايانا ينساها لنا الله وان نسينا خطايانا يذكرها لنا الله". وفى مجال السلوك أو العلاقات فانه فى مقدورنا أن نتصالح بروح الود والاعتراف بالخطأ لمن أخطأنا إليه ثم نصنع خيرا وبرا مع من حولنا. لا يجب ان نكتفي فقط بتجنب السلبيات بل يجب أن نعمل الخير ونحب الناس ونحسن إليهم ونتفانى فى مساعدتهم قدر طاقتنا كقول الكتاب { لا تمنع الخير عن أهله حين يكون في طاقة يدك أن تفعله } (ام  3 :  27). كما يجب أن نقبل الآخرين بضعفائهم وبالمحبة والصبر يأتى التغيير الذى فى استطاعتهم ايضا { لذلك اقبلوا بعضكم بعضا كما ان المسيح ايضا قبلنا لمجد الله }(رو  15 :  7).

إعداد النفس للإثمار ...

+  في مثل شجرة التين طلب صاحب الحقل من الكرام ان يقطع الشجرة غير المثمرة  من الارض لانها لم تصنع ثمراً على مدى عدة سنوات فطلب  الكرام أن يصبر عليها سنة أخرى لتثمر ثمراً جيداً وفى سبيل ذلك فان الكرام سيقوم بكل ما هو ضرورى لكى تثمر وينقب حولها وينزع من الأرض الاحجار والحشائش الضارة ويسمد الارض و يتعهدها بالرى والرعاية.  ونحن نشكر الله على محبته و صبره وطول أناته علينا وفى ذات الوقت يجب أن ننقب ونفحص ذواتنا ونتوب ونعترف بخطايانا ونطلب المغفرة من الله ونقوم من الكسل الروحي ونشمر على سواعد الجهاد، علينا ان نهتم بخلاص أنفسنا { لأنه ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه او ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه} (مت  16 :  26).  يجب أن نبتعد عن كل ما هو ضار بالروح والنفس والجسد ونتخلص من العادات الضارة وننتصر على الرغبات والشهوات والخطايا ولا ندع شئ أو أحد يفصلنا عن محبة الله .

+ لكي ما تثمر شجرة حياتنا يجب أن نتعهدها بالرعاية اللازمة ونحميها حتى من الثعالب الصغيرة المفسدة للكروم التى هى الخطايا الصغيرة لكي لا تتأصل في النفس ، ونروي قلوبنا بمحبة الله والغير ونغذيها بأسمدة ووسائط النعمة. علينا ان لا ننام وقت الزرع و رعايته حتى نجنى الثمار فى أوان الحصاد وعندما يحين الميعاد نسمع من رب العباد { نعما ايها العبد الصالح والامين كنت امينا في القليل فاقيمك على الكثير ادخل الى فرح سيدك} (مت  25 :  21).

+ استثمار الوقت وتنظيمه عامل هام فى حياة كل انسان منا فلا يجب أن نهدر أوقاتنا فيما لا يبنى أو لا يفيد فإن الوقت من ذهب ان لم تستثمره ذهب ولم يعد. وما لا ينبغي أن تفعله فلا تفكر فيه ولا تتذكره وعاتب نفسك على أخطائها خير لك من أن تعاتب غيرك مبتعدا عن نظر وسماع ما لا يفيد  لكى ما تتخلص من فعل ما هو ضار لهذا يوصينا الإنجيل أن نسلك بحكمة وإفراز كحكماء { لذلك يقول استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح. فانظروا كيف تسلكون بالتدقيق لا كجهلاء بل كحكماء. مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة. من اجل ذلك لا تكونوا اغبياء بل فاهمين ما هي مشيئة الرب} (أف 14:5-17). نستيقظ  من نوم الغفلة وننسى ما هو وراء ونمتد الى ما هو قدام . وكما يقول القديس مار أفرام السرياني " أيام حياتك ليست لك، ولا تعرف كم عددها ! ولست تدري متى يدركك الموت، لست تدري اليوم ماذا يأتيك به الليل المقبل فمن الآن أسرع قبل أن يمضي. أجرى لئلا يدركك ، اليوم هو لك أما الغد فلست تدري لمن يكون؟! أنظر إلى النهار ما أسرع ذهابه فاحرص أن تذهب معه خطاياك. لا تغمض عينيك للرقاد حتى تفتح قلبك للصلاة. بالعشاء ابتعد عن خطاياك وبالغداة اظهر صلاحك، لا يكن قولك بعيدًا عن عملك. قبل أن تقول تهيأ للعمل، إن تحركت فيك فكرة صالحة فمن ليلتك ابدأ بعملها واغتنمها، وإن تحركت فيك فكرة الحسنات فمع طلوع الشمس ابدأ بعمل الصلاح وأبعد عن الشر، لا تتعب في شيء ليس هو لك، وتضيع شبابك باطلا، لا يكن قلبك منشغلا عما يغني، اسرع الي العمل الصالح، الحياة سريعًا تذهب والموت سريعًا يجيء. الزمان سريع الذهاب وهو متعجل لكي يجوز فبادر الي التوبة والأثمار"

+ علاقتنا بالله ..  يجب أن ننمو فى محبة الله ونعطيه قلوبنا بكل ثقة ورجاء { ماذا يطلب منك الرب إلهك إلا أن تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك} (تث  10 :  12) . نخصص الوقت المناسب للصلاة بل تكون حياتنا كلها عشرة محبة وصداقة فيها نسير مع الله ونصلى اليه بالروح والحق، نصلى لكي يقوى إيماننا به وتزيد محبتنا ورجائنا فيه ونطيعه طالبين خلاص انفسنا واهلنا وكنيستنا وبلادنا. ونخصص وقت للقراءة فى الإنجيل والكتب الروحية لننمو فى المعرفة والمحبة والعشرة بالله بالقراءة الجيدة التي هى ينبوع للصلاة النقية. ويكون لنا صداقة روحية بالملائكة والقديسين ورجال الله الاتقياء واصدقاء روحيين ننمو معا  فى روح التلمذة للكتاب المقدس والله والكنيسة .

+ علاقتنا بالآخرين.. كلما كنا ناجحين فى علاقتنا بالله طائعين ووصاياه فإن ذلك يدفعنا الى محبته وخدمة الناس على كل المستويات. فان الوصية تعلمنا ان المحبة لا تتجزء بل تتكامل ومحبة الله تكتمل بمحبة القريب { يا معلم أية وصية هي العظمى في الناموس. فقال له يسوع تحب الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك هذه هي الوصية الأولى والعظمى. والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والانبياء} (مت 36:22-40). علينا أن ننمى علاقتنا ونبادر إلى صنع الخير مع أهل بيتنا ومن حولنا فى العمل والسكن وتصل محبتنا للأعداء والبعيدين. إن لعازر البلايا يحتاج منا الى البسمة والكلمة الطيبة ومد يد العون فى مجتمع يعج  بالفقراء والمحزونين والمساكين والضالين والمحرومين وهذا هو مقياس الدخول للسماء { ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي ابي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تاسيس العالم. لاني جعت فاطعمتموني عطشت فسقيتموني كنت غريبا فاويتموني. عريانا فكسيتموني مريضا فزرتموني محبوسا فاتيتم الي. فيجيبه الابرار حينئذ قائلين يا رب متى رايناك جائعا فاطعمناك او عطشانا فسقيناك. ومتى رايناك غريبا فاويناك او عريانا فكسوناك. ومتى رأيناك مريضا أو محبوسا فأتينا اليك. فيجيب الملك ويقول لهم الحق اقول لكم بما انكم فعلتموه باحد اخوتي هؤلاء الاصاغر فبي فعلتم} (مت 34:25-40). إن مقياس كمال المحبة هو محبة الأعداء كما قال لنا السيد المسيح { سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فاقول لكم احبوا اعداءكم باركوا لاعنيكم احسنوا الى مبغضيكم وصلوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم. لكي تكونوا ابناء ابيكم الذي في السماوات فانه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الابرار والظالمين. لانه ان احببتم الذين يحبونكم فاي اجر لكم اليس العشارون ايضا يفعلون ذلك. وان سلمتم على اخوتكم فقط فاي فضل تصنعون اليس العشارون ايضا يفعلون هكذا. فكونوا انتم كاملين كما ان اباكم الذي في السماوات هو كامل} (مت 43:5-48). أما صفات هذه المحبة كفضلة رئيسية فى حياة المؤمنين فقد ذكرها لنا القديس بولس الرسول قائلاً { المحبة تتأنى وترفق المحبة لا تحسد المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ. ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتد ولا تظن السوء. ولا تفرح بالاثم بل تفرح بالحق . وتحتمل كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء. المحبة لا تسقط ابدا }( 1كو 4:13-8). بسبب كثرة الإثم  فى المجتمع من حولنا نجد الكراهية ونتائجها المرة تنتشر كما قال لنا المخلص الصالح  { ولكثرة الاثم تبرد محبة الكثيرين }(مت  24 :  12). فدعونا نعمل بقلوب صادقة فى عامنا القادم ان نطفئ الكراهية بالمحبة والصلاة وصنع الخير، وبدلا من ان نلعن الظلام فإننا نضيء شموع الخير والتعاون المثمر مع الكل ونقدم المحبة للجميع لاسيما للذين أظلمت حياتهم واختفت منها المحبة { ونحن قد عرفنا و صدقنا المحبة التي لله فينا الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه }(1يو  4 :  16). الحصاد كثير والفعلة قليلون وكل واحد منا مدعو للعمل الروحى كسفير للسماء ونورا فى العالم وملحاُ يعطى مذاقة روحية فى مجتمعه. فهل نلبى النداء الإلهي ونثمر ونقوم برسالتنا وتكون السنة الجديدة سنة عطاء ونجاح؟. أن حياتنا طالت أو قصرت ستنتهى ولكن يا ليتها تنتهى من أجل عمل صالح وحياة أبدية سعيدة .

+ دعوة لمحبة روحية للنفس... يجب أن نحب ذواتنا محبة روحية تخلصها وتنميها وتربطها بفاديها. نهتم بأجسادنا كوزنة من الله فلا نهملها أو ندمر الجسد في عيش مسرف فما أقسى اضرار التدخين أو الشهوات أو الأهمال والتأجيل؟. الانسان القوى هو الذى ينتصر على عاداته الخاطئة ويقوي ارادته وعزيمته بلا تردد او خنوع  أو خضوع الضعف والخطية.  فلنعمل على ضبط  فكرنا والسنتنا ونزن كل كلمة قبل ان تخرج من ألسنتنا. ونغذي فكرنا بما هو مفيد وقلبنا بمحبة الله محبة والغير. وننمي ارواحنا ونقويها بوسائط الخلاص ونطلب من روح الله أن يقودنا ويهدينا ونعمل على ان نأتي بثمر لكي ينقينا الله لنأتى بثمر أكثر{ كل غصن في لا يأتي بثمر ينزعه وكل ما يأتي بثمر ينقيه ليأتي بثمر أكثر }(يو  15 :  2). وكما يقول القديس مار أفرام السرياني " قلوب الناس مكشوفة لدى الله، وبدء السيرة الصالحة الدموع في الصلاة واستماع الكتب الإلهية، ربوات كتب في أذن الجاهل تحسب لا شيء ومن هو الجاهل إلا المتهاون بمخافة الله، فإن قلب الحكيم يقبل الوصايا بأوفر حكمة. فلا تقاوم الشر بالشر (متى 5: 39)، لا تمنع شيئًا عن أحد لئلا تلام إذا هلك، لا تتلون في احترامك للناس حسب المقتنيات، لتكن كل الأشياء عندك كأنها غير موجودة والله وحده هو الموجود، إذا سألت قريبك ولم يعطك ما تريد فاحرص لئلا تخرج كلمة غضب من فمك أو تقطر مرارة، لا تقاوم الدوافع الصالحة لأن تغيرات ميول النفس كثيرة، ابعد الأسى عن جسدك والحزن عن فكرك" نصلي ونعمل ليدوم ثمرنا ويبارك الله حياتنا وأهلنا وبيوتنا وكنيستنا وشعبها وبلادنا وعالمنا، ويرفع عنا الوباء والغلاء والخصام والحروب ويهبنا حكمة ونعمة على الدوام.

نصلي لكي نتوب ونثمر...

+ نشكرك أيها الرب الهنا ورازقنا وسيد حياتنا، نعترف بخطايانا و ضعفنا وتقصيرنا ونصلي إليك وأنت الذي يريد أن الكل يخلصون والى معرفة الحق يقبلون أن تهبنا حكمة ونعمة وقوة لكي نتوب ونقلع عن الخطايا والذنوب ونأتي بالثمر المطلوب ونرضيك كل أيام حياتنا.

+ أيها المسيح إلهنا الذي جاء ليطلب ويخلص من قد هلك،  خلص شعبك وبارك ميراثك وترأف على خليقتك وانظر الينا بعين الرحمة والمحبة والحنان وأنعم بالشفاء لكل مريض، أعط  صبراً وعزاءاً  للمحزونين ونيح أنفس الراقدين وهبنا حياة الاستعداد الدائم لنكون لسماع صوتك الحنون مستعدين.

+ يا روح الله القدوس، هبنا روح التوبة والصلاة والتضرع وأهدي خطانا بحكمتك الإلهية  للعمل والأثمار ولا تدع موت الخطية يقوى علينا ولا علي كل شعبك، وحرك فينا كل الدوافع النبيلة والقيم الروحية السامية لنعمل مرضاتك كل حين، ليتمجد أسم الله القدوس فينا وبنا، أمين

الخميس، 17 ديسمبر 2020

66-القديس بولس الرسول في أورشليم للمرة الأخيرة


للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

في طريق العودة  الي أورشليم ...

+ رجع القديس بولس الي أورشليم من رحلته التبشيرية الثالثة بعد أن ودع الكهنة الذين جاءوا الية من أفسس إلى مليتس لكي ينطلق إلى أورشليم حاملاً معه تقدمات الكنائس لكنيسة القدس الأم وفقرائها وقد ركّز القديس لوقا الإنجيلي على استخدام اللَّه للأحداث التي تبدو مرة للغاية ليدفع ببولس إلى روما حتى يشهد في عاصمة العالم في ذلك الحين. وقد تحدّي الرسول بولس الضيقات حتى الموت من أجل الكرازة. انطلق القديس بولس ومن معه مبحرين في قارب بين الجزر، فكوس ورودس رودس وباترا الي قبرص ثم وجدوا سفينة مبحرة إلى سوريا.

+ التوقف فى صور... توقفت السفينة في مدينة صور لتفريغ البضائع فقد كانت صور إحدى المدن التجارية الرئيسية في العالم ونزل القديس بولس ومن معه لدى المؤمنين في صور { وإذ وجدنا التلاميذ مكثنا هناك سبعة أيام، وكانوا يقولون لبولس بالروح أن لا يصعد إلى أورشليم} ( أع 4:21). كان القديس بولس ومن معه يهتموا بالبحث عن المؤمنين أينما وُجدوا، ليلتصقوا بهم ويتعبدوا معًا ويتعزوا بعمل الله الدائم في كل موضع. رأينا في عصر السيد المسيح لم تكن صور مستعدة لقبوله { ويل لكِ يا بيت صيدا، لأنه لو صنعت في صور وصيدا القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديمًا جالستين في المسوح والرماد، ولكن صور وصيدا يكون لهما في يوم الدين حالة أكثر احتمالاً مما لكما} (لو 10: 13-14). الآن صار في صور تلاميذ للرب يسوع المسيح ترجو القديس بولس أن يبقى معهم ولا يصعد إلى أورشليم. حتى أن البعض تنبأ بالروح عن متاعب القديس بولس التي سيلاقيها في أورشليم وقد أدرك الرسول بولس أن ما فعلوه هو من قبيل غيرتهم وحبهم له، فالروح كشف لهم المتاعب، أما رغبتهم في عدم ذهابه لأورشليم فكان للحفاظ على حياته من المخاطر. ولم يكشف الروح لبولس الرسول مباشرة عما سيلاقيه بل أخبره خلال التلاميذ فمع ما ناله القديس بولس من مواهب وعطايا ونعم وما تمتع به من نجاحٍ فائقٍ، لكن ها قد أخفي ذلك الله عنه (أع 20: 22) وأعلنه الروح للتلاميذ، حتى يشعر الكل بالحاجة إلى بعضهم البعض. وقد تنبأ عن ذلك أغابوس بعد ذلك في بيت فيلبس المبشر (أع 21: 10-11). وبعد خدمته بأسبوع واحد في صور خرج الكل رجالاً ونساء وأطفالاً يودعونه، ويطلبون بركة الرب خلاله ويصلوا من أجله. هنا أظهر هذا الشعب حبًا لخدام الكلمة دون تعصبٍ لخادمٍ معينٍ؛ وشعروا بالالتزام أن يصلوا من أجل الخدام و الخدمة. هذا وقد نجحوا في تدريب أطفالهم على حمل ذات الروح حيث ركع الكل على شاطئ الميناء الذي تحول كما الي كنيسة مقدس للرب بالركوع للصلاة.

+ القديس بولس في  قيصريّة فلسطين..

نزل الرسول بولس في عكا الي كانت تدعي بتولمايس نسبة لأحد ملوك البطالسة، حيث قام بتجميلها، وكانت في أيام الرسول حائزة على حكم كولوني { ولمّا أكملنا السفر في البحر من صور،قبلنا إلى بتولمايس، فسلَّمنا على الإخوة، مكثنا عندهم يومًا واحدًا} (اع 7:21). حيث زار المؤمنين هناك مما يشير إلى وجود كنيسة لها علاقة بالرسول بولس؛ وقد بقي عندهم يومًا واحدًا ثم فارقها إلى قيصرية. حيث زار بولس ومن معه فيلبس المبشر وأقاموا عنده وهو أحد السبعة شمامسة الذين اختارهم الشعب لخدمة الأرامل (أع 6: 3 الخ). وهو الذي بشّر في السامرة (أع 8: 55 الخ)، وبشّر الخصي الأثيوبي (أع 8: 26)، وفي المدن التي على الساحل في طريقه من أشدود إلى قيصرية (أع 8: 40). وقد جعل مقره في قيصرية  دُعي المبشر تمييزًا له من فيلبس الرسول وكان بيته مركز خدمة وكان لهذا أربع بنات عذارى كن يتنبأن وبينما القديس بولس هناك انحدر من اليهودية نبي اسمه أغابوس { فجاء إلينا، وأخذ منطقة بولس، وربط يديّ نفسه ورجليه، وقال: هذا يقوله الروح القدس: الرجل الذي له هذه المنطقة، هكذا سيربطه اليهود في أورشليم، ويسلمونه إلى أيدي الأمم فلما سمعنا هذا، طلبنا إليه نحن والذين من المكان، أن لا يصعد إلى أورشليم} (أع 11:21-12). لقد طلب القديس لوقا نفسه ومن معه من مرافقي الرسول بولس وأيضًا من المؤمنين المقيمين في قيصرية من الرسول بولس ألا يصعد إلى أورشليم. مع تأكيد القديس لوقا والذين معه أن الرسول يتحرك بتوجيه إلهي، لكن من أجل محبتهم للرسول واستمرارية خدمته طلبوا هذا.  أما القديس بولس مستعد لا أن يُقيد فقط بل وأن يموت من أجل اسم الرب يسوع بفرحٍ وسرور {فأجاب بولس:  ماذا تفعلون؟ تبكون وتكسرون قلبي، لأني مستعد ليس أن أربط فقط، بل أن أموت أيضًا في أورشليم لأجل اسم الرب يسوع} (أع 13:21). كان القديس بولس رقيق المشاعر جدًا، لا يحتمل رؤية دموع أحدٍ، لقد مزقت الدموع قلبه، لكنها لم تقدر أن تحوله عن طريق الصليب. لم يجد الرسول بولس في هذا الوصف ما يفزعه، ولا ما يستحق التفكير فيه، إنما بروح القوة التي يتمتع بها خلال النعمة الإلهية حسب ذلك تكميلاً لآلام المسيح ومشاركة حب مع المصلوب وإذ رأوا إصرار الرسول بولس مع قبوله هذه النبوة بفرحٍ أدركوا أن هذه هي مشيئة الله، فخضعوا لها. لقد أدركوا أن قرار الرسول ليس عن اعتداد في نفسه أو كبرياء ولا عن تهورٍ، لكنه دخول في طريق الصليب بفرحٍ مع تسليم كل شيء في يدي الله. كما لم يتلمسوا أدنى تردد أو تخوف مما سيحدث، فلمسوا يد الله العاملة في قلبه وفكره وكل حياته.

+ القديس بولس في أورشليم..

وصل القديس بولس والقديس لوقا الإنجيلي ومن معهم  لأورشليم في 27 مايو 57 م. عشية عيد الخمسين لان عيد الخمسين كان يوافق 28 مايو فى تلك السنة ونزل في بيت مناسون وهو رجل قبرصي { ولما وصلنا إلى أورشليم قبلنا الاخوة بفرح. وفي الغد دخل بولس معنا الى يعقوب وحضر جميع المشايخ. فبعدما سلم عليهم طفق يحدثهم شيئا فشيئا بكل ما فعله الله بين الامم بواسطة خدمته. فلما سمعوا كانوا يمجدون الرب} ( أع 17:21-20) وكان معهم ما جمعوه من مالٍ من كنائس مكدونية وأخائية لحساب فقراء أورشليم. انطلق معه من كانوا في صحبته وهم يتوقعون ما سيحل بالرسول من ضيقات، وقد أرادوا أن يكونوا في رفقته وسط الآلام. لقد سمع مناسون ما سيحل ببولس من ضيقات في أورشليم، ومع هذا لم يمتنع عن استضافته هو ومن معه مرحبًا بهم دون اعتبار لأية متاعب قد تحل به بسببهم. قام القديس بولس ومن معه بزيارة يعقوب الرسول أسقف أورشليم والكهنة والخدام فى أورشليم وحدثهم القديس بولس عن خدمته الناجحة في آسيا الصغرى واليونان بروح التواضع لم يستعرض الرسول إنجازاته الفائقة، إنما حدثهم شيئًا فشيئًا، في هدوء وروية عن أعمال الله الفائقة بين الأمم بواسطة خدمته. وكما أكد "أنا ما أنا، ولكن نعمة الله العاملة بي". كان يؤمن أنه كان يزرع، وآخرون يسقون  لكن الله هو الذي ينمي. فلما سمعوا كانوا يمجّدون الرب،

+ أقترح على القديس بولس البعض أن يعمل لاستمالة القائمين عليه من المتعصبين للناموس بالرغم من سرور القادة بعمل الله وذلك لان ربوة من اليهود الذين قبلوا الإيمان المسيحي مع غيرتهم على الناموس، بلغهم أن الرسول بولس يكرز بإنجيل النعمة متجاهلاً الناموس. { وقد أخبروا عنك،أنك تُعلم جميع اليهود الذين بين الأمم الارتداد عن موسى قائلاً:  أن لا يختنوا أولادهم، ولا يسلكوا حسب العوائد} (أع 21:21) . وكانت الإشاعات التي بلغت أورشليم كانت غير صحيحة، لأن الرسول بولس لم يكن يطالب كل اليهود بهذا، وإنما سمح للأمم القادمين للإيمان بهذا ومن جانب آخر فقد أكد أن الخلاص لا يقوم على الممارسة الحرفية للطقوس اليهودية بل على الإيمان بالمسيح العامل بالمحبة. فالناموس بحرفيته عاجز عن التبرير وكانت القيادات الكنسية تدرك أن ما قد بلغ أورشليم من إشاعات كاذبة، لكن لإرضاء هذه الألوف من المؤمنين يلزم تقديم برهان عملي على كذب هذه التقارير. وأشاروا عليه أن يبرئ نفسه بأن يحتضن عمل ناموسي بالنسبة لليهود المتنصرين، وإن كان الأمم الذين تنصروا هم في حل من هذه الطقوس. يرى البعض انه وُجد بينهم من كانوا خبثاء، لأنهم يعلمون تمامًا فكر الرسول بولس، وهم وأمثالهم تعقبوه في أكثر البلاد ليثيروا اليهود ضده، بكونه مقاومًا للناموس. اقترحوا علي القديس بولس ليأخذ أربعة رجال عليهم نذر ويتطهر معهم، وينفق عليهم ليحلقوا رؤوسهم، فيعلم الجميع أن ليس شيء ممّا أخبروا عنه بل أنه حافظًا للناموس وأمّا من جهة الذين آمنوا من الأمم، فأرسلنا الرسل إليهم وحكموا أن لا يحفظوا شيئًا مثل ذلك، سوى أن يحافظوا على أنفسهم مما ذٌبح للأصنام ومن الدم والمخنوق والزنى ( أع 24:21-25) يؤكد يعقوب الرسول أن ما يطلبونه من الرسول بولس لا يتعارض مع قرارات مجمع أورشليم (أع 15) حيث أنها خاصة بالأمم وحدهم. ولكي يصالح كنيسة أورشليم ويكسبهم ويدخل بهم تدريجيًا إلى المفاهيم الروحية العالية يمارس بعض الطقوس الخاصة بالتطهير. وكما سبق فكتب الرسول بولس { صرت للذين بلا ناموس كأني بلا ناموس، مع إني تحت ناموس المسيح، لأربح الذين هم بلا ناموس} (1 كو 9: 21). وهكذا صار أيضًا للذين تحت الناموس كأنه تحت الناموس ليحرر المستعبدين للحرف لحساب المسيح. وكانت هذه شريعة النذير فإذا نذر اليهودي نذرًا من أجل ضيقة أو طلبٍ يطلبه يترك خصل شعره لمدة ثلاثين يومًا، ولا يذق خمرًا أو مسكرًا (عد 6: 2-5)، لأنه مقدس للرب. وفي نهاية المدة يأتي بذبائح النذير، وإن كان الشخص غير قادر على تقديمها يلجأ إلى من هو مقتدر لينفق عليه. لهذا قيل لبولس: "تطهر معهم وأنفق عليهم" وقد وردت ذبائح النذير وتقدمانه في (عد 6: 14-21).

+ ثورة ضد بولس في الهيكل والقبض عليه...

دخل القديس بولس الهيكل ومعه الأربعة ذوى النذر، وقد تطهر الجميع، وتوجه معهم نحو رواق الكهنة وكان يظن أنه بهذا يهادن المتعصبين ضده من جهة الناموس. وإذ كان الوقت هو عيد الخمسين، وقد جاء اليهود من كل العالم، رآه الذين هم من آسيا، خاصة الذين من أفسس، وكانوا قد امتلأوا حقدًا ضد بولس كمقاوم للناموس. لم يذهبوا إلى رئيس الكهنة، ولا إلى قضاة المدينة، ليقدموا اتهامات ضده، لأنهم ربما شعروا أن هذا التصرف الحكيم لن يحقق لهم اشتياقهم من جهة الخلاص من بولس، إنما لجأوا إلى شغب شعبي. إذ أحدثوا شغبًا علي أنه بولس دخل الهيكل ودنسه { وَلَمَّا قَارَبَتِ الأَيَّامُ السَّبْعَةُ أَنْ تَتِمَّ رَآهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ مِنْ أَسِيَّا فِي الْهَيْكَلِ فَأَهَاجُوا كُلَّ الْجَمْعِ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ الأَيَادِيَ. صَارِخِينَ: «يَا أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ أَعِينُوا! هَذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يُعَلِّمُ الْجَمِيعَ فِي كُلِّ مَكَانٍ ضِدّاً لِلشَّعْبِ وَالنَّامُوسِ وَهَذَا الْمَوْضِعِ حَتَّى أَدْخَلَ يُونَانِيِّينَ أَيْضاً إِلَى الْهَيْكَلِ وَدَنَّسَ. لأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ رَأَوْا مَعَهُ فِي الْمَدِينَةِ تُرُوفِيمُسَ الأَفَسُسِيَّ فَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ بُولُسَ أَدْخَلَهُ إِلَى الْهَيْكَلِ. فَهَاجَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا وَتَرَاكَضَ الشَّعْبُ وَأَمْسَكُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ الْهَيْكَلِ. وَلِلْوَقْتِ أُغْلِقَتِ الأَبْوَابُ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ نَمَا خَبَرٌ إِلَى أَمِيرِ الْكَتِيبَةِ أَنَّ أُورُشَلِيمَ كُلَّهَا قَدِ اضْطَرَبَتْ. فَلِلْوَقْتِ أَخَذَ عَسْكَراً وَقُوَّادَ مِئَاتٍ وَرَكَضَ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا رَأُوا الأَمِيرَ وَالْعَسْكَرَ كَفُّوا عَنْ ضَرْبِ بُولُسَ. حِينَئِذٍ اقْتَرَبَ الأَمِيرُ وَأَمْسَكَهُ وَأَمَرَ أَنْ يُقَيَّدَ بِسِلْسِلَتَيْنِ وَطَفِقَ يَسْتَخْبِرُ: تُرَى مَنْ يَكُونُ وَمَاذَا فَعَلَ؟. وَكَانَ الْبَعْضُ يَصْرُخُونَ بِشَيْءٍ وَالْبَعْضُ بِشَيْءٍ آخَرَ فِي الْجَمْعِ. وَلَمَّا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَعْلَمَ الْيَقِينَ لِسَبَبِ الشَّغَبِ أَمَرَ أَنْ يُذْهَبَ بِهِ إِلَى الْمُعَسْكَرِ.} (أع 27:12-34) . لقد صار بولس بين أيديهم، داخل الهيكل، ليس من أعوان له ولا من قانون روماني يحميه داخل الهيكل، فوثبوا عليه وهيجوا الجمع اليهودي ضده بكونه مدنسًا للموضع المقدس. إنها ساعتهم وسلطان الظلمة (لو 22: 53). وقد رأوا مع بولس الرسول تروفيموس في مدينة أورشليم، وظنوا أنه مرافق له أينما وجد، حتى داخل الهيكل. ما رآه الشعب هو بولس الرسول، لكنهم ظنوا أن في صحبته تروفيموس داخل الهيكل. كثيرا ما يصدق الشعب أكاذيب خلال رؤيتهم لنصف الحقيقة دون التأكد من الحقيقة كاملة. نصف الحقيقة أن بولس في الهيكل والنصف الكاذب أنه أدخل معه تروفيموس إلى الهيكل. وسرعان ما ثارت الجماهير التي في المدينة فسحبت الرسول بولس من دار إسرائيل إلى دار الأمم وجروه خارج الهيكل وأغلقوا الأبواب بين رواق الأمم وباقي الهيكل ليقتلوه. لكن نما الخبر إلى أمير الكتيبة، فأخذ عسكرًا وقواد مئات وركض إليهم. وبكل جهد أنقذوه وحموه بدروعهم وحملوه على أكتافهم. أما هو فاحتمل بصبر لكي يقدم دفاعه فيما بعد. فتدخّل أمير الكتيبة من  قلعة أنطونيا حيث تقيم فيها الكتيبة العسكرية الرومانية، شمال غرب الهيكل، وكانت مرتبطة بالهيكل بمجموعتين من السلالم حتى يمكن سرعة تحركها عند الضرورة. كانت الكتيبة تضم ألفا من الجند. وإذ سمع أمير الكتيبة بمحاولة قتل بولس أخذ معه على الأقل قائدي مائة ومائتين جنديا وتدخل لإنقاذ حياته. فقيد بولس بين العسكر ليهدئ من روع الجماهير، بأنه لن يفلت أحد من يد العدالة، وفي نفس الوقت إذ يكون مقيدًا بعسكريين يكون في ذلك حماية له حتى تتم محاكمته وبهذا تحققت نبوة أغابوس (أع 21: 11). إذ سأل الأمير الشعب الثائر: "من هو هذا الإنسان؟ وما هي جريمته؟" كانت الإجابة صرخات بلا معنى. لم يعرفوا حقيقة بماذا يتهمون الرسول؟ كان البعض يصرخ بشيء, وآخرون بشيء آخر. ولم يستطع الأمير ولا رجاله أن يتحققوا الأمر. حُمل الجند بولس إلى القلعة، وقد تزايدت الصرخات، ولم يعرف أمير الكتيبة ماذا وراء هذا كله. وتشجعت الجماهير المحتشدة المتعصبة بلا فهم حين رأت فريستهم قد صارت في القيود. وإذ كان كثيرون منهم قد وضعوا في قلوبهم أن يسحقوه وهو في وسط الجنود، وصاروا يضربونه من كل جانب وهم يصرخون: اقتله, اقتله. ولولا أن العسكر حملوه إلى الدرج لمزقته الجماهير وفي وسط هذا كله لم يوجد شخص واحد يلتزم بالهدوء مع السلام الداخلي سوى الرسول بولس نفسه.

نصلي من أجل كل من فى ضيقة

+ أيها الرب الهنا، محب البشر الصالح، اليك نصلي من أجل المتضايقين والمسجونين والمضطهدين والذين يعانوا من الوباء والغلاء والظلم وكل نفس لها تعب مع كل هؤلاء لكي تخلص شعبك وتنظر الى عالمنا بعين الرحمة والمحبة وأنت القادر على كل شئ.

+ يا مسيحنا القدوس، الذي قال تعالوا الي يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، ها نحن نأتي اليك ونطرح أمامك أتعابنا وامراضنا وضيقاتنا وأنت الراعي الصالح القادر تحل المقيدين وتفرح المحزونين وتقيم الساقطين وتقودنا فى موكب نصرتك.

+ يا روح الله القدوس، أعمل بقوة في الرعاة والخدام من أجل خلاصنا وانقذهم من حيل إبليس ومن كل ضيقة وأعمل معنا، رعاه ورعيه وامنحنا روح السلام والمحبة وقوي إيماننا لنعبدك بالروح والحق ونمجد اسمك القدوس، الأن وكل أوان والي دهر الدهور، أمين.

الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

65- القديس بولس الرسول والرحلة التبشيرية الثالثة -2


للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

السفر الى مكدونية ...

+ رأينا عمل نعمة الله مع القديس بولس التي كانت تقويه وتقوده في خدمته فى أفسس وما حولها ومع ثورة بعض من اليهود ضد بولس وهياج صناع الفضة لارطاميس الذي أثاره ديمتريوس رأى القديس بولس إن ما حدث هو إشارة من قبل نعمة الله أن يتحرك للخدمة في موضع آخر. وخروجه من أفسس يهدئ من ثورة مقاوميه، فغادر بولس الرسول أفسس في ربيع سنة 57 م وخرج ليذهب إلى مكدونية ولما اجتاز في تلك النواحي وعظهم بكلام كثير ثم ذهب إلى هلاس لمدة ثلاث أشهر (أع 1:20-3). وفي رسائل القديس بولس تفاصيل دقيقة لم ترد في سفر الأعمال عن خدمته هناك، منها أنه إذ ترك أفسس انطلق إلى الشمال متنقلاً من مدينة إلى مدينة، ومن جزيرة إلى جزيرة حتى جاء إلى ترواس. وكان في رفقته اثنان من أفسس هما تيخكس وتروفيموس، رافقاه في الذهاب والعودة ومعهما إخوة آخرون. وكتب رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس قبل خروجه حيث جاء فيها {حاربت وحوشًا في أفسس} مشيرًا بهذا إلى الشغب الذي حدث. وإن كان البعض يرى أنه بالفعل أُلقي في وسط وحوش جائعة والرب أنقذه بولس.

+ انطلق القديس بولس إلى الكنائس اليونانية التي قام بإنشائها لكي يرعي ما قد سبق فغرسه، مبتدأ من الكنيسة في كورنثوس كما كانت نيته قبل حدوث الشغب (أع 19: 21). وعندما وصل إلى ترواس وجد فرصة عظيمة للكرازة بالإنجيل، لكنه كان حزينا بالانشقاقات التي كانت في كورنثوس، وبعث بتيطس إلى كورنثوس ليعالج هذه المشاكل بين المؤمنين هناك، وترك ترواس واتجه إلى مكدونية ليلتقي بمعينه تيطس من كورنثوس يحمل أخبار طيبة عن تحسن الأحوال في الكنيسة (كو 7: 5-16). عندئذ كتب الرسول رسالته الثانية الي كورنثوس وبعث بها مع تيطس ومن هناك قام بزيارة فيلبي وتسالونيكي، وكان يهتم بوعظهم والكرازة بينهم دون أن يقيد نفسه بزمنٍ معينٍ. وقد بقي ثلاثة شهور يفتقد الكنائس ويكرز في اليونان وأخائية. هناك كتب رسالته إلى أهل رومية، فيها يعلن لهم عن رغبته في الذهاب إلى أورشليم، ومن هناك يذهب إلى روما (رو 15: 22- 29). لم يذكر القديس لوقا البشير غاية ذهاب الرسول إلى أورشليم، وهو أن يقدم ما جمعه بسخاء من مكدونية و اخائية لمساعدة فقراء أورشليم (رو15: 25- 27؛ 2 كو 8: 1-9). { ثم إذ حصلت مكيدة من اليهود عليه، وهو مزمع أن يصعد إلى سورية، صار رأي أن يرجع على طريق مكدونية} (أع 3:20) لم يسجل لنا القديس لوقا ما هي هذه المكيدة التي وضعت ضد بولس. يرى البعض أنها كانت هجومًا على السفينة أو القبض عليه داخل السفينة، لهذا قرر السفر برًا، وكان ذلك في صالح كنائس مكدونية حيث تمتعت بزيارة أخرى للرسول. وقد انضم القديس لوقا الإنجيلي لبولس فنراه يقول { وأمّا نحن فسافرنا في البحر بعد أيام الفطير من فيلبي، ووافيْناهم في خمسة أيام إلى ترواس، حيث صرفنا سبعة أيام} ( اع 6:20). وقد كانت ترواس هي نقطة الانطلاق الأولى من آسيا إلى أوربا، حيث ظهر للرسول بولس رجل مكدوني في رؤيا يتوسل إليه: { أعبر إلينا وأعنا} (أع 16: 9) وذلك في رحلته التبشيرية الثانية. ولم يتوقف الرسول كثيرًا في هذه المدينة في الرحلة الثانية، لكنه صمم في هذه الرحلة الثالثة أن يمكث فيها زمان ليؤسس خدمة ثابتة للمسيح والإنجيل.

+ أقامة أفتيخوس من الموت... إذ كان الرسول مزمعًا أن يغادر المدينة في اليوم التالي أجتمع بالمؤمنين وصلوا  سرّ الإفخارستيا وتحدث معهم إلى ساعات طويلة حتى فجر الأحد. كانت الكنيسة الأولى تقدس يوم الرب "الأحد" (1 كو 16: 2؛ رؤ 1: 10). وفيه تتم خدمة الكلمة والعبادة الجماعية بالاحتفال بسرّ الإفخارستيا { وفي أول الأسبوع إذ كان التلاميذ مجتمعين ليكسروا خبزًا، خاطبهم بولس وهو مزمع أن يمضي في الغد، وأطال الكلام إلى نصف الليل} (أع 7:20). استمرت العظة حتى منتصف الليل، وذلك لأن الرسول كان يستعد للسفر، وكان الكل مشتاقًا إلى كلمة الله. وكأن كلمات الوداع للرسول وتقديم كلمة الله كمصدر خلاص وتعزية لهم { وكان شاب اسمه افتيخوس جالسًا في الطاقة متثقلاً بنوم عميق، وإذ كان بولس يخاطب خطابًا طويلاً غلب عليه النوم، فسقط من الطبقة الثالثة إلى أسفل وحُمل ميتًا} (أع 9:20). لقد أراد  إبليس أن يسبب اضطرابًا بسقوط هذا الشاب ميتًا، لكن الله بعنايته الفائقة حول الأمر لمجده وبنيان الكنيسة واقامه بولس من الموت وبلا شك أن إقامة الشاب قد خلقت جوًا من البهجة وفرصة لأحاديث وأسئلة حول الحياة الإيمانية الحية والقيامة وقد تقوى إيمان الكثيرين.

+ السفر إلى ميليتس...

سافر القديس بولس من ترواس برا ويبرر البعض ذهابه مشيًا مع ترك رفاقه أن يذهبوا بحرًا، أنه مع محبته العظيمة لأصدقائه، لكنه بين الحين والآخر يفضل السير وحده ليختلي مع الله. آخرون يرون أنه في محبته لرفاقه كان يختار لهم الطريق السهل المريح، بينما يختار لنفسه الطريق الشاق، ليمارس نوعًا من الإماتة وبذل الذات، مخضعًا جسده للآلام كشركة مع آلام السيد المسيح {  وأما نحن فسبقنا الى السفينة و اقلعنا الى اسوس مزمعين أن نأخذ بولس من هناك لأنه كان قد رتب هكذا مزمعا ان يمشي. فلما وافانا إلى اسوس اخذناه واتينا إلى ميتيليني. ثم سافرنا من هناك في البحر واقبلنا في الغد إلى مقابل خيوس وفي اليوم الاخر وصلنا الى ساموس وأقمنا في تروجيليون ثم في اليوم التالي جئنا إلى ميليتس. لان بولس عزم أن يتجاوز افسس في البحر لئلا يعرض له أن يصرف وقتا في آسيا لأنه كان يسرع حتى إذا أمكنه يكون في أورشليم في يوم الخمسين.} ( أع 13:20-16). ميليتس تدعى أيضا ميلتيرن هي مدينة وميناء بحرى، عاصمة ايونيا القديمة تميزت بمعبدها الضخم للإله أبوللو. يدعوها الأتراك حاليا ميلاس. وهي مسقط رأس تاليس أحد حكماء اليونان السبعة.

+ أجتماع بالكهنة في ميليتس..

 استدعى القديس بولس واستدعى قسوس كنائس أفسس، وقد قطعوا رحلة لا تقل عن 20 ميلاً وحدثهم في عظة وداعية رعوية لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه  مقدمًا نفسه مثلاً عمليًا في الرعاية  {فلما جاءوا إليه قال لهم انتم تعلمون من أول يوم دخلت اسيا كيف كنت معكم كل الزمان. اخدم الرب بكل تواضع ودموع كثيرة وبتجارب أصابتني بمكايد اليهود. كيف لم أؤخر شيئا من الفوائد إلا واخبرتكم وعلمتكم به جهرا وفي كل بيت. شاهدا لليهود واليونانيين بالتوبة الى الله والإيمان الذي بربنا يسوع المسيح. والان ها أنا أذهب إلى اورشليم مقيدا بالروح لا أعلم ماذا يصادفني هناك. غير أن الروح القدس يشهد في كل مدينة قائلا ان وثقا وشدائد تنتظرني. ولكنني لست أحتسب لشيء ولا نفسي ثمينة عندي حتى أتمم بفرح سعيي والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع لأشهد ببشارة نعمة الله. والان ها انا اعلم انكم لا ترون وجهي أيضا انتم جميعا الذين مررت بينكم كارزا بملكوت الله. لذلك أشهدكم اليوم هذا أني بريء من دم الجميع. لأني لم أؤخر أن أخبركم بكل مشورة الله. احترزوا اذا لانفسكم ولجميع الرعية التي اقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه.لاني اعلم هذا أنه بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية. ومنكم أنتم سيقوم رجال يتكلمون بامور ملتوية ليجتذبوا التلاميذ وراءهم. لذلك اسهروا متذكرين أني ثلاث سنين ليلا ونهارا لم أفتر عن أن أنذر بدموع كل واحد. والآن أستودعكم يا إخوتي لله و لكلمة نعمته القادرة أن تبنيكم وتعطيكم ميراثا مع جميع المقدسين. فضة أو ذهب أو لباس أحد لم أشته. أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات  الذين معي خدمتها هاتان اليدان. في كل شيء اريتكم انه هكذا ينبغي أنكم تتعبون وتعضدون الضعفاء متذكرين كلمات الرب يسوع انه قال مغبوط هو العطاء اكثر من الاخذ. ولما قال هذا جثا على ركبتيه مع جميعهم وصلى. و كان بكاء عظيم من الجميع و وقعوا على عنق بولس يقبلونه. متوجعين ولا سيما من الكلمة التي قالها انهم لن يروا وجهه ايضا ثم شيعوه الى السفينة} (أع 17:20-38). أنه حديث بولس يحمل روح الأبوة الحانية، يكشف عن حياته وتعاليمه. يذكرهم بكيفية سلوكه حين كان في وسطهم. فقد عاش بينهم لمدة ثلاث سنوات (أع 20: 30)، وحتمًا لمسوا كيف يكرس حياته لخدمة الله والإنجيل، وإيمانه الحي وإخلاصه في محبته لله ولهم.وما يشغله هو مجد الله وبنيان كنيسته وتأسيس ملكوته في قلب كل إنسان. لا يداهن ولا يجامل على حساب خلاص النفوس، وفي نفس الوقت لا يخدم في اعتدادٍ بنفسه، بل كل تواضعٍ ودموعٍ كثيرةٍ وبتجاربٍ. إنه يشارك سيده تواضعه واحتماله التجارب والآلام من أجل محبته للبشرية. ولم يكف عن أن يقدم كل ما فيه نفع لهم، فهو مخلص في محبته وسعيه لسعادتهم في الرب، والتمتع بالمجد الداخلي. لم يخدم عن تعصبٍ، ولا عن زيادة عدد، ولا لافتخارٍ بالنجاح، وإنما في أبوة يطلب ما هو لبنيان المؤمنين.

+  أمران كانا يشغلان فكر الرسول وهما التوبة والإيمان. فيشهد بإيمانه بالسيد المسيح أمام كل البشرية، أما عن التوبة فهي العودة إلى الله لأن الخطية في الواقع موجهة ضد الله القدوس الذي بلا خطية فتسحب الإنسان من الحضرة الإلهية. كان الرسول بولس ذاهبًا إلى أورشليم حسب التدبير الإلهي وبتوجيه الروح القدس له. فهو لا يُلقي بنفسه وسط التجارب بإرادته الذاتية أو عن اعتداد بذاته أو بحكمته أو قدرته. ولم يذهب شوقًا لرؤية مدينة آبائه، أورشليم، ولا للعبادة في الهيكل اليهودي، إنما كمن يقيده الروح ويشهد الروح القدس سواء بالإعلان المباشر له أو نبوات التي يسمعها من أناسٍ لهم موهبة النبوة كما جاء في (أع 21: 11) أنه سيقيد ويدخل في شدائد وليس شيء من كل الشدائد يمكن أن تنزع عن الرسول بولس فرحه وسلامه الذي يرافقه عبر كل جهاده، حاسبًا أن حياته الزمنية ذبيحة حب لله. كل ما يشغله أن يحقق هدفه، ويتمم خدمته التى تسلمها من الرب نفسه شاهدًا ببشارة نعمة الله. وشهد الرسول بولس أنه كان مخلص في خدمته ولم يقصر في حق أحدٍ منهم، وهم شهودًا في يوم الدينونة على أمانته وإخلاصه. فهو لم يمتنع عن تقديم مشاورة الله وإرادته التي تطلب خلاص الجميع كان الإنجيل بالنسبة له مفتوحًا، يقدمه كما هو للجميع، لا يخشى الاضطهادات، ولا يطلب أمجاد زمنية وكرامات. لم يخفِ شيئًا من الحق، بل قدمه بكل صراحة بغير تزييف، في بساطة ووضوح دون فلسفة بشرية. وعليهم أن يهتموا بكنيسة الله التي اقتناها بدمه لقد دعاهم الله وأقامهم الروح القدس للخدمة والرعاية.

+  يتنبأ القديس بولس عن ظهور معلمين كذبة، أشبه بالذئاب الخاطفة التي لا تبالي بالخراف، بل تفترس وتُهلك، إذ يطلب المعلمون كرامتهم الزمنية، و يتشبثون بإرادتهم الذاتية. كل ما كان يشغل الكثيرين منهم هو المجادلة لا لبلوغ الحق، وإنما لحب الجدال في ذاته. والخطر الذي يصدر من الداخل أصعب بكثير من الذي يأتي من الخارج، خاصة أن صدر عن معلمين أو خدام داخل الكنيسة. ذكر الرسل أسماء أشخاص أساؤوا إلى كنيسة الله من الداخل، مثل ديوتريفس (3 يو 9)، فيجيلوس أو هيرموجينس (2 تي 1: 15)، وهيمينيس والكسندر (1 تي 1: 20). هؤلاء الذين بسبب الطمع أو حب الكرامة كوَّنوا تحزبات داخل الكنيسة سببت انشقاقات. الكنيسة لا ترهب العدو الخارجي مادام الداخل مقدسًا في الرب. لم يكف الرسول بولس عن دعوتهم للسهر، وكما يكتب إلى أهل تسالونيكي: {لا ننم إذا كالباقين بل لنسهر ونصح، لأن الذين ينامون فبالليل ينامون، والذين يسكرون فبالليل يسكرون، وأما نحن الذين من نهارٍ، فلنصحُ، لابسين درع الإيمان والمحبة وخوذة هي رجاء الخلاص}(1 تس 6:5-8),

+  إذ لم تعد هناك فرصة للقاء آخر معهم سلم حياتهم في يدي الله وتحت حمايته ورعايته، ولكلمة نعمته ووعود الله الصادقة المجانية، تحفظهم من التجارب وتبنيهم وتهيئهم للميراث الأبدي في شركة مع القديسين. ما يشغل ذهن الرسول بولس على الدوام الميراث المُعد وبعد أن أوصاهم بخصوص الاهتمام بخلاص أنفسهم وخلاص الرعية، قدم حياته درسًا عمليًا في التعب بعمل اليدين، لا لإشباع احتياجاته فحسب، بل ولكي ينفق على من معه، وعلى الضعفاء المحتاجين. وكان قانون حياته كلمات السيد المسيح: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ". ثم جثا على ركبتيه معهم وصلى ليتركهم في يد الله،  لم يصلِ فقط من أجلهم بل وصلى معهم، ليقدم الكل صلاة جماعية، إنها صلاة وداعية جاءت بعد الحديث الوداعي، لكي تبقى البصمات الأخيرة في ذهنهم، أنه لا طريق للنجاة إلا بالصلاة ثم شيعوه إلى السفينة وهم يرونه كمن ينطلق من بينهم إلى السماء، لن يروه بعد إلا مع رب المجد يسوع حين يأتي على السحاب، ليضم كنيسته إليه، وينطلق بها إلى حضن الآب.

صلاة للتوبة والإيمان ...

+ أيها الرب الهنا الذى يريد أن الكل يخلصون والى معرفة الحق يقبلون، توبنا فنتوب ونقلع عن كل الخطايا والآثام والذنوب ونرجع إليك من كل القلوب، نبكي بعدنا ونعترف بخطايانا ونؤمن بمحبتك الالهية ونسلم حياتنا لقيادتك الأمينة ونحيا الإيمان العامل بالمحبة.

+ أيها المسيح رئيس الكهنة الأعظم، الذى بذل ذاته عنا خلاصنا وأقتنانا بدمه، لنكون كنيسة مقدسة بلا عيب ولا دنس، أرعانا وأرشدنا لنسلك كما يحق للدعوة المقدسة التي إليها دُعينا نسلك بكل تواضع القلب وطول الأناة مسرعين الي حفظ وحدانية الروح برباط الصلح الكامل والإيمان وحسب دعوتك المقدسة وعلي خطي رسلك القديسين.

 ياروح الله القدوس، أبعث فينا روح التوبة والرجوع اليك، وانهض قلوبنا بنار المحبة الإلهية لنثمر ثمار البر والتقوى وننقاد متقوين في الروح، نامين في النعمة وعاملين إرادتك المقدسة كل حين، فرحين في الرب وصابرين في الضيقة ومواظبين على الصلاة، أمين 

الاثنين، 14 ديسمبر 2020

64- القديس بولس الرسول والرحلة التبشيرية الثالثة -1


للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

القديس بولس الرسول والكنيسة فى أفسس

+ قام القديس بولس الرسول برحلته التبشيرية الثالثة لافتقاد وتثبيت المؤمنين والتبشير وتأسيس كنائس جديدة أنطلق من إنطاكية سوريا إلى غلاطية وفيريجية (18: 22-23). اجتاز الرسول بولس تلك النواحي يبشر ويثبت المؤمنين حتي وصل إلي أفسس وقد قضى حوالي ثلاث سنوات فى أفسس (18: 24- 19: 41). وفيها صنع بولس قوات غير معتادة حتى آن كثيرين أمنوا وكان الله يسنده ويشجعه لاحتمال ما يحل به بسبب ثورة الأفسسين عليه هو ومن معه لان إبليس لم يحتمل أن يرى أبناءه الذين أغتصبهم لنفسه يلقون كتب السحر في النار ويرجعوا بالتوبة إلى الآب السماوي نقراء في سفر أعمال الرسل عن الرحلة الثالثة { فَحَدَثَ فِيمَا كَانَ أَبُلُّوسُ فِي كُورِنْثُوسَ أَنَّ بُولُسَ بَعْدَ مَا اجْتَازَ فِي النَّوَاحِي الْعَالِيَةِ جَاءَ إِلَى أَفَسُسَ. فَإِذْ وَجَدَ تَلاَمِيذَ. سَأَلَهُمْ: «هَلْ قَبِلْتُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمَّا آمَنْتُمْ؟» قَالُوا لَهُ: «وَلاَ سَمِعْنَا أَنَّهُ يُوجَدُ الرُّوحُ الْقُدُسُ». فَسَأَلَهُمْ: «فَبِمَاذَا اعْتَمَدْتُمْ؟» فَقَالُوا: «بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا». فَقَالَ بُولُسُ: «إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ قَائِلاً لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ». فَلَمَّا سَمِعُوا اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ. وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ فَطَفِقُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ وَيَتَنَبَّأُونَ. وَكَانَ جَمِيعُ الرِّجَالِ نَحْوَ اثْنَيْ عَشَرَ. ثُمَّ دَخَلَ الْمَجْمَعَ وَكَانَ يُجَاهِرُ مُدَّةَ ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ مُحَاجّاً وَمُقْنِعاً فِي مَا يَخْتَصُّ بِمَلَكُوتِ اللهِ. وَلَمَّا كَانَ قَوْمٌ يَتَقَسُّونَ وَلاَ يَقْنَعُونَ شَاتِمِينَ الطَّرِيقَ أَمَامَ الْجُمْهُورِ اعْتَزَلَ عَنْهُمْ وَأَفْرَزَ التَّلاَمِيذَ مُحَاجّاً كُلَّ يَوْمٍ فِي مَدْرَسَةِ إِنْسَانٍ اسْمُهُ تِيرَانُّسُ. وَكَانَ ذَلِكَ مُدَّةَ سَنَتَيْنِ حَتَّى سَمِعَ كَلِمَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ جَمِيعُ السَّاكِنِينَ فِي أَسِيَّا مِنْ يَهُودٍ وَيُونَانِيِّينَ. وَكَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ. حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ.} (أع 1:19-12).

+ مدينة أفسس ومعبدها .. كانت أفسس ملتقى لشعوب وحضارات مختلفة كعاصمة لآسيا الصغرى وقد بناها أندروكليس الأثيني،وهي مدينة ذات طبيعة غنية في أرضها وأنهارها ومينائها، امتازت بالخصوبة والتجارة وكانت ملتقى طرق ومكتظة بالأبنية الفخمة، تفاخر بها أثينا. أعظم الأبنية فيها هو هيكل أرطاميسArtemis ، والمعروف بـمعبد دياناDiana . كان طول  الهيكل 425 قدمًا وعرضه 220 قدمًا، وارتفاع العمود 60 قدمًا، وعدد الأعمدة 127 عامودًا، وكان تمثالها في داخل الهيكل بدائيًا يمثل آلهة الصيد، به بروزات عديدة بشكل الثدي، تعبيرًا عن الخصوبة. كان المتعبدون له يعتقدون أنه هبط من السماء. وهو أحد عجائب الدنيا السبع، وعند زيارة الاسكندر الأكبر له طلب أن يُنقش اسمه عليه، فرفض الأفسسيون في تشامخ. وبقي هكذا حتى أيام القديس بوليكاربوس. لكن اقتحمه الغوطيون الذين نزحوا من وراء الدانوب، وهدموه حتى الأساس، وانمحت معالمه، فلا يُعرف موقعه تمامًا. وقد تبارى صناع الفضة في عمل تماثيل مصغرة وهياكل مصغرة من الفضة يشتريها العباد والسياح، وكان ذلك مصدر رزق ليس بقليل (أع 19: 24-25). وقد عُثر على نقود في ذلك الموضع نُقش عليها من جانب هيكل أرطاميس.

+ جاء القديس بولس الرسول إلى أفسس حوالي عام 54 أو 55م ومكث هناك حوالي ثلاث سنوات حسب قوله { ثلاث سنين ليلاً ونهارًا لم أفتر عن أن أنذر بدموع كل واحد} (أع 20: 31). وقد كانت الباكورة إيمان وعماد أثني عشر شخص يرى البعض أن هؤلاء الاثنى عشر كانوا قد آمنوا بأن المسيح قد جاء لكنهم لم يتعرفوا على حلول الروح القدس وكانت قلوبهم مستعدة لقبول الروح القدس والتمتع بالميلاد الثاني لكنهم لم يجدوا من يكرز لهم بذلك. كانوا في حاجة إلى قبول ختم الروح القدس الذي وهب للكنيسة كي ينير لهم الحق، ويثبتوا في تعليم المسيح، ويهبهم ثمر الروح الذي هو الشركة في الطبيعة الإلهية، فيتمتعوا بالحب والفرح والسلام والتعفف والصلاح ويسيروا بالروح. بعد ان عمدهم القديس بولس وضع الرسول يديه عليهم لينالوا سرّ التثبيت، وقد نالوا بعض مواهب الروح مثل التكلم بألسنة والتنبؤ. لقد أنعم الله عليهم بالمواهب للتأكد من التمييز بين معمودية يوحنا ومعمودية باسم يسوع المسيح. كامتداد ليوم البنطقستي وفاعليته إلى مدى الدهور.

 +   كعادته بدأ القديس بولس الخدمة في أفسس في المجمع اليهودي، مقدمًا لهم الإنجيل، ليجمع خراف بيت إسرائيل الضالة، المشتتة على الجبال. وهو في هذا كان يقتدي بالسيد المسيح. كان يشترك معهم في العبادة داخل المجمع لينزع عنهم روح الإجحاف، ويستميلهم نحوه لعله يكسبهم وكان يشاركهم عبادتهم في أيام السبوت، حتى تتكون كنيسة العهد الجديد في المدينة وينقل المؤمنين للعبادة في يوم الأحد. بقي لمدة ثلاثة شهور في حوار معهم دون يأس ولا ملل. كان حديثه معهم طوال الثلاثة أشهر يركز على "ملكوت الله" الذي يؤسسه في قلوب البشر، ليهبهم الحياة المطّوبة، ويجعل من أعماقهم أيقونة السماء. كان يصحح مفاهيمهم عن مملكة المسيا الذي كانوا ينتظرونه، إنها ليست مملكة زمنية أرضية، بل مملكة من السماء روحية. كان يحاججهم، أي يدخل معهم في حوار، ويقدم لها براهين من الكتاب المقدس، ويجيب على اعتراضاتهم، ويقدم لهم أسئلة ويتقبل إجاباتهم. لم يطالبهم بالإيمان دون تفكيرٍ بل "مقنعًا" إياهم بدلائل عقلية وفهم. ومن ثم هاج البعض على بولس فاستخدم  بولس ومن معه مدرسة تيرانس للكرازة لمدة سنتين.

+ خدمة القديس بولس في مدرسة تيرانس .. إذ قسى البعض قلوبهم وقاوموا كلمة الحق لمدة ثلاثة شهور بالرغم من الجهود التي بذلها معهم ترك المجمع اليهودي، وسحب معه الذين أمنوا، ليتتلمذوا على يديه يوميًا في مدرسة تيرانس ويمارسوا الصلاة فيها ككنيسة. يعتقد البعض إنها مدرسة فلسفية للأمم تنتمى لتيرانس، وهو شخص كان له مركز كبير. لقد انسحب القديس بولس من المجمع ليس فقط حفظ تلاميذه من العثرة، وإنما لأعطاه الفرصة للقاء مع التلاميذ يوميًا. هذا وقد انفتح الباب للإيمان أمام الكثيرين، ففي المجمع اليهودي لم يكن ممكنًا أن يحضر سوى اليهود والدخلاء، أما في المدرسة، فكان يمكن لليهود كما للأمم أن يدخلوا أبواب الحكمة الإنجيلية المفتوحة لكل البشرية ولمدة سنتين { حتى سمع كلمة الرب يسوع جميع الساكنين في آسيا، من يهود ويونانيين}( أع 10:19). في هذه المدة أسس بولس الرسول كنائس في كولوسي ولاودكية وهيرابوليس (كو 2: 1؛ 4: 13)، وبعض الكنائس الأخرى التي في آسيا الصغرى والواردة في سفر الرؤيا (رؤ 2: 3).إذ كان كثيرون يحضرون إلى أفسس بكونها عاصمة آسيا، لممارسة العبادة أو للتجارة أو للتعليم أو للقضاء، كانوا يسمعون عن الرسول بولس فيستمعون إليه. وهكذا الشعب الجالس في الظلمة رأى نور شمس البرّ، ربنا يسوع مشرقًا عليهم.

 + صنع الله على يدي بولس قوات غير المعتادة و ثبت الله كرازة الرسول بولس وتعليمه، وفي أفسس وُجد بولس مقاومة شديدة وشتائم من اليهود والأمم، لهذا كان الله يصنع على يدي بولس قوات غير معتادة {حتى كان يؤتى عن جسده بمناديل أو مآزر إلى المرضى، فتزول عنهم الأمراض، وتخرج الأرواح الشريرة منهم}( أع 12:19). إذ كان الشيطان يعمل بكل قوةٍ خلال عظمة أرطاميس، سند الرب كنيسته فأعطى الرسول أن يصنع قوات غير معتادة (أع 19: 11-12)؛ وكان اسم يسوع يتعظم (أع 19: 17)، وجاء كثيرون بكتب السحر ويحرقونها أمام الجميع، قُدرت أثمانها خمسين ألفًا من الفضة. هكذا كانت كلمة الرب تنمو وتقوى بشدة (أع 19: 19-20). كان القديس بولس هو الأداة المقدسة التي يستخدمها الله وقد قدس الله ليس فقط جسده بل وحتى المناديل والمآزر التي على جسمه الضعيف، كانت توضع على المرضى ومن بهم أرواح شريرة فيشفوا. وأكد الله أنه أعطاهم سلطانًا على الأرواح النجسة وأن يشفوا كل الأمراض (مت 10: 1). وعندما شرع قوم من اليهود الطوافين ان يستخدموا اسم يسوع المسيح وبولس من أجل الكسب المادي ولعمل السحر وظنوا أنهم يمارسون هذا العمل بقوة اسم يسوع الذي يكرز به بولس،لاخراج الشياطين فاستهزاء بهم أبليس وغلبهم {  فَقَالَ الرُّوحُ الشِّرِّيرُ لَهُمْ: «أَمَّا يَسُوعُ فَأَنَا أَعْرِفُهُ وَبُولُسُ أَنَا أَعْلَمُهُ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَمَنْ أَنْتُمْ؟».فَوَثَبَ عَلَيْهِمُ الإِنْسَانُ الَّذِي كَانَ فِيهِ الرُّوحُ الشِّرِّيرُ وَغَلَبَهُمْ وَقَوِيَ عَلَيْهِمْ حَتَّى هَرَبُوا مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ عُرَاة وَمُجَرَّحِينَ. وَصَارَ هَذَا مَعْلُوماًعِنْدَ جَمِيعِ الْيَهُودِ وَالْيُونَانِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي أَفَسُسَ. فَوَقَعَ خَوْفٌ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَكَانَ اسْمُ الرَّبِّ يَسُوعَ يَتَعَظَّمُ. وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ.وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ السِّحْرَ يَجْمَعُونَ الْكُتُبَ وَيُحَرِّقُونَهَا أَمَامَ الْجَمِيعِ. وَحَسَبُوا أَثْمَانَهَا فَوَجَدُوهَا خَمْسِينَ أَلْفاً مِنَ الْفِضَّةِ. هَكَذَا كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ تَنْمُو وَتَقْوَى بِشِدَّةٍ.} ( أع 15:19-20). لقد استخدم الله الصالح الأحداث لبنيان الكنيسة، إذ وقع خوف الرب على جميع اليهود والأمم الساكنين في أورشليم، وتعظم اسم الرب يسوع أمام كثيرين. وأدرك كثير من السحرة وهواة الأعمال السحرية ضعف قوة إبليس وكل جنوده أمام اسم الرب يسوع متى صدر عن قلب له شركة معه ونفس مقدسة له. في جدية جاء كثيرون بكتب السحر التي كانوا يستعملونها فكانوا يحرقونها علانية، دون أية اعتبار لأثمانها. لقد حرقوا كتب السحر علانية أمام الجميع، معلنين توبتهم معترفين بخطاياهم. قدموا كل رصيدهم، كتب السحر الثمينة، ليعلنوا عدم الرجوع إلى السحر، ما كانوا يظنونه مصدر رزقهم بل وغناهم لم يعد ذات قيمة بل صار أشبه بمرض يريدون الخلاص منه. ولعل حرق الكتب علانية كان تعبيرًا عن روح الفرح بالنصرة على عدو الخير والبهجة بخلاص السيد المسيح.

+  اضطراب في أفسس ... كان صناعة هياكل صغيرة من الفضة أو تماثيل للآلهة أرطاميس تجارة مربحة للغاية. وإذ نجحت خدمة الرسول بولس انهارت هذه التجارة، لذلك عقد شخص يدعى ديمتريوس اجتماعًا لصانعي التماثيل الفضية، وأوضح لهم الخطر الذي يحدق بهم. لم يلجأ ديمتريوس إلى الحكام أو القضاة، بل إلى أصحاب المصالح المادية والعمال الذين كل ما يشغلهم في هذه العبادة مكسبهم المادي. واستطاع أن يهيج المدينة على القديس بولس ومن معه يكشف ديمتريوس عن مدى الخطورة التي تحل بهم، حيث أن انتشار الإيمان حتمًا يسبب غلق متاجر هؤلاء الصناع، وتبطل صياغة هيكل أرطاميس الفضية. ضخم الصناع الأمر ليس بفقدان مصدر رزقهم، وإنما بأنها إهانة لآلهتهم الباطلة. ولكي يثيرهوم دينيًا أعلن ديمتريوس لهم أن ما هو أخطر أنه يهين الإلهة التي تتعبد لها جميع آسيا والمسكونة. { فَجَمَعَهُمْ وَالْفَعَلَةَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ سِعَتَنَا إِنَّمَا هِيَ مِنْ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ. وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَتَسْمَعُونَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفَسُسَ فَقَطْ بَلْ مِنْ جَمِيعِ أَسِيَّا تَقْرِيباً اسْتَمَالَ وَأَزَاغَ بُولُسُ هَذَا جَمْعاً كَثِيراًقَائِلاً: إِنَّ الَّتِي تُصْنَعُ بِالأَيَادِي لَيْسَتْ آلِهَةً. فَلَيْسَ نَصِيبُنَا هَذَا وَحْدَهُ فِي خَطَرٍ مِنْ أَنْ يَحْصُلَ فِي إِهَانَةٍ بَلْ أَيْضاً هَيْكَلُ أَرْطَامِيسَ الإِلَهَةِ الْعَظِيمَةِ أَنْ يُحْسَبَ لاَ شَيْءَ وَأَنْ سَوْفَ تُهْدَمُ عَظَمَتُهَا هِيَ الَّتِي يَعْبُدُهَا جَمِيعُ أَسِيَّا وَالْمَسْكُ. فَلَمَّا سَمِعُوا امْتَلأُوا غَضَباً وَطَفِقُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: «عَظِيمَةٌ هِيَ أَرْطَامِيسُ الأَفَسُسِيِّينَ». فَامْتَلأَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا اضْطِرَاباًوَانْدَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى الْمَشْهَدِ خَاطِفِينَ مَعَهُمْ غَايُوسَ وَأَرِسْتَرْخُسَ الْمَكِدُونِيَّيْنِ رَفِيقَيْ بُولُسَ فِي السَّفَرِ. وَلَمَّا كَانَ بُولُسُ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَ الشَّعْبِ لَمْ يَدَعْهُ التَّلاَمِيذُ. وَأُنَاسٌ مِنْ وُجُوهِ أَسِيَّا كَانُوا أَصْدِقَاءَهُ أَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ إِلَيْهِ أَنْ لاَ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ إِلَى الْمَشْهَدِ. وَكَانَ الْبَعْضُ يَصْرُخُونَ بِشَيْءٍ وَالْبَعْضُ بِشَيْءٍ آخَرَ لأَنَّ الْمَحْفَلَ كَانَ مُضْطَرِباً وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَدْرُونَ لأَيِّ شَيْءٍ كَانُوا قَدِ اجْتَمَعُوا!. فَاجْتَذَبُوا إِسْكَنْدَرَ مِنَ الْجَمْعِ وَكَانَ الْيَهُودُ يَدْفَعُونَهُ. فَأَشَارَ إِسْكَنْدَرُ بِيَدِهِ يُرِيدُ أَنْ يَحْتَجَّ لِلشَّعْبِ. فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ يَهُودِيٌّ صَارَ صَوْتٌ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمِيعِ صَارِخِينَ نَحْوَ مُدَّةِ سَاعَتَيْنِ «عَظِيمَةٌ هِيَ أَرْطَامِيسُ الأَفَسُسِيِّينَ!». ثُمَّ سَكَّنَ الْكَاتِبُ الْجَمْعَ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَفَسُسِيُّونَ مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ أَنَّ مَدِينَةَ الأَفَسُسِيِّينَ مُتَعَبِّدَةٌ لأَرْطَامِيسَ الإِلَهَةِ الْعَظِيمَةِ وَالتِّمْثَالِ الَّذِي هَبَطَ مِنْ زَفْسَ؟. فَإِذْ كَانَتْ هَذِهِ الأَشْيَاءُ لاَ تُقَاوَمُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ وَلاَ تَفْعَلُوا شَيْئاً اقْتِحَاماً. لأَنَّكُمْ أَتَيْتُمْ بِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وَهُمَا لَيْسَا سَارِقَيْ هَيَاكِلَ وَلاَ مُجَدِّفَيْنِ عَلَى إِلَهَتِكُمْ. فَإِنْ كَانَ دِيمِتْرِيُوسُ وَالصُّنَّاعُ الَّذِينَ مَعَهُ لَهُمْ دَعْوَى عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّهُ تُقَامُ أَيَّامٌ لِلْقَضَاءِ وَيُوجَدُ وُلاَةٌ فَلْيُرَافِعُوا بَعْضُهُمْ بَعْضاً. وَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ شَيْئاً مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ أُخَرَ فَإِنَّهُ يُقْضَى فِي مَحْفِلٍ شَرْعِيٍّ.لأَنَّنَا فِي خَطَرٍ أَنْ نُحَاكَمَ مِنْ أَجْلِ فِتْنَةِ هَذَا الْيَوْمِ. وَلَيْسَ عِلَّةٌ يُمْكِنُنَا مِنْ أَجْلِهَا أَنْ نُقَدِّمَ حِسَاباً عَنْ هَذَا التَّجَمُّعِ». وَلَمَّا قَالَ هَذَا صَرَفَ الْمَحْفَلَ} (أع 25:19-41). أراد القديس بولس الرسول أن يدخل  وسط الجماهير ليتحدث معهم مدافعًا عن نفسه وعن صديقيه، أو ليشهد لهم بطريق أو آخر عن الإنجيل. لكن منعه المؤمنين خوفا عليه ومعهم قادة عقلاء من هناك وكانوا أصدقاء له فأرسلوا إليه ألا يسلم نفسه، إذ أدركوا خطورة الموقف وكان يلزم امتصاص غضب الجماهير حتى يمكن السيطرة على الموقف دون أن يهلك الرسول ورفقاؤه. لعل تلاميذ الرسول وهؤلاء الوجوه رأوا أن تسليم بولس نفسه للجماهير يلهب الموقف بالأكثر، فستعامله الجماهير بعنفٍ شديدٍ وقد تقتله، وليس بذات المعاملة التي يعاملون بها رفيقيه غايس وارسترخس. فالأفضل أن ينتظر حتى يتهيأ الجو للقاء مع الجماهير بعد إقامة محفل للقضاء. وظهر كاتب المدينة أو سكرتير مجلس المدينة، وهو ضليع في القانون وذو ثقافة عالية فتحدث معهم باللغة التي تهدئتهم من ثورتهم، مؤكدًا لهم أن هذه الإلهة العظيمة النازلة من السماء لا يمكن أن يدمرها قلة قليلة جدًا من اليهود. لقد وبخهم على مخاوفهم غير اللائقة بعظمة أرطاميس. وكأنه يقول لهم هذا الهياج يهين العبادة فتظهر وكأنها ضعيفة ومعرضة للخطر بلا سبب. وأكد للجموع الهائجة أنه إن كانت هناك أية شكاوى أخرى، فالقضاء مستعد للاستماع بمحفلٍ شرعيٍ وليس بالهياج والثورة، حتى يمكن تحقيق العدالة وتنفيذ القانون. لان الهياج يسيء إلى سمعة المدينة لدى روما، لأنه بلا ترتيب ولا نظام، ويتجاهل الإجراءات القانونية السليمة. يلزمهم أن يتذكروا أن من يشترك في هياج هكذا يحسب جريمة يعاقب عليها القانون الروماني بالإعدام. وإذ خشي الكثيرون لئلا يُقبض عليهم، ويُحاكموا بجريمة التظاهر والشغب، انسحبوا، فانصرف المحفل كله.

في قيادة الله القدير..

+ يا الله ضابط الكل ومدبر الكون القدير، أنت قادر أن تستخدم الأشخاص والأحداث من أجل مجد اسمك القدوس، أنت قادر أن تقودنا بعين عنايتك وتستخدمنا لصلاحك وأنت صانع الخيرات الرحوم والعامل من أجل خلاص ونجاة كل أحد فاستخدمنا كأواني مقدسة لصنع إرادتك المقدسة كل حين.

+ ايها المسيح الهنا، الراعي الصالح الذي قاد الكنيسة عبر تاريخها الطويل، أنت عملت بالرسل القديسين المعجزات وكرزوا وبشروا باسمك القدوس في كل الأقطار وردوا كثيرين للإيمان فهربت من أمامهم قوات الشر والظلمة، أعمل الآن يا سيد وأسمع واصفح عن ذنب شعبك وأرفع عن العالم وبلادنا الوباء وروح والمرض والضلال واهدنا الى ملكوتك السماوي.

+ يا روح الله القدوس، العامل في الكنيسة و مؤمنيها وأسرارها . قدس شعبك وبارك ميراثك وحرك الأشخاص والأحداث وحتى المواقف العصيبة وتقودنا فيها لمجد اسمك القدوس ولبنيان وخلاص النفوس ولا تدع موت الخطية يقوى علينا بل أبعث فينا روح التوبة والصلاة من أجل خلاص النفوس البعيدة وتقوية الإيمان ومجد أسمك القدوس، امين . 

السبت، 12 ديسمبر 2020

ملكوت الله والاولويات فى حياتنا

للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

إهتمام الإنسان بتوفير حاجاته المادية..
+
  في عالم اليوم ووسط موجات الوباء الغلاء والتضخم وصراعات الحياة نجد الكثيرين يقلقوا ويضطربوا من أجل أمور الحياة الكثيرة ويقضى الإنسان معظم وقته فى توفير متطلبات الحياة المادية وقد يغفل الإهتمام بروحياته وحرصه علي أبديته وإهتمامه بعلاقته بالله وملكوته وينسي أن له آب صالح يهتم باشباع إحتياجاته {  فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟. فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هَذِهِ كُلِّهَا. لَكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللَّهِ وَبِرَّهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ} (مت 13:6-34). ويوضح لنا السيد المسيح أهمية العلاقة الحية والعشرة الصادقة بالله، فلا يقضي المؤمن غالبيه حياتنا لاقتناء الطعام واللباس والمسكن والتعليم، والإهتمام بمطالب الجسد فقط بل عليه أن يهتم بملكوت الله وشبعنا بالله فى توازن وترتيب للأولويات فى حياتنا، فحياتنا وأبديتنا أهم من الماديات الزائلة. والله الذى منحنا هذه الحياة وهذا الجسد، قادر بالطبع أن يهبنا احتياجاتنا المادية ولهذا جاء المسيح متجسدا لتكون لنا حياة أفضل.

+ يقدم لنا السيد المسيح دليل علي إهتمامه حتى بطيور السماء التي تطير مغردة دون أن تقلق لأجل احتياجاتها الجسدية والتخزين للمستقبل، وهو يقوتها يوما فيوما. الإنسان عن الله أفضل من طيور كثيرة يهتم به الله ويعطيه احتياجاته وماذا استفاد المهتمون بالأمور المادية، هل استطاعوا أن يزيدوا طولهم ذراعا واحدة؟ فالله هو الذى يعطى طول الجسد وشكله، ويحفظنا فى ثقتنا به واتكلنا عليه. كما أن زنابق الحقل، ولا سليمان الملك، رغم عظمته وكثرة أمواله، لم تصل ملابسه إلى جمال هذه الأزهار، مع أنها مجرد أعشاب تنمو لبضعة شهور ثم تذبل. الإنسان ذو  قيمة عظيمة فى نظر الله أعظم من الطيور وزهور الحقل ؟. لقد تجسد الإبن الكلمة وبذل ذاته فداءا عنا ليهبنا الخلاص، وليس هذا مدعاة للكسل أو التهاون بل علينا أن نعمل بجد وإجتهاد ونستثمر الوزنات المعطاة لنا فى توازن بين إشباع أرواحنا وأجسادنا ونفوسنا ونمو علاقتنا بالله والناس.

+ علينا أن نطلب أولا ملكوت الله وبره بأن يملك الله على قلوبنا ونتمتع بعشرته، ويملك علي البعيدين ويقربهم اليه ونسعى فى طلب البر واثقين أن أمور الحياة يوفرها الله لنا. ولا ننسى أن هدفنا الأسمي هو الله، نعطيه القلب والأولوية فى وقتنا وأعمالنا وتفكيرنا ومحبتنا. هكذا قدم إبراهيم أبو الآباء أبنه وحيده علي المذبح معطيا الله الأولوية حتى على أبنه من أجل ذلك راينا الله يمنعه أن يمد يده عليه وقدم له حمل محرقه عوض عن أبنه وباركه الله. ولهذا قال القديس بطرس الرسول والرسل { فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَالرُّسُلُ: «يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ }(اع  5 :  29)

+ ترتيب اولويات حياتنا...

+ مع إهتمامات الإنسان الكثيرة والإنفتاح علي عالم الميديا والنت والموبيل والطفرة فى عالم الأخبار، تشتت فكر الانسان وأدمن البعض الجلوس مع الميديا دون العالم الواقعي أو عالم الكتاب وأهمل البعض الحياة الروحية وكثرت متطلبات الحياة وأصبح الإنسان عرضة لضياع الهدف أو يضع البعض أهداف وقتية زائلة تعطل مسيرتهم نحو الله والأبدية. وحتى فى زمن السيد المسيح كانت مرثا مرتبكة من أجل أمور كثيرة وطلبت مساعدة أختها لها ولهذا عاتبها السيد { فَأَجَابَ يَسُوعُ: «مَرْثَا مَرْثَا أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ. وَلَكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ. فَاخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا»} (لو 41:10-42). رغم أهميته ما كانت تعمله مرثا فى إعداد الطعام الضرورى للحياة الجسدية، لكنها إنهمكت فيه ذلك بمبالغة، لدرجة أنها اضطربت، فعاتبها المسيح. وهو طبعاً يقدر محبتها واهتمامها بتكريمه، ولكن الإنشغال الزائد يربك الإنسان. وقد يكفي صنف واحد أو أثنين من الطعام الضروري لاسيما فى الصوم للتفرغ للعمل الروحي وعدم الأضطراب وضياع الوقت والمال في أعداد أطعمة تضر بالصحة أحيانا كثيرة. والكتاب ينصحنا قائلاً { لقمة يابسة ومعها سلامة خير من بيت ملان ذبائح مع خصام }(ام 17 : 1). لقد اختارت مريم النصيب الصالح، وهو الجلوس عند أقدام السيد المسيح وسماعه وهذا الاختيار هو الذى يشبع النفس ويخلصها. وهو الذى يوصل المسيحي إلى الملكوت الأبدي ومع تقدير المسيح للأعمال العالمية المفيدة وكل الخدمات المادية والروحية، مثل مساعدة المرضى، والمسنين، وإعالة الفقراء مادياً، لكنها لا تغنى الخادم أو الإنسان الروحي عن علاقته الشخصية بالمسيح ومحبته والصلاة وقراءة الكتاب المقدس.

 + من الأشياء الهامة والضرورية للنجاح والتفوق فى الحياة ان نرتب أولويات حياتنا ونعطيها الإهتمام والوقت الكافى، فنقوم بعمل الأشياء المهمة فالأقل أهمية. فليس من المعقول ان يسوق أحد سيارته هائما على وجهه فى الطرق ويتمنى الوصول سريعا الى نقطة وصول محددة. ففى هذا مضيعة للوقت والجهد والمال. فلا نعطي الشئ الاقل أهمية او بلا فائدة الوقت الكثير أو نمضى الوقت فى ما لايفيد ونطمح فى تحقيق النجاح والسعادة. ان من يعمل ما يفيد يتخلص مما لا يفيد والعكس صحيح. الله يدعونا للتفكير والتخطيط السليم لبناء حاضر سليم ومستقبل أفضل وأبدية سعيدة { ومن منكم وهو يريد ان يبني برجا لا يجلس اولا ويحسب النفقة هل عنده ما يلزم لكماله. لئلا يضع الاساس ولا يقدر ان يكمل فيبتدئ جميع الناظرين يهزاون به. قائلين هذا الانسان ابتدا يبني ولم يقدر ان يكمل} (لو 28:14-30). فالإنسان الروحى الذى يريد أن يبنى برج، أى علاقة روحية تربطه بالسماء، ينبغى أن يضع الأساس وهو الإيمان بالمسيح والجهاد الروحي فى الصلاة والصوم والتوبة بانسحاق، حتي لا تهزأ الشياطين به. فدعوة المسيح لحساب النفقة ليس تخويف لتابعيه من صعوبة الطريق، لكن ليدفعهم للأستعداد ووضع أهداف روحية وعمليه سليمه لحياتهم فيضمنوا الوصول للملكوت والتمتع بعشرته المفرحة دائماً.

+ ويوصينا الكتاب المقدس بان نهتم بخلاص نفوسنا وعلاقتنا بالله والناس فى توازن وتكامل فى حياتنا، ففى مثل الغني الغبي الأناني الذى أهتم فقط بامواله دون علاقته مع الله والناس راينا كيف خسر حياته الابدية { فقال له الله يا غبي هذه الليلة تطلب نفسك منك فهذه التي اعددتها لمن تكون } (لو 12 : 20). فلو ربحنا العالم وخسرنا أنفسنا فنحن نسير فى طريق خاسر{ ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه او ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه} (مت 16 : 26). ولو تصورنا أن إنسان مَلَكَ أو ربح العالم لكن خسر أبديته فقد أضاع نفسه وأهلكها ولا شئ يساويها أو يعوضها، للإنسان نفس واحدة لا يستطيع أن يستعيدها متي خسرها، نفسك هي أغلى من كل ممتلكات العالم وشهواته، وقد أقتناها المسيح بدمه المسفوك لأجل خلاصها، فلا ينبغي أن يضيع الإنسان أغلى شيء فى الوجود، وهو نفسه، لأجل أية شهوات أو أمور مادية مؤقتة.

 + ترجع أهمية ترتيب الأولويات فى حياة الإنسان لمحدودة الوقت والجهد والإمكانيات. وبترتيب أولويات حياتنا وأعمالنا ومقابلاتنا نستطيع ان نحقق الامور الهامة التي نسعى للقيام بها وبالتخطيط السليم نتفوق ونحقق رسالتنا فى جوانبها الحياتية المختلفة فى تكامل وتعاون للقيام باعمالنا ودورنا كافراد فى الاسرة والعائلة والكنيسة والمجتمع والعمل الذى نقوم به بحكمة مفتدين الوقت. وعلى المؤمن وضع الاهداف التي يريد ان يصل اليها سواء على مستوى الاسبوع او الشهر أو السنة. كل هذا يجعلنا نتقدم وننجح ونسعد. ومع معرفة ميولنا وإمكانياتنا ووزناتنا وتنميتها بالجهد والعرق المتوالي نصل للنجاح والنبوغ بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة نتخطى العقبات وننجح فى كل عمل صالح { لاننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لاعمال صالحة قد سبق الله فاعدها لكي نسلك فيها} (اف 2 : 10(.
 +
بتحديد الأولويات ومعرفة امكانياتنا وتطوير وبناء الذات نجد ان هناك فرق كبير بين حياتنا التي تمضى بدون حساب النفقة وبلا ترتيب ونظام وبين ان نبنى برج النجاح لعلاقات ناجحة تنمو وتفتح أفاق جديدة للسعادة وتحقيق ما لم نكن نحلم به أو نتصوره من تقدم وما العبقرية الإ جهد متواصل تنمو ثماره على مر الزمن وتظهر نتائجه مع اداء الانسان دوره فى مجتمعه فى سعادة. علينا اذا إكتشاف إمكانياتنا وقدراتنا وطاقاتنا وميولنا واستغلالها والمتاجرة والربح بالوزنات المعطاة لنا من الله لهذا مدح الله الذين تاجروا بوزناتهم لهم وربحوا وأدان الى طمر وزنته (مت 19:25-29). لقد منح الله كل منا وزنات ليتاجر ويربح بها ولم يبخل علينا بل أعطي كل وأحد على قد طاقته وسيحاسبنا على ما هو متاح لنا وليس ما هو غير مستطاع مع أننا نستطيع عمل الكثير بالتركيز والنظام والتصميم فى المسيح الذي يقوينا.

+ الله منحنا وزنات ومواهب روحية وجسدية ونفسية ومادية سواء معرفة وحكمة وتعليم وإمكانيات عقلية ومحبة وخدمة وصحة ووقت علينا أن نجاهد بها في حياتنا لنربح. كما أن الله لا يحابي أحدا على حساب آخر، لكنه يعرف طاقة كل واحد فما قدمه لنا الله من مواهب لم يقدمها إعتباطا وإنما هو يعرف ما يناسب كل إنسان لخلاص نفسه وأسرته وخدمة كنيسته ومجتمعه. فلا يتكبر أحد على أصحاب المواهب الأقل ولا يحسد حساب الوزنات الأقل أصحاب المواهب الأكثر، بل نشكر الله ونستثمر ما بين أيدينا. الله يهبنا الحرية والارادة وكل منا مسئول عن إستثمار وزناته (مت14:25-30). ويجب ان ننمى وزناتنا الروحية والعقلية والعملية وعلاقاتنا فما التفوق والعبقرية الا معرفة من الانسان لمواهبه وبالجهد الامين فى تنميتها بمرور الوقت والتراكم المعرفي والزمنى وبالانجازات تصنع المعجزات. اما الكسالى والخاملين فلا مكان لهم فى عالم اليوم ولا حتى فى السماء من أجل تراخيهم وعدم إهتمامهم بخلاص نفوسهم.
المجالات الهامة فى حياة المؤمن..
+
 العلاقة بالله ومحبته والعمل للوصول الى ملكوت السموات يأتي فى أول سلم إهتمامات الانسان الروحي من أجل هذا قال لنا السيد الرب { اطلبوا ملكوت الله وهذه كلها تزاد لكم }(لو 12:31). محبة الله والقريب والنفس هم مثلث راسه محبة الله وضلعيه محبة القريب والنفس كما يقول الكتاب { تحب الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الاولى. وثانية مثلها هي تحب قريبك كنفسك ليس وصية اخرى اعظم من هاتين} (مر 30:12-31). محبتنا لله وطاعتنا لوصاياه وعمل ارادته فى حياتنا والنظر الى الناس والحياة والأشياء فى ضوء الكتاب المقدس وقيادة الروح القدس يجعلنا نسلك فى النور ونكون نور للعالم الجالس فى الظلمة { لان الله لم يعطنا روح الفشل بل روح القوة والمحبة والنصح} (2تي 1 : 7(. علينا أن نكون أناس صلاة من أجل الجميع ليس من أجل خلاص أنفسنا فقط ولكن لمن هم حولنا بل وعالمنا كله { فَأَطْلُبُ أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ انْ تُقَامَ طِلْبَاتٌ وَصَلَوَاتٌ وَابْتِهَالاَتٌ وَتَشَكُّرَاتٌ لأَجْلِ جَمِيعِ النَّاسِ} (1تيم 2:1) كما أنه وأجب علينا أن نتوب ونحاسب أنفسنا ونطلب الرحمة والغفران وعلينا أن نسعي للسلام والمصالحة مع الغير لاسيما أن كان الخطأ قد صدر منا { فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئاً عَلَيْكَ. فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ وَاذْهَبْ أَوَّلاًاصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ.} (مت 23:5-24)
 +
الاهتمام بالحياة الاسرية وبناء اسرة مترابطة قوية سعيده متفاهمة تحيا فى محبة وتعاون وشركة مع الله والكنيسة وتشارك فى المجتمع وتشهد للإيمان كاولوية مهمة فى حياة المؤمن، فقد ينجح الانسان فى العمل ويحقق طموحه الدراسي والمادي دون ان يهتم ببناء بيت سليم، فتتفكك الاسرة أو يفشل الأبناء. وكم من اشخاص تغربوا من أجل تحقيق طموحهم المادي وتركوا زوجاتهم واولادهم دون إهتمام وتسبب ذلك فى العديد من المشكلات التي تسبب لهم التعاسة والفشل لهذا فمن أولويات المؤمن الاهتمام بأهل بيته وأسرته واقربائه وحياتهم الروحية { واما انا وبيتي فنعبد الرب} (يش 24 : 15). علينا التعاون فى تحقيق الإشباع النفسي والروحي والإجتماعي والحرص على النمو السليم لافراد الاسرة مع اشباع حاجتهم للطعام والشراب ومستقبلهم الدراسي والعملي.  ومن النجاح الأسري ينطلق المؤمن الى مجال أوسع للعلاقات الإجتماعية مع العائلة والاقارب والجيران والاصدقاء والزملاء والامتداد بالمحبة والعطاء على قدر طاقتنا وتنمية هذه العلاقات للمرضى والمحتاجين والغرباء والمسجونين وذوى الحاجات الخاصة فهذه اساسيات الدخول لملكوت السموات { من اراد ان يكون فيكم عظيما فليكن لكم خادما} (مت 20 : 26).
 +
الأمانة فى العمل والالتزام به مع الاتزان فى القول والسلوك والعلاقات من المجالات الهامة التي يجب ان يقوم بها المؤمن فى بذل وإخلاص وتفانى حتى وسط أجواء الفساد الاداري والمالي من حولنا فنحن مسؤليين عن خلاص أنفسنا ونسأل عنها أمام الله. وعلينا العمل بامانه ومخافة الله  فى عالم يسوده التنافس وقلة فرص العمل فمهما كانت وظيفتنا، كبرت أو صغرت علينا ان نحب ما نعمل ونعمله بامانة ونتغلب على التحديات والمضايقات بالحكمة والصبر والمثابرة، ومع الوقت لابد ان يظهر معدن الانسان جليا للناس، ونحن في عملنا ننتظر المجازاة من الله الذى يرى فى الخفاء ويجازى علانية.
 +
المؤمن فى كنيسته عضو فعال ومشارك وخادم ناجح على قدر طاقته وعمق محبته وأمانته تجعله محب ومحبوب ويعتمد عليه، كما انه شاهد حي للإيمان العامل بالمحبة فى مجتمعه وبين أصدقائه، يخصص لكل شئ وقت للجد والعمل وقت وللمجاملات والترفيه عن النفس وقت. المؤمن أمين كملح فى الارض لوطنه ويستنير من علاقته بالله وينير الدرب لكثيرين. مع الحرص علي ايجاد توازن وتكامل بين مجالات عمله فى الحياة وأولوياتها والاستجابة للظروف الطارئة والملحة فى حكمة من أجل بناء النفس والغير وعمل الخير والإمتداد نحو حياة صالحة والتطلع نحو الأبدية السعيدة التي يعدها الله لجميع الذين يترجون ظهوره في مجده العتيد،أمين.